أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
ليست الحرب الجارية اليوم في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية تُقاس بموازين السلاح، ولا مجرد تصعيد سياسي يُقرأ في حدود المصالح الآنية، بل هي في جوهرها لحظة تاريخية مكثفة تتعرّى فيها البُنى العميقة التي حكمت الإقليم طويلًا. فهي حرب تكشف أن الصراع في هذه المنطقة لا يدور حول الحدود وحدها، ولا حول الموارد وحدها، بل حول سؤال أشد عمقًا وأكثر رسوخًا: من يملك حق تعريف المنطقة، ومن يفرض سرديته على حاضرها، ومن ينجح في تثبيت وجوده داخل معادلاتها بوصفه مركزًا للشرعية والقوة والمعنى. ومن ثم، فإن فهم هذه الحرب لا يستقيم ما لم تُقرأ بوصفها امتدادًا لصراعات الهوية والتمثيل والوجود، حيث يتشابك التاريخ بالعقيدة، وتتداخل الذاكرة بالمصلحة، ويتحوّل الانتماء من مجرد رابطة ثقافية أو مذهبية إلى قوة فاعلة تعيد تشكيل الدولة والإقليم معًا. واليوم، مع اتساع الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، ومع امتداد آثارها إلى الخليج ولبنان وسوريا والعراق، يظهر بوضوح أن سؤال الهوية لم يعد هامشيًا، بل صار أحد المفاتيح الأساسية لفهم ما يجري.
ومن هنا، فإن الانقسام الشيعي السني لا يجوز النظر إليه باعتباره مجرد بقايا نزاع مذهبي قديم، أو أثرًا من آثار التاريخ الديني المنقضي، بل بوصفه بنية حية ظلّت تتحرك في باطن السياسة والمجتمع، ثم ما لبثت أن عادت إلى السطح كلما اهتزّ توازن الإقليم أو تبدّلت خرائط القوة فيه. فهذا الانقسام لم يبقَ محصورًا في مجال الجدل العقدي أو الاختلاف الفقهي، بل تحول إلى إطار واسع تُفهم من خلاله التحالفات، وتُبنى عليه أنماط السلطة، وتُصاغ عبره سرديات المظلومية والشرعية والغلبة والتمثيل. ولهذا أصبح المذهب، في كثير من لحظات الشرق الأوسط المعاصر، ليس مجرد انتماء ديني، بل تعريفًا للذات الجماعية، ومفتاحًا لفهم من يملك حق الحكم، ومن يُقصى، ومن ينهض بوصفه تعبيرًا عن جماعة تشعر أن وجودها نفسه موضع اختبار.
وفي هذا الإطار، تبدو الحرب الحالية بين إيران وإسرائيل وأميركا تجسيدًا بالغ الوضوح لهذا الصراع المركب. فهي ليست حربًا بين دول تتنازع على الأمن أو الردع فحسب، بل صدام بين مشاريع كبرى تسعى كل منها إلى فرض تصورها الخاص للمنطقة. فإيران لا تتحرك في هذه الحرب بوصفها دولة قومية تدافع عن حدودها ومصالحها فحسب، بل بوصفها مركزًا لمحور سياسي وعسكري وعقائدي عابر للحدود، يرى في نفسه حاملًا لمشروع إقليمي له منطقه، وسرديته، وامتداداته في أكثر من ساحة. وفي المقابل، لا تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها خصمًا عسكريًا تقليديًا فحسب، بل بوصفها تهديدًا مركبًا، يجمع بين القدرة الميدانية والامتداد الرمزي والتأثير السياسي، بما يجعلها خصمًا يطال وجودها المباشر ويقوّض توازناتها الاستراتيجية. أما الولايات المتحدة، فإن حضورها في هذه المعادلة لا ينفصل عن رغبتها في الإمساك بإيقاع الإقليم ومنع ولادة توازن جديد يُضعف قدرتها على توجيه المشهد أو ضبط مساراته.
