أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
بعد أكثر من نصف قرن على صدور رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني، يعود سؤال أبو الخيزران ليطلّ من جديد على واقع عربي مأزوم. فالصمت الذي صوّره كنفاني داخل خزان الصحراء يبدو اليوم وكأنه يتكرر في أماكن أخرى من الجغرافيا العربية، حيث يعيش المدنيون تحت ظل الحروب والقرارات التي لا يملكونها.
حين كتب غسان كنفاني روايته رجال في الشمس لم يكن يروي حكاية ثلاثة رجال يموتون اختناقاً في خزان ماء في صحراء قاسية فحسب، بل كان يكتب استعارة كبرى عن الصمت أمام المأساة. كان يرى أن المأساة لا تكمن في الموت وحده، بل في الصمت الذي يسبقه. ولهذا جاءت صرخة أبو الخيزران في نهاية الرواية كطعنة في الضمير: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟
لم يكن السؤال موجهاً إلى أبي قيس أو أسعد أو مروان فقط. كان موجهاً إلى زمن كامل، وإلى شعوب كاملة وجدت نفسها محاصرة بين الخوف والعجز والقدر السياسي. الرجال الثلاثة لم يموتوا لأن الصحراء كانت قاسية فقط، بل لأنهم ظلوا صامتين داخل الخزان. ربما خافوا أن يسمعهم الجنود على الحدود. ربما ظنوا أن الصمت هو الطريق الوحيد للنجاة. لكن الصمت في النهاية لم يكن إلا الطريق الأقصر إلى الموت.
اليوم، حين يعود هذا السؤال إلى الذاكرة، لا يعود كجملة أدبية من رواية قديمة، بل كسؤال سياسي معاصر. صار الخزان بالنسبة لي مكاناً آخر وزماناً آخر. صار الخزان جنوب لبنان، وصارت جدرانه الضاحية الجنوبية، حيث يعيش الناس تحت ظل حربٍ لا تميّز بين بيت وآخر، ولا بين مدني ومقاتل.
هناك أيضاً حرارة الشمس نفسها، والاختناق نفسه، والشعور نفسه بأن الإنسان محاصر داخل صندوق لا يملك فتحه. الطائرات تقصف، والبيوت تهدم، والناس يموتون بلا تمييز. ومع ذلك يبقى الصوت خافتاً، وكأن الخزان ما زال مغلقاً بإحكام.
في رواية كنفاني، كان الرجال الثلاثة ضحايا طريقٍ لم يختاروه تماماً، بل وجدوا أنفسهم مدفوعين إليه بفعل الفقر واليأس والتهجير. لكنهم في لحظة الاختناق الأخيرة لم يطرقوا جدران الخزان. لم يصرخوا. لم يحاولوا كسر الصمت الذي أحاط بهم.
وهنا يعود السؤال مرة أخرى، لكن بصيغة أشد قسوة: لماذا لا يُدقّ الخزان اليوم؟
حين تتحول الحرب إلى قدر يومي، وحين يصبح المدنيون وقوداً لمعركة لا يملكون قرارها، يصبح الصمت نفسه جزءاً من المأساة. الناس في تلك المناطق يدفعون الثمن الأكبر: بيوت مهدمة، عائلات مفجوعة، ومدن تتحول إلى ساحات مفتوحة للنار. ومع ذلك يبقى الاحتجاج ضعيفاً، وكأن الخوف أو العجز أو الاعتياد قد بنى جدراناً إضافية حول الخزان.
في الرواية، كان أبو الخيزران يمثل نوعاً من القيادة العاجزة: رجل يقود الآخرين عبر الحدود لكنه في النهاية يعجز عن إنقاذهم. يتحدث كثيراً لكنه لا يغيّر شيئاً في مصيرهم. وعندما اكتشف أنهم ماتوا، لم يجد تفسيراً سوى سؤالٍ موجع يطارده: لماذا لم تدقّوا الجدران؟
هذا السؤال نفسه يمكن أن يتحول اليوم إلى سؤال سياسي وأخلاقي في آن واحد: متى يرفع الناس صوتهم حين تتحول حياتهم إلى رهينة قرارات أكبر منهم؟ ومتى يصبح الاعتراض على الحرب ضرورة للحياة لا مجرد موقف سياسي؟
لكن مأساة الخزان ليست بهذه البساطة. فالصمت لا يكون دائماً اختياراً حراً. أحياناً يكون خوفاً. وأحياناً يكون شعوراً بالعجز أمام قوى أكبر من الفرد والمجتمع. وأحياناً يكون نتيجة سنوات طويلة من الاعتياد على الألم حتى يصبح الصراخ نفسه بلا جدوى.
ولهذا تبقى صرخة أبو الخيزران قاسية، لأنها تلقي اللوم على الضحايا أكثر مما تفسر ظروفهم. فالرجال في الخزان لم يكونوا أحراراً تماماً، بل كانوا محاصرين، كما يُحاصر كثيرون في واقعنا المعاصر بين الخوف والحرب والسياسة.
وهكذا تعود رواية كنفاني، بعد أكثر من نصف قرن، لتثبت قدرتها الغريبة على العبور بين الأزمنة. فهي ليست رواية عن ثلاثة رجال في صحراء بعيدة، بل عن الإنسان العربي حين يجد نفسه داخل خزان التاريخ: محاصراً بالحدود، وبالقرارات التي لا يملكها، وبالحروب التي يدفع ثمنها دون أن يشارك في صنعها.
ويبقى السؤال معلقاً، كما تركه كنفاني قبل عقود طويلة:
هل المشكلة في الخزان نفسه،
أم في الذين ما زالوا صامتين داخله؟



