الأربعاء, أبريل 22, 2026
21.3 C
Beirut

لبنان على الصليب… تأملات في المسيح الذي علّمنا أن نحب حتى وسط الحرب

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

لم أنم ليلة أمس. كنت أعدّ عبر نشرات الأخبار الصواريخ التي كانت تسقط ضمن دائرة لا تبعد أكثر من ثلاثة إلى خمسة كيلومترات عن منزل أمي. في ذلك المنزل كان إخوتي، وزوج أختي، وابنهما وابنتهما. فتحوا الاتصال بالفيديو لأكون معهم، أشاركهم تلك اللحظات الثقيلة من الخوف، ونحن نترقب ألا يصيب أحد الصواريخ منزلهم. كانت في يدي مسبحة الصلاة، وكنت أصلّي بصمت. لذلك كتبت اليوم هذا التأمل، آملاً أن يحلّ السلام في وطني.

في زمنٍ تشتعل فيه الحروب وتضيق فيه القلوب من ثقل الأخبار، لا أجد كإنسان ملجأً أعمق من التأمل في وجه المسيح، وجه السلام الذي اختار أن يكون قريبًا من وجع البشر. حين أنظر إلى ما يحدث في لبنان اليوم، أجد نفسي أعود إلى تلك اللحظة على الجلجلة، حين وقف العالم صامتًا أمام إنسان مصلوب، بينما كان هو يحمل في قلبه حبًا لم يستطع العنف أن يقتله.

المسيح لم يأتِ بسيف ولا بجيش. جاء بقلب مفتوح. وعندما صعد إلى الصليب، لم يكن ذلك لأن العالم كان صالحًا، بل لأنه كان مكسورًا. وفي لحظة من أعمق لحظات الألم، صرخ بصوت الإنسان الذي يشعر بالوحدة:

«إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟»

(إنجيل متّى 27: 46)

هذه الصرخة ليست ضعفًا، بل مرآة لصرخة كل إنسان متألم. اليوم كثير من أهلنا في لبنان يرفعون السؤال نفسه نحو السماء. ليس لأنهم فقدوا الإيمان، بل لأن الألم أحيانًا يكون أكبر من الكلمات. الإيمان الحقيقي لا يلغي الألم، بل يمرّ عبره.

لكن حتى على الصليب، في اللحظة التي كان يمكن أن يمتلئ فيها قلبه بالغضب، اختار المسيح طريقًا آخر. نظر إلى الذين صلبوه وقال:

«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ.»

(إنجيل لوقا 23: 34)

كم يبدو هذا القول صعبًا في زمن الحرب. كيف يمكن أن نحب العدو ونحن نشاهد بيوتنا تُدمَّر وبلادنا تُصلب؟ لكن رسالة الإنجيل لم تكن يومًا سهلة. لقد قال المسيح لتلاميذه:

«أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ.»

(إنجيل متّى 5: 44)

هذا الحب ليس استسلامًا للشر، بل رفضٌ أن يتحول قلب الإنسان إلى نسخة أخرى من العنف الذي يدمّره. فالحرب تستطيع أن تحطم المدن، لكنها لا تستطيع أن تهزم قلبًا اختار الرحمة.

وعند الصليب كانت هناك أمّ: مريم. أمّ رأت ابنها يُصلب أمام عينيها، ولم تستطع أن توقف المسامير ولا أن تمنع الألم. كل أمّ في لبنان اليوم تفهم تلك اللحظة. كل أمّ تنتظر خبرًا عن ابنها، أو تخاف على بيتها، أو تصلّي في صمت الليل… تشبه مريم الواقفة تحت الصليب.

وفي تلك اللحظة قال يسوع لأمه وللتلميذ الذي كان يحبه:

«يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ.»

«هُوَذَا أُمُّكَ.»

(إنجيل يوحنّا 19: 26–27)

في تلك اللحظة أصبحت مريم أمًا لكل المتألمين، أمًا لكل بلد يُصلب، ولكل شعب يسأل السماء متى ينتهي هذا الليل.

لبنان اليوم يبدو كأنه مصلوب بين قوى كثيرة، بين مصالح وصراعات لا ترحم. لكن قصة الصليب في الإنجيل لا تنتهي بالموت. بعد الظلام يأتي الفجر، وبعد الجمعة العظيمة يأتي فجر القيامة.

لهذا، رغم الألم، يبقى الرجاء فعل مقاومة روحية: أن نحب بعضنا بعضًا رغم الانقسام، وأن نحمي إنسانيتنا رغم الحرب، وأن نرفض أن يتحول قلبنا إلى ساحة معركة.

لم يبقَ لنا إلا أن نصلكي يحفظ الله لبنان، ويضمّد جراح أهله، ويزرع السلام في قلوبنا، حتى نستطيع أن نحب بعضنا بعضًا — وحتى أعداءنا — لأن المحبة وحدها قادرة أن تنزل المصلوبين عن صلبان هذا العالم.

:::

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...