ومن ثم، لا يعود معنى الحرب مقتصرًا على تبادل الضربات أو إدارة الردع، بل يتجاوز ذلك إلى التنافس على تثبيت الحضور داخل الإقليم، وعلى فرض الذات بوصفها حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها. فإيران تخوض المعركة من موقع من يريد تثبيت نفسه قطبًا مركزيًا في الشرق الأوسط، لا مجرد دولة معزولة تسعى إلى حماية أمنها. وإسرائيل تخوضها من موقع من يرى أن خصمه لا يهدد حدوده فقط، بل يهدد فلسفة أمنه نفسها، ويعيد رسم الطوق الاستراتيجي من حوله عبر شبكات متعددة الجبهات. وبين هذين المشروعين تتدخل الولايات المتحدة لا لحماية حليفها فحسب، بل لمنع سقوط النظام الإقليمي في قبضة توازنات جديدة تعيد تعريف مراكز الثقل فيه.
وعندما ينتقل التصعيد إلى الخليج، فإن ذلك لا يبدو مجرد اتساع جغرافي لمساحة الحرب، بل يكشف عن طبيعتها الحقيقية بوصفها صراعًا على قلب الإقليم العربي ذاته. فدول الخليج ليست مجرد خزائن للطاقة أو ممرات بحرية دولية، بل تمثل تاريخيًا وسياسيًا أحد أهم مراكز الثقل في النظام العربي السني، كما تمثل أحد أعمدة التوازن الذي قام طويلًا في مواجهة التمدد الإيراني. ولهذا فإن دخول الخليج في معادلة التهديد أو الاستهداف يمنح الحرب بعدًا يتجاوز الاقتصاد إلى الرمز، ويتجاوز الجغرافيا إلى المعنى؛ إذ يصبح السؤال هنا ليس فقط من يستطيع ضرب منشأة أو تعطيل ممر، بل من يملك القدرة على زعزعة البنية التي استند إليها الإقليم لعقود. وبهذا المعنى، يتحول الخليج إلى ساحة اختبار لمعادلة النفوذ، وإلى فضاء تتجسد فيه المواجهة بين مشروع يريد الحفاظ على مركزية النظام العربي التقليدي، وآخر يريد خلخلة هذا المركز وإعادة توزيع القوة من جديد.
وفي قلب هذا المشهد يبرز حزب الله بوصفه أحد أكثر النماذج دلالة على تحوّل الهوية الشيعية من مجرد موقع اجتماعي أو مذهبي إلى مشروع قوة مكتمل الأركان. فالحزب لم يعد مجرد تنظيم عسكري لبناني، بل غدا تعبيرًا عن قدرة الهوية الشيعية على أن تنتج لنفسها صورة حديثة من الفاعلية والتنظيم والردع. لقد استطاع أن يصل بين الذاكرة الدينية والتعبئة السياسية، وأن يحوّل سردية المظلومية إلى بنية مقاومة، وأن يجعل الانتماء الشيعي ليس مجرد إحالة إلى التاريخ، بل حضورًا ميدانيًا ملموسًا في توازنات القوة الإقليمية. ومن هنا فإن دوره في الحرب الراهنة لا يُفهم فقط في حدود التحالف العسكري مع إيران، بل في حدود كونه حاملًا لرمزية أوسع، هي رمزية انتقال الشيعة من هامش الترتيب الإقليمي إلى صلبه، ومن موقع الاستبعاد إلى موقع القدرة على الفعل والتأثير.
وعليه، فإن حزب الله لا يدافع فقط عن حليف إقليمي، بل يدافع أيضًا عن نموذج كامل من التمثيل السياسي والعسكري للهوية الشيعية. فهو يجسد انتقال هذه الهوية من كونها ذاكرة جرح تاريخي إلى كونها أداة لإنتاج القوة، ومن كونها مجرد وعي بالاختلاف إلى كونها مشروعًا قادرًا على فرض حضوره داخل المعادلة الإقليمية. ولهذا يصبح وجوده جزءًا من صراع الوجود نفسه، لأن المسألة هنا لم تعد محصورة في حدود الدولة اللبنانية، بل اتصلت بسؤال أوسع: هل تستطيع الهوية الشيعية السياسية أن تُثبّت نفسها في الإقليم بوصفها طرفًا منظمًا ومؤثرًا، أم يجري احتواؤها وإعادتها إلى أطراف النظام؟
أما العراق، فإنه يمثل الساحة التي بلغت فيها هذه التحولات أحد أكثر تجلياتها وضوحًا وعمقًا. فبعد سقوط نظام صدام حسين، لم تعد الهوية الشيعية مجرد علامة على جماعة مهمشة أو مقصية عن الدولة، بل غدت عنصرًا مركزيًا في إعادة تأسيس السلطة نفسها. ومن خلال المرجعيات، والأحزاب، والفصائل المسلحة، أُعيد تشكيل المجال العام العراقي على نحو جعل الهوية الشيعية جزءًا أساسيًا من بنية الدولة الجديدة. وهنا لم تعد المسألة مجرد صعود سياسي عابر، بل تحوّلًا بنيويًا ربط بين الحكم وسردية تاريخية تقول إن ما جرى بعد 2003 ليس إلا استردادًا لموقع حُرم منه الشيعة طويلًا. وبذلك، لم يعد الفاعل الشيعي في العراق يقدّم نفسه بوصفه طرفًا سياسيًا بين أطراف، بل بوصفه ممثلًا لمسار تصحيحي يردّ التاريخ إلى نصابه كما يراه.
