الأربعاء, أبريل 22, 2026
13.5 C
Beirut

حين قال جورج حاوي: إلى السلاح فكان الجواب من كل الوطن لكل الوطن!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

أكتب هذا المقال في لحظة يحتدم فيها النقاش حول المقاومة ومبررها، وحول ذلك الخلط الفادح بين المقاومة بوصفها حقًا وضرورة وكرامة، وبين التعامل مع الاحتلال كأنه لحظة عابرة، أو كأنه أمر واقع يمكن التكيّف معه، أو كأنه مجرد تفصيل في زحمة الانقسامات اللبنانية. لست مع حزب الله، ولن أكون معه. هذا موقفي الواضح والصريح. لكنني، في كل يوم، أفكر في أولئك المقاتلين الذين لبّوا نداء المقاومة حين ارتفع النداء واضحًا، حادًا، أخلاقيًا، بلا مواربة: إلى السلاح. أفكر في الرجال والنساء الذين لم يسألوا يومها عن الحصص، ولا عن الطوائف، ولا عن الأرباح السياسية، بل سألوا سؤالًا واحدًا: كيف يُقاوَم الاحتلال؟

وحين أفكر في تلك اللحظة، لا أفكر في شعارٍ عابر، بل في مشهد كامل من النار والمعنى. بعد نداء “إلى السلاح”، انطلقت العمليات، لا باعتبارها رد فعل ميكانيكيًا، بل باعتبارها ولادة إرادة وطنية جديدة. وفي عتمة الاحتلال، أضاءت أقمار مثل سهى بشارة ولولا عبود. هؤلاء النساء لم يكنّ شيعيات، ولم يحملن السلاح دفاعًا عن مسيحيتهم، ولا عن طائفة، ولا عن عصبية مذهبية، بل دفاعًا عن وطن. وهذه هي الجملة التي يجب أن تُكتب بماء الروح في كل مرة يحاول فيها أحد اختزال المقاومة في جماعة، أو حبسها في مذهب، أو سرقتها من تاريخها الوطني الواسع.

في تاريخ لبنان الحديث، ثمة لحظات لا يجوز التعامل معها كأنها مجرد أرشيف. من تلك اللحظات يوم 16 أيلول 1982. لم تكن تلك مجرد روزنامة سياسية، بل لحظة انكشاف وامتحان. كانت بيروت تنوء تحت وطأة الاجتياح، وكان الاحتلال الإسرائيلي يدخل العاصمة لا كجيش عابر، بل كقوة تريد أن تفرض على اللبنانيين معنى جديدًا للهزيمة: أن يقبلوا، أن يتكيفوا، أن يتصرفوا كأن ما حدث صار قدرًا. في تلك الساعة بالذات، لم يكن المطلوب تعليقًا سياسيًا، ولا بيان توازنات، ولا مرافعة أيديولوجية طويلة. كان المطلوب شيء واحد: إعادة تعريف العلاقة بين اللبناني وأرضه، بين الإنسان وكرامته، بين الوطن والعدو. وهذا ما فعله جورج حاوي حين أُطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.

هنا يبدأ المعنى الحقيقي لجورج حاوي. لا بصفته مجرد أمين عام لحزب، ولا كاسم من أسماء اليسار اللبناني، بل بوصفه رجلًا التقط اللحظة التاريخية من عنقها، ورفض أن يتركها تسقط في فم التطبيع مع القوة الغاشمة. حاوي لم يقل للبنانيين يومها: انتظروا التسويات. لم يقل: راقبوا العواصم. لم يقل: فلنُخضع تعريف العدو لحسابات الداخل. بل قال، بالفعل قبل القول، إن الاحتلال ليس تفصيلًا، وإن الوطن لا يُستعاد بالتأقلم مع الدبابة، وإن الهزيمة لا تتحول قدرًا إلا حين يكف الناس عن مقاومتها.

