أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
حين نقول “جمهورية الخميني”، لا نعني دولةً بالمعنى الكلاسيكي. نعني مشروعاً، فكرةً تحوّلت إلى جهاز، وجهازاً تحوّل إلى شبكة تمتد من طهران إلى بيروت إلى صنعاء إلى الشام إلى بغداد. مشروعٌ قام على وعدٍ واحد: تصدير الثورة، وتحرير المستضعَفين، وبناء نظام إسلامي بديل.
الوعد كان كبيراً. والواقع صار أثقل.
أولاً: الشرعية — الجرح الذي لا يلتئم.
كل إمبراطورية تحتاج إلى “قصة” تحكيها لشعبها ولمحيطها. قصةٌ تقول: نحن هنا لسبب، ولوجودنا معنى.
قصة إيران الخمينية كانت واضحةً في البداية: الثورة على الاستبداد، والكرامة الإسلامية، والاستقلال عن الغرب. وجدت هذه القصةُ آذاناً صاغية في عالم إسلامي يعاني من الإذلال.
لكن الجمهورية الإسلامية ارتكبت خطأ كل إمبراطورية تفقد شرعيتها: خانت قصتها بنفسها.
حين أمر زعيمها بقتل وتصفية من ساهموا في انتصار الثورة، وتوالت عمليات الإبادة للمعارضين ولأصحاب الرأي من أبناء جلدته، واستمرت أجهزتها في الإمعان قتلاً وترهيباً للاحتجاجات السلمية التي شهدتها مختلف مدن الجمهورية، وأذلّت المرأةَ وحرمتها من حقوقها — ناهيك عن حرمان الشعب من أبسط حقوقه في العيش الكريم — سقطت القصة، ولم يعد أحدٌ يصدّقها. لا الشبابُ الإيراني الذي خرج في الشوارع منادياً بإسقاط النظام، ولا بعض رجال الدين أنفسهم الذين آثروا الصمت أو الانسحاب.
فالشرعية لا تُسرق من الخارج، بل تُهدَر من الداخل.
ثانياً: الاقتصاد — حين يكذّب الرقمُ الشعارَ
قال بول كينيدي إن الإمبراطورية تنهار حين تُنفق على تمددها أكثر مما تنتج لشعبها.
وإيران اليوم كتابٌ مفتوح على هذه المعادلة.
تُنفق مليارات على حزب الله، وعلى الحشد الشعبي، وعلى الحوثيين، وعلى الفصائل العراقية، وعلى نشر التشيُّع في أرجاء المعمورة كافة، وعلى برنامج صواريخ لا ينتهي — بينما فقد الريال الإيراني أكثر من تسعين بالمئة من قيمته خلال عقدين، والتضخم يلتهم المدخرات، والطبقة الوسطى تتآكل، والشباب المتعلم يغادر البلاد بأرقام قياسية.
والمفارقة المأساوية أن “محور المقاومة” يُموَّل بمال كان يمكن أن يبني مستشفيات في الأهواز، ومدارس في بلوشستان، وفرص عمل في تبريز. الشعب الإيراني يدفع ثمن جمهورية لم يختر بناءها.
هذه ليست سياسةً مستدامة. هذا استنزافٌ بطيء لجسد مريض.
ثالثاً: الوكلاء — قوة تبدو عملاقة وهي هشّة
كان النموذج الإيراني في التوسع ذكياً: لا تحتل بجيوشك، بل ابنِ جيوشاً بأموالك وأيديولوجيتك. حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد في العراق، والفصائل في سوريا. وثمة مَثَلٌ إيراني يقول: اضرب رأس الأفعى بعصا غيرك.
لكن هذا النموذج أثبت هشاشته حين جاء الاختبار الحقيقي.
حزب الله الذي بنته إيران على مدى أربعين عاماً تلقّى ضربات موجعة في عام 2024، وفقد قيادته التاريخية، وبات يتخبّط فاقداً البوصلة، باحثاً عن دور جديد في لبنان الذي يصحو ببطء. وسوريا الأسد، الشريان الرابط بين طهران وبيروت، انهارت في أسابيع. والحوثيون يدمّرون اليمن لا يبنونه. والعراق يتأرجح بين المحور الإيراني والنفوذ الأمريكي.