ومن هذه الزاوية، فإن شيعة العراق لم يسهموا فقط في تثبيت الهوية الشيعية داخل الدولة العراقية، بل شاركوا في تحويلها إلى عنصر إقليمي فاعل. فالفصائل والأحزاب والتيارات الشيعية لم تحصر نفسها في إطار إدارة الحكم، بل حمّلت وجودها السياسي معنى أوسع، يتصل بحماية الجماعة، والدفاع عن النظام الجديد، وربط العراق بمحور أوسع من الانتماء والمصير. ومن هنا يمكن فهم انخراطها في لحظات التصعيد الإقليمي لا بوصفه مجرد تماهٍ مع السياسة الإيرانية، بل بوصفه تعبيرًا عن وعي ذاتي يرى أن ما يُختبر ليس موقع إيران وحدها، بل موقع الشيعة السياسي في المنطقة بأسرها.
وفي الإطار نفسه، تبرز الساحة السورية بوصفها حلقة شديدة الأهمية في هذا الصراع على الهوية والوجود، لأن وصول أحمد الشرع إلى الحكم في دمشق ضمن قيادة إسلامية سنية، وفي سياق انفتاح عربي وخليجي متسارع على السلطة السورية الجديدة، يمكن قراءته باعتباره تحوّلًا استراتيجيًا أصاب المشروع الإيراني في إحدى ساحاته الأكثر حساسية. فصعود سلطة سورية جديدة ذات خلفية سنية، مدعومة عربيًا وخليجيًا، لم يكن مجرد تحول داخلي في بنية الحكم، بل مثّل ضربة مباشرة لخط الإمداد السياسي والعسكري الذي كانت إيران تعتمد عليه في ربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت. ومن هذا المنظور، فإن تضييق المجال السوري على حزب الله، إلى جانب إضعاف حماس في غزة وحزب الله في لبنان، أسهم في تقليص قدرة إيران على الحفاظ على البنية نفسها التي اعتمدت عليها في مشروعها التوسعي خلال العقدين الماضيين. كما أن هذه التطورات أدخلت الدول العربية بصورة أعمق في الصراع على “الشرق الأوسط الجديد” الذي يطرحه بنيامين نتنياهو، ولا سيما مع تصاعد أهمية الاتفاقيات الإبراهيمية بوصفها جزءًا من إعادة تشكيل خرائط التحالف والعداء والانتماء في المنطقة. فالحديث هنا لا يدور فقط عن تطبيع دبلوماسي، بل عن محاولة لإعادة تعريف هوية الشرق الأوسط الجديد، ومن سيكون جزءًا من بنيته السياسية والأمنية، ومن سيُقصى عنها.
وفي هذا السياق نفسه يمكن فهم شدة الضغط الإيراني على دول مثل الإمارات والبحرين، المنخرطتين في ترتيبات سياسية وأمنية جديدة ترى فيها طهران تهديدًا مباشرًا لمشروعها الإقليمي. كما يمكن فهم الضربة الإيرانية على أربيل بوصفها رسالة ردع موجهة إلى البيئة الكردية القريبة من الحزب الديمقراطي الكردستاني، في لحظة كان فيها تقاطعه مع تركيا وبعض العمق الخليجي السني يتزايد، كما يمكن فهم إفشال استفتاء الاستقلال الكردي عام 2017 بوصفه جزءًا من الصراع على منع قيام كيان كردي مستقل يعيد خلط خرائط العراق والإقليم، ويمنح خصوم إيران وتركيا معًا ورقة جيوسياسية جديدة في قلب الشرق الأوسط.
