أخباركم – أخبارنا / توفيق الشعّار
نقارب نصف قرن من الغياب ويبقى كمال جنبلاط البوصلة والمنارة، وتبقى مسيرته وأفكاره ومناقبه معياراً تسقط أمامها قامات وتنطفئ بوهجها هالات. يسقطون أمام فكره وأدبه وإرثه وعنفوانه لأنه ليس من طينتهم ولم يساوم على مصلحة الوطن ومصالح الناس لأجل مكاسب ذاتية. هكذا قال عنه رفاق دربه وكل من شهد مواقفه وأسرار جلساته مع رؤساء دول وزعامات عربية ودولية. فقد كان معهم جريئاً صريحاً … لا تنقصه الشجاعة أمام متجبّرٍ ظالم ولا مواقف العزّة في حضرة حاكمٍ جائر ولم ينافق ذوي السلطان في هذا العالم مهما كانت الأثمان. حاز الاحترام والمهابة وعاش دوماً مرفوع الرأس وعالي الهمّة والهامه … ولم يسقط أبداً إلا برصاص الغدر يوم ارتقى الى الملكوت الأعلى شهيداً وشاهداً للحقّ.
المعلّم كمال جنبلاط كان بوصلة أخلاقية في القول والعمل والسياسة. كان يؤمن بأن الأخلاق هي الأساس لبناء المجتمع. لذا رفض الفساد وناهض الظلم والاستبداد مدافعاً عن حقوق الإنسان رافعاً لواء الحرية والعدالة. ألهمت كتاباته وممارساته النخبة من المفكرين والثائرين والاصلاحيين، وتبعته الجماهير من كافة طبقات المجتمع، الميسورون منهم والفقراء والمساكين، من كل مذهبٍ وطائفةٍ ودين.
آمن بأن اللبنانيين تجمعهم وحدة حياة، وبأن التعددية الحرّة المنفتحة هي قوة للبنان. رفض التمييز الطائفي والتعصب، وقاد حركةً وطنيّةً نحو إصلاح بنيوي وجذري في النظام كونه السبيل لبناء مجتمع لا طائفي تقدّمي مزدهر، يرتكز على العدالة والمساواة وأسس الحُكم الرشيد.
كان أيضًا رمزًا للأصالة التوحيدية وشارحاً متنوّراً لكنوز التوحيد وأعماقه العرفانية وجذوره الفلسفيّة المتميّزة عن سائر الأديان. كان انتماؤه إلى الطائفة الدرزية انتماءاً ثقافياً وهويّة تاريخية يعتزّ بها. بل كانت هويّة اتّسمت بالانفتاح على الآخر وفهم روحاني عميق للديانات كافّة ولتعاليم الأنبياء والرسل والمعلّمين الأوّلين منهم واللاحقين وهم من كل حدبٍ ينسلون.
الدين الحَقّ عنده ليس طقوساً ولا شرائع ولا معابد بل سعياً ووعياً ودربَ بقاء لا غمّ فيه، يتحقق بصفاء القلب والتوحيد الخالص نحو ولادة متجدّدة في ملكوت الحق والسعادة. فيقول: “أولئك الذين أكملوا الطريق في ما بعد، وتركوا ظاهر الطقوس والشرائع وولجوا إلى حقيقتها، يدخلون في وهج الحقّ، يضيئون على الناس،لأن نورهم لم يعد انعكاسا، بل هو النور الذي تضيئه الذات ذاتها في نفوسهم. ولو لم تكن السعادة والحق فيكم، فكيف يمكنكم أن تولدوا في ملكوت الحق والسعادة”.
ترك المعلّم كمال جنبلاط إرثًا كبيرًا ومن المؤسف ان تخبوا الجهود الجادّة في الإضاءة على هذه الشخصية الفريدة في تاريخ لبنان. فقد كان معلّمًا حقيقيًا وبوصلة أخلاقية وفكراً إنسانياً يستحق إنشاء أكاديمية تحمل اسمه كي يبقى إرثه مصدر إلهام للشعب اللبناني وللعالم أجمع.