الوكيلُ حين يضعف المركز يتحول من أداة إلى عبء، بل أحياناً إلى خطر.
رابعاً: الداخل — البركان تحت القشرة
الأطروحة المركزية في تحليل سقوط الإمبراطوريات تقول: الانهيار يبدأ من الداخل.
والداخل الإيراني اليوم يحمل كل الأعراض.
جيلٌ كامل من الشباب الإيراني نشأ بعد الثورة ولم يعشها، يرى في النظام عائقاً لا حامياً، ويجد في الحجاب الإجباري والرقابة والاقتصاد المنهك أسباباً للغضب لا للولاء. انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022 لم تكن مجرد احتجاج؛ كانت إعلاناً عن انفصال جيل كامل عن “القصة” التي أسّس عليها الخميني جمهوريته.
قمع النظامُ الانتفاضة، لكنه لم يُطفئها. أخمد اللهب وبقي الجمر.
والمؤسسة الدينية نفسها ليست متماسكة؛ إذ تنظر مرجعيات النجف بعين قلقة، وأحياناً رافضة، لنموذج “ولاية الفقيه”. والحرس الثوري الذي يُدير إمبراطورية اقتصادية موازية بات لاعباً مستقلاً يصعب احتواؤه حتى على المرشد نفسه.
حين تتفتّت المؤسسة، تتفتّت الإمبراطورية.
خامساً: هل يسقط النظام أم يتحوّل؟
هنا يجب أن نكون أمناء مع التعقيد.
الأطروحة المضادة التي لا يجب تجاهلها تقول: الأنظمة الصلبة لا تسقط، بل تتحوّل. روما لم تَمُت، بل تحوّلت. والسوفيات لم يختفوا، بل أصبحوا روسيا بوتين في عباءة مختلفة.
فهل يمكن أن تتحوّل الجمهورية الإسلامية دون أن تسقط؟ أن يُعيد الحرس الثوري صياغة نفسه كقوة “وطنية” لا “ثورية”؟ أن تتراجع الأيديولوجيا لتحلّ محلها براغماتية حذرة؟
هذا ممكن. لكنه يتطلب تحولاً جذرياً في عقلية النظام، وهو ما لا يُتقنه عادةً من بنى شرعيته على الثبات الأيديولوجي والعداء للتسوية. فحائك السجاد يصبر، لكنه لا يغيّر مهنته ولا عقليته ولا أسلوب تفكيره.
الختام: ما الجواب على السؤال الصعب عن مستقبل الجمهورية أو الإمبراطورية؟
الإجابة المختصرة — لكل مهتم، ونحن اللبنانيين أكثر اهتماماً بمستقبل إمبراطورية دمّرت بلدنا حجراً وبشراً ودوراً — هي: نعم، جمهورية الخميني في طريقها إلى الأفول.
ليس لأن أعداءها أقوياء — وإن كانوا كذلك — بل لأنها تحمل في داخلها أسباب ضعفها: شرعيةٌ تتآكل، واقتصادٌ يُنزف، ووكلاء يُثقلون أكثر مما يُسندون، وشعبٌ يعيش الهوّة بين الوعد والواقع كل يوم.
لكن متى؟ هذا هو السؤال الذي أسقط نبوءات كثيرة. فالإمبراطوريات أحياناً تطول في احتضارها، وتُفاجئ بسرعة انهيارها — أوليس هذا ما حلّ بالاتحاد السوفياتي؟
ما نستطيع قوله بثقة: إيران اليوم أقرب إلى نهاية مشروع منها إلى ذروته. الورقة تُقرأ من نهايتها، والنهاية تقترب — حتى لو لم نعرف موعدها بعد.
“الإمبراطوريات لا تُهزم في المعارك وحدها. تُهزم حين يتوقف الناس عن تصديق أنها تستحق الانتصار.”.