وضمن هذا الإطار ذاته، يمكن تفسير عدم التساهل مع أكراد سوريا المرتبطين بحزب العمال الكردستاني أو المتهمين بعلاقات عضوية وسياسية معه، لأن هذا الارتباط لم يكن يُنظر إليه فقط بوصفه تحديًا أمنيًا بالنسبة إلى تركيا، بل أيضًا بوصفه امتدادًا لبنية سياسية وعسكرية يمكن أن تتقاطع مع إيران ومع ما يسمى بمحور المقاومة. ولهذا كان المطلوب من هذه القوى الكردية، في التصور الذي رافق تشكيل سوريا الجديدة بقيادة الشرع، أن تفك ارتباطها بحزب العمال، وأن تعيد تموضعها داخل دولة سورية مركزية جديدة، حتى تكون جزءًا من النظام الجديد لا قوة منفصلة عنه أو عائقًا أمامه. وبدا واضحًا أن المطلوب لم يكن مجرد تسوية إدارية أو أمنية، بل إعادة تعريف الدور الكردي السوري كله ضمن خريطة إقليمية جديدة تتشكل على أنقاض النفوذ الإيراني. وفي بعض القراءات الإقليمية، ارتبط هذا المسار أيضًا بتوقع أن تكون القوى الكردية السورية جزءًا من منظومة احتواء أوسع للقوى الموالية لإيران في المشرق، بما في ذلك الحشد الشعبي العراقي، غير أن هذا المعنى يظل أقرب إلى الاستنتاج السياسي من كونه سياسة معلنة. وعندما لم تنخرط بعض التشكيلات الكردية السورية بالقدر المطلوب في هذه الصيغة، جرى إضعافها ميدانيًا وسياسيًا، ودفعها نحو تفاهمات أكثر إلزامًا مع الشرع، برعاية أميركية، وبتدخل مباشر من مسعود بارزاني، بحيث أُخضعت تدريجيًا لمسار يهدف إلى دمجها أو تحييدها ضمن سوريا الجديدة بدل أن تبقى قوة مستقلة مرتبطة بمحاور إقليمية أخرى.
غير أن العراق، في الوقت نفسه، لا يمكن فهمه من خلال البعد الشيعي وحده، لأن المسألة الكردية كانت وما زالت ركيزة جوهرية في إعادة رسم هوية الدولة بعد 2003. فالكرد لم يكونوا تفصيلًا هامشيًا في العراق الجديد، بل كانوا أحد أعمدته المؤسسة. وفي هذا السياق، برز جلال طالباني بوصفه شخصية مفصلية تجاوزت دور الزعيم القومي إلى دور المهندس السياسي للتحالفات الكبرى في مرحلة ما بعد السقوط. فقد أدرك مبكرًا أن تثبيت الموقع الكردي في الدولة الجديدة لا يتحقق فقط عبر الخطاب القومي، بل عبر شبكة دقيقة من التحالفات مع القوى الصاعدة في بغداد، وعلى رأسها القوى الشيعية، ومع إيران بوصفها فاعلًا إقليميًا مؤثرًا. ولم يكن هذا التموضع مجرد مناورة تكتيكية، بل كان تعبيرًا عن رؤية سياسية عميقة ترى أن العراق الجديد لا يُبنى على مركزية عربية صلبة كما كان في السابق، بل على توازن جديد تتجاور فيه الهويات وتتقاسم فيه المكونات بنية الدولة.
