الأربعاء, أبريل 22, 2026
13.5 C
Beirut

في لحظة الخراب العربي… من يشرح لنا ما كان سيشرحه مهدي عامل؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

يشكّل مهدي عامل علامة فارقة في تاريخ الفكر العربي المعاصر، لا بوصفه مفكرًا ماركسيًا فحسب، بل باعتباره صاحب مشروع نقدي سعى إلى إعادة بناء العلاقة بين النظرية والواقع في السياق العربي. فقد تميّزت كتاباته بقدرة لافتة على مساءلة البنى السياسية والاجتماعية والفكرية التي حكمت العالم العربي، وعلى فضح الأوهام التي أعاقت تشكّل مشروع تحرري حقيقي. ومن هنا، لم يكن اشتغاله الفكري ترديدًا لمقولات ماركسية جاهزة، بل كان محاولة جادة لتبيئة الفكر الماركسي داخل واقع عربي مأزوم، يعاني من التبعية والانقسام وتعثر قوى التحرر نفسها. وفي هذا الإطار، تكتسب تجربة مهدي عامل أهمية خاصة، لأنّها لا تكشف أزمة الواقع العربي فحسب، بل تكشف أيضًا حدود الخطابات التي ادّعت تغييره من دون أن تمتلك أدوات نقده العميق.

وكم نفتقد مهدي عامل في هذه اللحظة التاريخية التي تشهد فيها المنطقة إعادة رسم عميقة لخرائطها وتوازناتها. فما كان يميز هذا المفكر أنه لم يكن يقرأ الأحداث بوصفها وقائع معزولة، بل بوصفها تعبيرًا عن بنى طبقية وسياسية واستعمارية متشابكة. كان ينظر إلى الواقع العربي لا من سطحه السياسي المباشر، بل من أعماقه التاريخية والاجتماعية، حيث تتولد الأزمات وتُعاد صياغة السيطرة بأشكال جديدة. ومن خلال كتاباته عن التبعية، والبرجوازيات العربية، والدولة الطائفية، وحركة التحرر الوطني، كان قادرًا على أن يشرح لنا أن ما يجري ليس مجرد تبدل في مواقع القوى، بل إعادة إنتاج لأشكال الهيمنة نفسها بأدوات جديدة وشعارات جديدة أيضًا.

ما نفتقده في مهدي عامل ليس مجرد اسم كبير في ذاكرة اليسار العربي، بل نفتقد فيه أداة معرفة. نفتقد عقلًا كان يرفض التفسيرات الكسولة، ويقاوم الاختزال، ويُصرّ على أن فهم الواقع شرط أول لأي محاولة لتغييره. ففي زمن تكثر فيه القراءات الانفعالية، والتفسيرات الإعلامية السريعة، والاصطفافات التي تسبق التفكير، يبدو غياب مهدي عامل أشبه بغياب عقل نقدي كان قادرًا على أن يكشف البنية العميقة للحظة، لا أن يكتفي بوصف مظاهرها. ولذلك فإن حضوره اليوم، لو كان ممكنًا، لم يكن ليضيف رأيًا إلى الآراء، بل كان سيمنحنا منهجًا في الفهم، ومعيارًا في النقد، وقدرة على التمييز بين ما يبدو تحولًا تاريخيًا وما ليس سوى إعادة تدوير للأزمة.

لقد أدرك مهدي عامل مبكرًا أن أزمة العالم العربي ليست أزمة عابرة، ولا مجرد نتيجة أخطاء سياسية ظرفية، بل هي أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي تشكّل في ظل الاستعمار واستمر بعده بأشكال مختلفة. ولهذا لم يكتفِ بنقد السلطة، بل وجّه نقده أيضًا إلى البنى الفكرية التي كانت تعيد إنتاج الوهم، وإلى قوى التحرر ذاتها حين تعجز عن امتلاك أدوات تحليل الواقع الذي تزعم أنها تريد تغييره. ومن هنا جاءت كتاباته متجاوزةً حدود الانحياز الحزبي الضيق، لأنها كانت تنطلق من سؤال أعمق: لماذا يتعثر التحرر في العالم العربي؟ ولماذا تعجز المجتمعات عن كسر الحلقة التي تعيد إنتاج التبعية والهزيمة والاستبداد؟

في هذا المعنى تحديدًا، يبدو مهدي عامل أكثر راهنية من كثير من المفكرين الذين يُستعادون اليوم لأسباب رمزية فقط. ففكره لا يقدّم عزاءً ثقافيًا، بل يفرض مساءلة موجعة. إنه يضعنا أمام مسؤولية التفكير في الأسباب التي جعلت المنطقة، كلما دخلت طورًا جديدًا من الصراع، تعود إلى المأزق نفسه: تفكك داخلي، تبعية للخارج، عجز النخب، وهشاشة المشاريع التي تدّعي التحرر. لذلك فإن العودة إلى مهدي عامل ليست عودة إلى الماضي، بل عودة إلى أحد المفاتيح الفكرية القليلة التي ما زالت قادرة على تفكيك الحاضر.