يمكن تخيّل تلك اللحظة كما تليق بها: بيروت متعبة، مجروحة، مبللة بالدخان، مدينة تنظر إلى نفسها بالكاد وتكابر. وجوه شاحبة، شوارع يطاردها الخوف، وأحاديث الناس تتكسر بين الغضب والذهول. في مثل هذه اللحظات لا يتكلم القادة الحقيقيون من فوق المنابر العالية، بل من جوف الضرورة. لا يصنعون البلاغة أولًا، بل يفتشون عن الجملة التي تصلح أن تكون بابًا للفعل. ولعل عظمة جورج حاوي في تلك اللحظة أنه لم يعامل الاحتلال كحدث ثقيل سيمرّ، بل كامتحان أخلاقي فوري: إما أن تقاوم، وإما أن تبدأ الهزيمة الحقيقية داخل الوعي قبل أن تستقر على الأرض.

لهذا لم يكن إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية حدثًا تنظيميًا فقط. لم يكن مجرد جمع لقوى سياسية تحت عنوان مشترك. كان، في جوهره، إعلانًا عن استعادة البوصلة. كان قولًا واضحًا إن العدو هو الاحتلال الإسرائيلي، وإن الواجب الوطني لا يُعاد تعريفه كلما تبدلت الاصطفافات الداخلية. وهذا بالتحديد ما نفتقده اليوم في كثير من النقاشات: هذا الوضوح الأول، هذه البساطة الشجاعة، هذه القدرة على الفصل بين الخصومة الداخلية وبين العداء للاحتلال. فمن حقك أن تعارض حزب الله، ومن حقي أن أعارضه، ومن حق أي لبناني أن يرفض مشروعه السياسي أو خياراته الإقليمية أو منطقه الداخلي. لكن ليس من حق أحد، تحت ستار هذه المعارضة، أن يهوّن من شأن الاحتلال، أو أن يغيّر توصيف العدو، أو أن يتصرف كأن المشكلة ليست في الذي يحتل الأرض ويقتل الناس ويفرض الإذلال، بل فقط في الذي يرفع السلاح في وجهه.

إن واحدة من أخطر الآفات الفكرية والسياسية في لبنان هي هذا الانزلاق من نقد طرف داخلي إلى تمييع معنى الاحتلال نفسه. وهذه ليست شجاعة فكرية، بل فقر أخلاقي. لأن المسألة ليست أن تؤيد هذا الحزب أو ذاك، بل أن تحافظ على الحد الأدنى من سلامة المعنى الوطني. الاحتلال ليس وجهة نظر. ليس تفصيلًا إجرائيًا. ليس مجرد عنصر من عناصر المشهد. الاحتلال هو العدو، وأي خطاب يفقد هذه الحقيقة الأساسية يتحول، بقصد أو من دون قصد، إلى خطاب يدرّب الناس على الهبوط الأخلاقي التدريجي: من رفض المحتل، إلى التعايش مع حضوره، إلى اعتباره أمرًا واقعًا، إلى تحويله في نهاية المطاف إلى شريك ضمني في صياغة المصير.

من هنا تبدو أهمية استعادة صورة جورج حاوي، لا كحنين إلى الماضي، بل كحاجة إلى معيار. الرجل، في تلك اللحظة المؤسسة، لم يكن يطلب من اللبنانيين أن يتوحدوا حول حزب، بل حول وطن. لم يكن يدعوهم إلى الإيمان بعقيدة مغلقة، بل إلى الدفاع عن الأرض والكرامة. ولم يكن يقول لهم إن المقاومة ملك جهة، بل كان يفتح بابها أمام كل من رأى في الاحتلال إهانة لا تُحتمل. وهذا ما يجعل تلك اللحظة أكبر من كل القراءات الضيقة التي جاءت بعدها. فحين انطلقت العمليات بعد نداء “إلى السلاح”، لم تكن تنفجر عبوات فقط، بل كان ينفجر معها ذلك الادعاء بأن العدو صار قدرًا. كانت المقاومة تقول: لا، لم يصبح. لا تزال في هذه البلاد قلوب تعرف، وعقول تميّز، وأرواح ترفض.