وقد كان لهذا الخيار أثر جيوسياسي بالغ. فالعراق خرج من مرحلة الدولة المركزية التي كانت العروبة فيها إطارًا حاكمًا لا يكاد يُنازع، ليدخل في صيغة اتحادية فيدرالية منحت الكرد موقعًا دستوريًا وسياسيًا غير مسبوق. ولم تكن الفيدرالية هنا مجرد تعديل إداري في بنية الحكم، بل كانت إعلانًا عن انتقال العراق إلى طور جديد من تعريف ذاته. فانتخاب رئيس كردي للجمهورية بعد سقوط صدام حسين لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي أو استحقاق توافقي، بل كان لحظة ذات دلالة رمزية عميقة، لأنها أعلنت أن العراق لم يعد يُدار من داخل هوية أحادية مغلقة، بل من داخل معادلة جديدة تُقرّ بتعدد المراكز والانتماءات. ومن ثم، فإن التحالف الذي ثبّته جلال طالباني مع القوى الشيعية، وبقنوات وثيقة مع إيران، أسهم في نقل العراق من كونه دولة عربية مركزية إلى كونه دولة اتحادية متعددة الهويات، وهو تحوّل تجاوز أثره الداخل العراقي إلى الإقليم بأسره.
ومن هذا الباب يمكن فهم استمرار هذا الخيار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني. فتمسك هذا التيار بخط العلاقة الوثيقة مع بغداد والقوى الشيعية وعدم قطع الجسور مع إيران ليس مجرد وفاء سياسي لإرث الأب، بل استمرار لمنطق يرى أن المكاسب الكردية لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بحسن التموضع داخل ميزان القوى العراقي والإقليمي. وبذلك، يصبح التحالف مع القوى الأقرب إلى إيران جزءًا من استراتيجية حماية المكتسبات الكردية في عراق ما بعد 2003، لا مجرد تموضع أيديولوجي عابر.
وعلى الضفة الأخرى، يظهر الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني ممثلًا لاتجاه مختلف في الرؤية والدور. فهذا الحزب يميل إلى تموضع يرى في الغرب سندًا، وفي الانفتاح على العمق العربي السني، ولا سيما الخليجي، ضرورة استراتيجية، كما يرى في العلاقة مع القوى المناوئة لإيران رافعة لموازنة النفوذ داخل العراق والإقليم. ومن هنا، فإن الانقسام الكردي في العراق ليس مجرد تنافس حزبي على الإدارة والسلطة داخل الإقليم، بل انعكاس لانقسام أعمق حول السؤال الجيوسياسي: إلى أي محور ينبغي أن تميل كردستان العراق؟ هل إلى فضاء التحالف مع الغرب والعرب السنة وتركيا، أم إلى فضاء التفاهم مع بغداد وإيران والقوى الشيعية الصاعدة؟ وهكذا يغدو الصراع الكردي الكردي جزءًا من صراع أكبر على وجهة العراق وموقعه من خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
وتزداد هذه المسألة تعقيدًا مع الاهتمام الأميركي الحالي بالأكراد الإيرانيين، إذ تبدو الورقة الكردية بالنسبة إلى واشنطن إحدى الأدوات القابلة للاستخدام في الضغط على النظام الإيراني. غير أن هذه المقاربة تفتح بابًا ملغومًا على العراق ذاته، لأن أي محاولة لتفعيل المسألة الكردية داخل إيران سوف ترتد بالضرورة على المشهد الكردي العراقي، وتضع قواه أمام معضلة شديدة الحساسية: كيف توفّق بين علاقتها التاريخية أو الراهنة بطهران، وبين الضغوط الأميركية، من دون أن تُشعل تناقضات داخلية أو تُدخل الإقليم في دوامة صراع مفتوح؟ كما أن تركيا تنظر منذ عقود إلى أي صعود كردي عابر للحدود بعين الريبة والقلق، لأنها تخشى أن يتحول أي إنجاز كردي في العراق أو سوريا أو إيران إلى مصدر إلهام وضغط على أكرادها في الداخل. ولهذا، فإن أي محاولة لمنح الأكراد دورًا إقليميًا أوسع، أو استخدامهم في الضغط على إيران، قد تستدعي رد فعل تركيًا يهدف إلى منع تشكل فضاء كردي متصل جغرافيًا وسياسيًا.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الضربات الإيرانية المركزة على إسرائيل لا بوصفها ردًا عسكريًا فقط، بل أيضًا بوصفها رسالة سياسية تحت النار، تحمل في داخلها احتمال الدعوة إلى حوار قسري أو تفاهم يفرضه توازن الألم والخسارة. فإيران، وهي تثبت أنها ما زالت قادرة على الإيذاء رغم شدة الاستهداف، توحي بأنها لا تريد فقط الرد، بل تريد أيضًا تحسين موقعها التفاوضي ومنع فرض هزيمة كاملة عليها. وفي المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها تحاول فرض شروطها بالنار، مستندة إلى تحالفها العضوي مع الولايات المتحدة، عبر تكثيف الضربات على الداخل الإيراني وتوسيع نطاق الاستهداف، بما يجعل الحرب نفسها أداة لإعادة صياغة ميزان القوة تمهيدًا لأي تفاهم لاحق. وبذلك لا تعود النار نقيضًا للحوار، بل قد تصبح، في هذه الحرب تحديدًا، وسيلة لانتزاع شروطه وتحديد سقوفه.