وهنا تتجاوز جريمة اغتيال مهدي عامل معناها المباشر بوصفها تصفية جسدية لمثقف حزبي، لتكشف عن دلالة أعمق وأخطر؛ إذ إن استهدافه لم يكن، في هذا السياق، مجرد عملية اغتيال للضغط على حزبه أو إضعاف موقعه السياسي، بل بدا فعلًا مقصودًا جرى بوعيٍ بطبيعة الدور الفكري الذي كان يؤديه، وبإدراكٍ لخطورة ما يمثله مشروعه النقدي من قدرة على فضح البنى المسيطرة وتعريتها. فاغتيال مفكر من هذا الطراز لا يطال شخصه فقط، بل يستهدف العقل الذي ينتج الأسئلة المقلقة، ويزعزع المسلمات، ويفضح أعطاب الواقع وخياناته. ومن هنا، يمكن النظر إلى اغتياله بوصفه استهدافًا للفكر النقدي العميق نفسه، لا مجرد حلقة في صراع سياسي عابر.

إن اغتيال مهدي عامل لم يكن خسارة لحزب أو لتيار بعينه فقط، بل كان خسارة للثقافة العربية كلها. لأن الذين يُقتلون من هذا النوع لا يُغتالون بسبب حضورهم التنظيمي وحده، بل بسبب خطورة ما يفتحونه من أفق في التفكير. لقد كان مهدي عامل يملك قدرة نادرة على الجمع بين الصرامة النظرية والانخراط في أسئلة الواقع، بين الفلسفة والسياسة، بين النقد المجرد وملموسية التجربة العربية. وهذا بالضبط ما يجعل غيابه مضاعفًا: فنحن لا نفتقد مفكرًا فقط، بل نفتقد إمكانًا فكريًا كان من الممكن أن يساعد في الحد من كثير من الانزلاقات، سواء في الخطاب الرسمي أو في خطاب القوى التي ادّعت الثورة والتغيير.

ولعل ما يزيد من مرارة هذا الغياب أن اللحظة العربية الراهنة هي من أكثر اللحظات احتياجًا إلى عقل من طراز مهدي عامل. فالمنطقة تعيش طورًا تتداخل فيه مشاريع الهيمنة الخارجية مع أزمات الداخل، وتختلط فيه شعارات السيادة بوقائع الارتهان، وتُستخدم فيه الانقسامات الاجتماعية والطائفية لا بوصفها عرضًا جانبيًا، بل باعتبارها أداة حكم وضبط وتفكيك. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نملك موقفًا سياسيًا؛ بل نحتاج إلى قدرة على تفسير ما يحدث، وعلى كشف القوى الفعلية التي تحركه، وعلى تعرية اللغة التي تُخفي مصالح السيطرة خلف شعارات الإنقاذ أو الاستقرار أو حتى المقاومة.

من هنا، فإن قيمة مهدي عامل اليوم لا تكمن فقط في إرثه الفكري، بل في حاجتنا الملحّة إلى نوع العقل الذي مثّله. عقل لا يهرب إلى التبسيط، ولا يسقط في الحماسة الفارغة، ولا يكتفي بإدانة النتائج من دون تحليل شروط إنتاجها. كان قادرًا على أن يذكّرنا دائمًا بأن الأزمة ليست قدرًا، وأن التغيير ليس شعارًا، وأن التحرر لا يكون ممكنًا ما لم يُبنَ على معرفة حقيقية ببنية الواقع. ولهذا فإن استعادته لا ينبغي أن تكون طقسًا ثقافيًا عابرًا، بل فعلًا نقديًا يستأنف أسئلته ويختبرها في ضوء ما نعيشه اليوم.

لذلك، فإن تناول فكر مهدي عامل لا يعني استعادة سيرة مفكر مغدور فقط، بل يعني مساءلة مشروع فكري ما يزال قادرًا على إضاءة كثير من أزمات الحاضر العربي، وفتح النقاش حول إمكانات التغيير وحدوده. فمهدي عامل لم يكن مجرد اسم في ذاكرة اليسار العربي، بل كان عقلًا نقديًا حاول أن يذهب إلى جذور الأزمة، وأن يكشف تواطؤ البنى السياسية والفكرية التي أعادت إنتاج التخلف والتبعية والهزيمة. ومن هنا، فإن العودة إليه اليوم ليست فعل وفاءٍ رمزي فحسب، بل هي أيضًا ضرورة فكرية، لأن الأسئلة التي طرحها لا تزال قائمة، ولأن كثيرًا من الأعطاب التي اشتغل على تفكيكها ما تزال تحكم الواقع العربي بأشكال مختلفة.

في زمن يعاد فيه رسم المنطقة، لا نفتقد مهدي عامل بوصفه ذكرى، بل نفتقده بوصفه حاجة. حاجة إلى عقل يفسّر بدل أن يبرّر، وينقد بدل أن يصفّق، ويكشف البنية بدل أن ينخدع بالمشهد. ولهذا، فإن أفضل وفاء لمهدي عامل ليس في رثائه، بل في إحياء المعركة التي خاضها: معركة التفكير العميق في واقع عربي لا يزال، بعد كل هذه العقود، يعيد إنتاج أزمته كأنّه عاجز عن الخروج منها إلا عبر من يجرؤ على فهمها أولًا.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...