أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
هذا النوروز ليس كغيره.
إنه لا يأتي هذه المرة بوصفه عيدًا للفرح فقط، ولا مناسبةً لاستعادة الذاكرة القومية فحسب، بل يجيء محمّلًا بسؤال مصيري: هل يستطيع كردُ إيران تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى فرصة لانتزاع بعض حقوقهم، أم أنّ التفرّق سيبدّد مرة أخرى ما تصنعه التضحيات؟
إنّ القضية العادلة لا تكفي وحدها. فكم من شعبٍ امتلك حقه، لكنه عجز عن انتزاعه لأنه دخل معركته مشتتًا، بلا رؤية موحدة، وبلا إدارة سياسية ترتقي إلى حجم اللحظة. من هنا، فإنّ التحدي اليوم ليس في وجود فرصة فحسب، بل في كيفية التعامل معها. فالمعركة، أيًّا كان شكلها السياسي أو الشعبي، لا تُحسم فقط بصدق الغضب، بل بصلابة القيادة، ووضوح البرنامج، ووحدة الصف.
لقد لخّص الدكتور عبد الرحمن قاسملو أفق النضال الكردي في عبارته الأشهر: «الديمقراطية لإيران، والحكم الذاتي لكردستان».
وفي صيغة كردية منسوبة إليه في حوار منشور، قال: «نحن سنبقى أوفياء لشعارنا: الحكم الذاتي لكردستان والديمقراطية لإيران».
وهذه العبارة لا تعبّر فقط عن مطلب قومي، بل عن رؤية سياسية متكاملة: فلا حقوق قومية حقيقية بلا ديمقراطية في إيران، ولا ديمقراطية حقيقية في إيران من دون الاعتراف بحقوق الشعوب وفي مقدمتها الشعب الكردي.
ولهذا، فإن استحضار قاسملو اليوم ليس استدعاءً لرمز من الماضي من باب الحنين، بل استدعاءٌ لمعيار. فالرجل لم يربط القضية الكردية بالعزلة، ولم يختزلها في ردّ فعل عابر، بل وضعها في إطار سياسي واضح: حقوق كردستان مرتبطة ببناء إيران ديمقراطية. هنا تكمن قوة الفكرة، وهنا أيضًا يكمن مأزق الحاضر: هل ما زلنا نملك هذه الرؤية الجامعة، أم أنّ الحسابات الضيقة صارت تتقدّم على المصلحة الوطنية؟
ومن جهة أخرى، يكشف ما نُقل من كلام فؤاد مصطفى سلطاني عن بُعدٍ لا يقل أهمية، هو بُعد التنظيم والارتكاز الشعبي. ففي كلماته ورد: «يجب أن تكون لنا قاعدة ارتكاز».
كما ورد عنه أيضًا: «ما دام الفلاحون يريدون التقدّم، فعلينا أن نرافقهم».
وفي هاتين العبارتين يظهر معنى عميق لا ينبغي إغفاله: فالنضال ليس خطابةً معلّقة في الهواء، بل ارتباطٌ بالناس، وتنظيمٌ للطاقات، وبناءٌ لقواعد القوة داخل المجتمع نفسه.
إنّ بين قاسملو وسلطاني خيطًا سياسيًا وأخلاقيًا مشتركًا: الأول يذكّرنا بأن القضية تحتاج إلى أفق ديمقراطي واضح، والثاني يذكّرنا بأن هذا الأفق لا يصير واقعًا إلا إذا استند إلى الناس، وإلى وحدة الفعل، وإلى تنظيمٍ يعرف كيف يرافق المجتمع لا كيف يعلو عليه. وهنا بالتحديد يبرز درس صادق شرفكندي أيضًا: أن روح الأخوّة الوطنية ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا من شروط الصمود والانتصار.
المشكلة اليوم ليست في نقص الشعارات. فشعار الوحدة حاضر في كل خطاب تقريبًا، لكنّ القيمة الحقيقية ليست في إعلان الوحدة، بل في الالتزام بها. الوحدة لا تعني إصدار بيانات مشتركة فقط، ولا تعني تشكيل جبهات على الورق، بل تعني أن تُقدَّم المصلحة الوطنية على المزاحمة الحزبية، وأن تُضبط الخلافات داخل إطار مسؤول، وأن يتحول التنوع السياسي من عنصر إضعاف إلى عنصر غنى داخل مشروع جامع.
فإذا دخلت القوى الكردية هذه المرحلة متفرقة، فإنها لن تضعف نفسها فقط، بل ستمنح خصمها فرصة ذهبية لتفكيكها وإفراغ تضحياتها من أثرها السياسي. أما إذا دخلتها موحدة، ولو بالحد الأدنى الضروري من الثقة والتنسيق والرؤية المشتركة، فإنّ إمكان فرض الحقوق يصبح أكثر واقعية وجدية. لا لأن الوحدة تصنع المعجزات، بل لأنها تمنع الهدر، وتحوّل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية يصعب تجاوزها.
من هنا، فإنّ نوروز هذا العام لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة للاحتفال، بل مناسبة للمراجعة أيضًا. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ما الذي نريده؟ بل: كيف نصل إليه؟ وهل نحن مستعدون فعلًا لدفع ثمن الوحدة من تنازلٍ متبادل، وصبرٍ سياسي، وحسن نية، وشراكة حقيقية؟ لأنّ الوحدة الوطنية لا تُبنى بالرغبات وحدها، بل تُبنى حين يقتنع الجميع بأن لا أحد يستطيع أن يربح وحده ما سيخسره الجميع مجتمعين.
إنّ مهاباد ليست مجرد اسم في الذاكرة، وكردستان إيران ليست مجرد جغرافيا للنزاع، بل هما امتحان دائم لمعنى المسؤولية الوطنية. فإذا أُديرت المرحلة بروح قاسملو في وضوح الهدف، وبروح سلطاني في الارتكاز إلى الناس، وبروح شرفكندي في ترسيخ الأخوّة، فإنّ نوروز قد يتحول فعلًا إلى بداية جديدة. أما إذا استمرت الانقسامات، وظلّ كل طرف أسير حساباته الضيقة، فسيبقى النوروز مناسبة مؤلمة: عيدًا في الوجدان، وخسارةً في السياسة.
في هذا النوروز، لا يحتاج الكرد إلى مزيد من البلاغة بقدر ما يحتاجون إلى ميثاق ثقة.
ولا يحتاجون إلى جبهات تُعلَن، بقدر ما يحتاجون إلى وحدة تُمارَس.
فالنوايا الحسنة ليست تفصيلًا أخلاقيًا صغيرًا، بل هي البداية الحقيقية لكل وحدة وطنية صادقة.
وعندها فقط، يمكن أن يكون للنوروز معنى يليق بتضحيات الناس:
لا عيدًا عابرًا، بل بداية مرحلة.
ولا ذكرى جميلة فقط، بل وعدًا سياسيًا قابلًا للتحقق.