وفي هذا الموضع تحديدًا، تبرز أيضًا رؤية نتنياهو لـ”الشرق الأوسط الجديد” بوصفها جزءًا أساسيًا من الصراع على هوية المنطقة، إذ تقوم هذه الرؤية على إعادة تشكيل الإقليم عبر توسيع التطبيع العربي الإسرائيلي، وبناء شبكة تحالفات أمنية وسياسية واقتصادية تجعل إسرائيل مركزًا طبيعيًا في النظام الإقليمي الجديد، من دون أن تبقى القضية الفلسطينية شرطًا حاكمًا في رسم العلاقات العربية معها. ومن هنا فإن الحرب على إيران لا تُقرأ فقط باعتبارها حربًا أمنية، بل باعتبارها أيضًا محاولة لإزالة أو إضعاف أكبر قوة إقليمية تعيق هذا التصور. أما الحديث عن “إسرائيل الكبرى”، فيبقى أقرب إلى التعبير الأيديولوجي والرمزي الذي تتداوله القراءات النقدية العربية والإسلامية لوصف النزعة التوسعية الكامنة في بعض الخطابات والسياسات الإسرائيلية، أكثر من كونه مشروعًا رسميًا معلنًا بصيغة دستورية واضحة. ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذا المفهوم بقوة في الوعي العربي يعكس حجم الريبة من طبيعة المشروع الإسرائيلي، ويجعل كثيرين ينظرون إلى الحرب الحالية بوصفها جزءًا من محاولة أوسع لإعادة صياغة المجال الجيوسياسي للمنطقة بما يرسخ تفوق إسرائيل ويحاصر خصومها.
وفي المقابل، فإن إمكان التفاهم مع إيران بعد الحرب يظل احتمالًا قائمًا من حيث المبدأ، لكنه يبدو محدودًا في المدى القريب، لأن مناخ الحرب الحالية يدفع الطرفين إلى مزيد من التشدد أكثر مما يدفعهما إلى تسوية سريعة. غير أن التاريخ الإقليمي يبيّن أن الحروب الكبرى لا تنتهي دائمًا بانتصار كامل لطرف وإلغاء آخر، بل كثيرًا ما تنتهي بترتيبات قسرية تفرضها كلفة الاستنزاف المتبادل. ومن هنا، فإن احتمال التفاهم بين إسرائيل وإيران يظل واردًا إذا وصلت الحرب إلى نقطة يشعر فيها الطرفان أن الاستمرار يهدد البنية الأساسية للدولة والأمن معًا. وفي هذا الإطار تبرز أيضًا فرضية أن القيادة الإيرانية الجديدة، إذا استقرت في يد مجتبى خامنئي بوصفه وليًا فقيهًا ورث الحكم بعد مقتل والده، قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في منطق المواجهة حفاظًا على شرعية النظام الثورية، وإما الذهاب لاحقًا إلى تفاهم محدود يحفظ وجود الدولة الإيرانية ويصون موقع الشيعة السياسي في الإقليم من الانهيار الشامل. وعلى هذا الأساس، فإن أي تفاهم محتمل لن يكون على الأرجح مصالحة تاريخية كاملة، بل تسوية اضطرارية تحفظ الحد الأدنى من البقاء لكل الأطراف وتعيد رسم حدود الصراع بدل أن تنهيه نهائيًا.
