أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982، فرضت القوات الإسرائيلية حصاراً قاسياً على بيروت استمر أسابيع طويلة، قبل أن ينتهي باتفاق قضى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من المدينة وانتقال قيادتها ومقاتليها إلى عدد من الدول العربية. كان ذلك أحد أكثر المنعطفات حساسيةً في تاريخ الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية.
في أعقاب تلك الأحداث، اجتمع عدد من قادة المقاومة الفلسطينية برئاسة الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار) مع قادة من الحركة الوطنية اللبنانية، بينهم أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، في ليبيا بحضور الزعيم الليبي معمر القذافي.
وخلال اللقاء، وجّه القذافي ملاحظةً حادةً إلى المجتمعين، قائلاً إن الأجدر بالمقاومة الفلسطينية كان البقاءُ في بيروت وعدم الانسحاب، حتى لو أدى ذلك إلى التضحية الكاملة، ولو انتهى الأمر باستشهادٍ في سبيل القضية الفلسطينية والعربية، لأن مثل هذا الموقف — برأيه — كان سيُشعل الجماهير ويزيد الشعلة الثورية توهجاً.
عندها ردّ أبو عمار بلهجته المصرية المعروفة قائلاً:
«يا حضرة القائد، كان قرارنا فعلاً هو البقاء، لكن الإخوة في الحركة الوطنية حالوا دون ذلك».
أثار الجواب استغرابَ الحاضرين، فالتفت جورج حاوي إلى عرفات سائلاً:
«كيف حصل ذلك يا أخ أبو عمار؟»
فردّ الزعيم الفلسطيني بأنه سيروي للمجتمعين ما جرى في اجتماع قيادات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية، في منزل نبيه بري في بربور، أحد أحياء بيروت، حيث اجتمعوا لاتخاذ القرار المصيري: الخروج من بيروت أم البقاء؟
«فروى لنا الأخ جورج حاوي — الحاضر بيننا الآن — هذه الطُّرفة:
حين كان السوفييت في مصر، نصبوا في محطات القطار أجهزةً آليةً تجيب عن كل سؤال. اقترب منها رجلٌ من الصعيد وسألها بجدية تامة:
“أنا أطلع مين؟”
فأجابته:
“أنت حسنين ابن عوضين، مسافر إلى أسيوط بقطار الساعة الخامسة”.
ذهب الرجل وبدّل ملابسه، ثم عاد وسأل مجدداً:
“أنا أطلع مين؟”
فجاءه الجواب ذاته حرفاً بحرف.
فكّر قليلاً، ثم ارتدى ملابس امرأة وعاد يسأل بثقة:
“دلوقتي… أنا أطلع مين؟”
فردّت عليه الآلة ببرود:
“لا تحاول التحايل يا حسنين، والأفضل أن تعود لتلحق بقطار الساعة الخامسة”».
ثم أضاف أبو عمار:
«فهمت عند هذه النقطة، من رفاقنا وإخواننا في الحركة الوطنية، أنهم كانوا قد اتخذوا قرار خروجنا من بيروت. فهل ثمة موقف أوضح من هذا؟»
عندها ابتسم العقيد معمر القذافي، وأدرك أن أبا عمار كان قد اتخذ قرار الانسحاب من بيروت، غير أنه أراد أن يُلقي بأعبائه على الحركة الوطنية اللبنانية.
فهل من طُرفةٍ اليوم تُخرج لبنان من مأزقه؟ أم أن أصحاب الشأن والقرار في طهران لا يؤمنون بالطرائف، ولا يرغبون في اختيار الحياة سبيلاً؟