ولذلك فإن صورة سهى بشارة، وصورة لولا عبود، ليستا مجرد صورتين من ذاكرة جميلة. إنهما بيانٌ حيّ. بيان يقول إن الوطنية لا تُقاس بالانتماء الطائفي، وإن المقاومة لم تكن يومًا قدر طائفة واحدة، ولا لسان جماعة واحدة، ولا حكرًا على هوية مذهبية بعينها. حين تحمل امرأة مسيحية جسدها وروحها وتمضي نحو الخطر، فهي لا تفعل ذلك لتدافع عن “مسيحيتها”، بل عن وطنها. وحين تنخرط في مقاومة الاحتلال، فإنها تنزع عن هذا الوطن آخر الحجج التي يريد البعض أن يحشره داخلها: حجة الطائفة، وحجة الخوف، وحجة الانكفاء. هؤلاء النسوة، وهؤلاء الرجال، صنعوا المعنى الأكثر نقاءً للمقاومة: أنها فعل انتماء إلى الوطن كله، لا إلى الطائفة، وأنها تسمية صحيحة للعدو، لا مجرد انفعال عسكري.

وليس أجمل من أن يستعاد هنا صوت مهدي عامل، لا بوصفه زينة ثقافية، بل بوصفه ضميرًا فكريًا للمقاومة الوطنية. ففي قلب الاجتياح، قالها ببساطة الجملة التي لا تشيخ: “سنقاومكم”. وقال أيضًا: “قبضتنا بوصلة التاريخ”. هكذا كان يرى المسألة: ليس الاحتلال تفصيلًا في المشهد، بل هو الامتحان الذي تتحدد أمامه أخلاق السياسة ومعنى الوطن.

ويحضر حسين مروة هنا لا بوصفه صاحب شعارٍ عابر، بل بوصفه أحد كبار العقول التي منحت فكرة المقاومة معناها الأعمق: أن الدفاع عن الوطن ليس فعلًا عسكريًا فقط، بل فعل وعي أيضًا. ففي الكتابة عنه واستعادة أثره، يتقدم هذا المعنى بوضوح: لا مقاومة بلا بصيرة، ولا تحرير بلا ثقافة تقاتل هي أيضًا، ولا وطن يُصان إذا انسحب المثقف من معركة المعنى وتركها للالتباس والخوف والانحطاط. لذلك يبدو حسين مروة في صلب هذه اللحظة، لا على هامشها: شاهدًا على أن مواجهة الاحتلال لا تبدأ من البندقية وحدها، بل من العقل الذي يرفض أن يعتاد الطغيان، ومن الكلمة التي ترفض أن تتعايش مع الهزيمة.

إن الافتتاحية التي ينبغي أن تُكتب اليوم ليست دفاعًا عن حزب الله، ولا تبريرًا لخياراته، ولا انخراطًا في معجمه السياسي. بل هي دفاع عن شيء أعمق وأبقى: عن نقاء الفكرة الأولى التي حملها المقاومون حين سمعوا نداء “إلى السلاح”. دفاع عن أولئك الذين لم يخلطوا بين خلافاتهم السياسية وبين تعريف العدو. دفاع عن لبنان الذي لا يجوز أن يُدفع مرة أخرى إلى حافة العمى الأخلاقي، حيث يصبح الاحتلال مجرد تفصيل، وحيث تغدو المقاومة تهمة لأنها لم تعد تُرضي ميزان الاصطفافات.