وبهذا المعنى، فإن العراق يقف اليوم عند نقطة تقاطع ثلاث قضايا كبرى: تثبيت الهوية الشيعية في بنية الدولة، وترسيخ الفيدرالية بوصفها ترجمة للمسألة الكردية، والانخراط القسري في صراع المحاور الإقليمية والدولية. فشيعة العراق أعادوا تعريف السلطة، والكرد أعادوا تعريف شكل الدولة، والقوى الخارجية جعلت من البلد ساحة اختبار دائمة للتوازنات الإقليمية. ولهذا، فإن العراق لم يعد يُقرأ بوصفه دولة أعادت بناء نظامها السياسي فحسب، بل بوصفه فضاءً يعاد فيه تعريف معنى الدولة والهوية والسيادة والانتماء.
وإذا كان الدور الشيعي قد ساهم في إعادة صياغة موقع السلطة داخل العراق، فإن الدور الكردي أسهم في إعادة رسم هوية العراق نفسه، بل وفي التأثير في صورة المنطقة من حوله. فالفيدرالية لم تكن تعديلًا تقنيًا في إدارة الدولة، بل كانت إعلانًا عن نهاية النموذج الأحادي الصلب، وبداية طور جديد تعترف فيه الدولة بتعدد مكوناتها ومراكزها. وهذا التحول لم يبقَ أثره داخل حدود العراق، بل فرض نفسه على الإقليم كله، لأنه أعاد فتح الأسئلة الكبرى حول معنى القومية، وحدود الدولة، وحقوق المكونات، وإمكانات انتقال النماذج الاتحادية إلى جوار يخشى أصلًا من يقظة هويات كامنة فيه. ومن هنا، فإن المسألة الكردية في العراق ليست شأنًا كرديًا صرفًا، بل جزءًا من رسم هوية العراق والمنطقة معًا.
ومع ذلك، فإن ردّ كل ما يجري في الشرق الأوسط إلى العامل المذهبي أو القومي وحده يبقى اختزالًا لا يحيط بتعقيد المشهد. فثمة عوامل أخرى شديدة التأثير، من البرنامج النووي الإيراني، إلى أمن إسرائيل، إلى النفوذ الأميركي، إلى أمن الطاقة والممرات البحرية. غير أن البعد الهوياتي يظل أكثر العناصر قدرة على تفسير كيف تتحول هذه المصالح إلى صراع تعبوي ووجودي. فالحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُخاض أيضًا بالسرديات التي تمنحها معناها وتعبئ من أجلها الجماعات. وفي هذه الحرب تحديدًا، تبدو الهوية الشيعية، والمسألة الكردية، والانقسام السني العربي، جميعها مكونات كبرى في إنتاج معنى الصراع وإكسابه هذا القدر من الحدّة والاستمرار.
وفي الخاتمة، يمكن القول إن الحرب الحالية بين إيران وإسرائيل وأميركا ليست مجرد جولة عسكرية طارئة، بل لحظة مكثفة تتجلى فيها صراعات الهوية والوجود بأوضح صورها. فإيران تتحرك بوصفها دولة ومحورًا عقائديًا وسياسيًا في آن، وإسرائيل تواجهها باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا ورمزيًا، والخليج يدخل في المعادلة بوصفه قلب التوازن العربي السني، بينما يظهر حزب الله وشيعة العراق بوصفهم من أبرز أدوات تثبيت الهوية الشيعية الحديثة. وفي المقابل، تكشف المسألة الكردية أن إعادة تشكيل العراق بعد سقوط صدام حسين لم تكن مجرد انتقال سياسي، بل تحوّلًا جيوسياسيًا عميقًا غيّر تعريف الدولة، وفتح الباب أمام صراع كردي كردي يعكس انقسامًا أوسع حول مستقبل العراق وموقعه من المحاور المتصارعة. كما تكشف الساحة السورية أن إعادة ترتيب السلطة فيها لم تكن مجرد شأن داخلي، بل جزءًا من معركة أوسع على كسر خطوط النفوذ الإيراني، وإدخال العرب بصورة أعمق في تشكيل الشرق الأوسط الجديد. وهكذا يغدو الشرق الأوسط كله ساحة صراع لا على الأرض وحدها، بل على المعنى والشرعية والهوية، وعلى من يملك حق أن يعرّف نفسه ويفرض وجوده في التاريخ والسياسة معًا.



