أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
منذ الساعات الأولى لعملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، بدا واضحاً أن المواجهة لن تبقى محصورةً في إطار تقليدي. فقد بدأ الكيان الإسرائيلي هجومه بعملية عسكرية برية ترافقها كثافةٌ نارية من القصف الجوي والصاروخي، في محاولةٍ لاستعادة زمام المبادرة وإعادة فرض ميزان الردع. وفي اليوم التالي، مع بدء ما سُمِّي حربَ الإسناد من لبنان، دخلت الجبهة الشمالية في معادلة الصراع، مما وسَّع نطاق المواجهة ورفع من مستوى التعقيد العسكري والسياسي.
في تلك المرحلة، اعتمدت إسرائيل بصورة مكثفة على سياسة الاغتيالات الدقيقة التي استهدفت كوادر من حزب الله. وقد بدا أن هذه السياسة كانت ثمرةَ تحضيرٍ استخباراتي طويل. ومع مرور الوقت، رأت القيادة العسكرية الإسرائيلية في هذا الأسلوب أداةً فعالة، فسعت إلى تعميمه وتكراره في ساحاتٍ أخرى من الصراع، لا سيما في غزة.
غير أن التجربة في غزة لم تُحقِّق النتائج نفسها التي تحققت في لبنان. فالبنية التنظيمية للفصائل الفلسطينية، إضافةً إلى طبيعة البيئة الميدانية، حدَّت من فعالية الاختراقات الاستخباراتية التي تعتمد عليها مثل هذه العمليات. ومع تعثُّر هذا النهج، انتقلت إسرائيل إلى استراتيجية أخرى تقوم على التدمير الواسع والقوة النارية الشاملة. فشهد قطاع غزة واحدةً من أعنف حملات القصف في تاريخه الحديث، طالت البنيةَ التحتية والمرافقَ المدنية، بما فيها المدارس والمستشفيات والمؤسسات الخدمية. وكان المدنيون، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، الأكثر تضرراً من تلك العمليات.
في المقابل، أثارت تلك الأحداث موجةً غير مسبوقة من التضامن الدولي الشعبي مع القضية الفلسطينية. فقد شهدت مدنٌ كثيرة حول العالم مظاهراتٍ واسعة تندد بالحرب وتطالب بوقفها. ومع ذلك، لم ينعكس هذا الضغط الشعبي بشكل حاسم على مسار القرار السياسي الدولي، إذ استمرت العمليات العسكرية إلى أن فرضت إسرائيل واقعاً ميدانياً ينسجم مع أهدافها الاستراتيجية.
أما على الساحة اللبنانية، فإن المشهد يبدو مختلفاً. فالحروب التي شهدها لبنان مع الكيان، من حرب الإسناد إلى حرب الـ66 يوماً وصولاً إلى المواجهة الجارية، لم تُقابَل بدرجة مماثلة من الضغط الدولي أو ردود الفعل الشعبية العالمية. وهذا التفاوت يجب أن يكون محلَّ دراسةٍ وتقييم.
في ضوء ذلك، يبدو أن النموذج العسكري الذي جرى تطبيقه في غزة قد يتحول إلى صيغة قابلة للتكرار في لبنان، خصوصاً إذا اعتبرت إسرائيل أن البيئة الاستراتيجية تسمح بذلك. فالتدمير الواسع للبنية التحتية المدنية، واستخدام القوة النارية الشاملة، قد يصبحان جزءاً من معادلة الردع التي تسعى إسرائيل إلى فرضها.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الثقة الدولية بالدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والسياسية قد تراجعت، وهو ما يُضعف قدرة لبنان على التأثير في مواقف القوى الكبرى أو الحدِّ من مسار التصعيد. كما أن الإشارات السياسية الصادرة عن القيادة اللبنانية، بما فيها التلميح إلى تنازلات أو تسويات، لم تُفضِ حتى الآن إلى تغيير جوهري في مواقف الأطراف الدولية المؤثرة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، ما على الحكومة اللبنانية إلا استحضار العبارة الإنجيلية الشهيرة:
«مرتا، مرتا، أنتِ تهتمين بأمور كثيرة، والمطلوب واحد». وإلا فعليها التهيؤ لمواجهة النموذج الغزاوي في لبنان، كل لبنان.