ما نحتاجه اليوم ليس تمجيدًا أجوف للماضي، بل شجاعة في قراءة الدرس. ودرس جورج حاوي في 16 أيلول 1982 واضح: يمكن أن تختلف، بل يجب أحيانًا أن تختلف؛ يمكن أن تعارض، ويمكن أن تشتبك سياسيًا وفكريًا مع من يرفع لواء المقاومة اليوم؛ لكن لا يجوز أن يؤدي بك ذلك إلى خيانة المعنى نفسه الذي جعل المقاومة ممكنة ومشروعة ووطنية. لا يجوز أن تتحول الخصومة الداخلية إلى نافذة يدخل منها المحتل إلى الوعي بعدما دخل يومًا إلى الأرض.

لهذا أعود إلى جورج حاوي لا كتمثال، بل كبوصلة. أعود إليه لأنه، في لحظة الذهول الكبرى، عرف أن أول واجب على الوطني الحقيقي هو أن يثبت اسم العدو. وأعود إلى أولئك المقاتلين والمقاتلات الذين لبّوا النداء، لأنهم لم يقدّموا نظرية، بل قدّموا دمهم وأعصابهم وأعمارهم حتى يبقى للبنان شرف القول إنه لم يستسلم. وفي الأزمنة الملتبسة، حين تختلط اللغة وتبرد الضمائر، لا يعود ضروريًا أن نتفق على كل شيء. يكفي أحيانًا أن نبدأ من الحقيقة الأولى: الاحتلال عدو، والمقاومة ليست خطأً، والخطأ الأكبر هو أن نعتاد منظر العدو حتى نصير قادرين على وصفه كأنه أمر واقع.

وإذا كان لا بد من جملة أخيرة، فهي هذه: لست مع حزب الله ولن أكون معه، لكنني لن أكون يومًا مع ذلك الانحطاط الذي يخلط بين رفض الحزب وبين تخفيف جرم الاحتلال. ففي التاريخ اللبناني لحظات مضيئة لا تزال تحرس المعنى، ومن بينها تلك اللحظة التي وقف فيها جورج حاوي، في قلب العتمة، وقال للبنانيين ما يعيد إليهم كرامتهم الأولى: إلى السلاح.

نحن أمام واقعٍ مأساويٍّ بكل ما تحمله الكلمة من معنى: عدوٌّ يحتلّ الأرض، ويدمّر القرى والبيوت، ويمحو الذاكرة، ثم يحاول أن يوهمنا بأنه الحل. وربما لا نستطيع، في هذه اللحظة التي اختلّت فيها الموازين الدولية، أن نوجّه نداءً جديدًا يقول: إلى السلاح؛ لكن ما نستطيعه، وما يجب أن نفعله، هو أن ننظّم الفكرة في رؤوسنا، وأن نرتّب المفاهيم، وأن نصحّح المصطلحات. فالمحتلّ كان وسيبقى عدوًّا، ولن يكون صديقًا، مهما تبدّلت الوجوه وتغيّرت الأساليب. وأول أشكال المقاومة اليوم أن نحمي وعينا من التضليل، وأن نتمسّك بحقيقة الصراع كما هي: صراع على الأرض والكرامة والذاكرة والحق، لا كما يريد المحتل أن يقدّمه لنا في صورة زائفة تخدم بقاءه وتبرّر جرائمه.

لستُ مع صواريخ حزب الله السبعة، وأحمّله جزءًا من مسؤولية الدمار الذي وقع، لكنّ ذلك لا يبدّل في حقيقة ما نحن أمامه اليوم: احتلالٌ قائم على الأرض. وعندما يكون الاحتلال موجودًا، لا يمكن التعامل معه كأمرٍ عادي، ولا يمكن أن نذرّ عليه الأرزّ ونستقبله بوصفه خلاصًا. الحدّ الأدنى من الصدق الوطني يفرض أن نسمّيه باسمه: عدوّ. ومن هنا تبدأ المسؤولية، لا بالشعارات الفارغة، بل بتهيئة الوعي، وتحصين الذاكرة، والضغط لكي تقوم الدولة بواجبها الكامل في حماية الأرض والناس والسيادة. وقد تكون المقاومة اليوم فكرية وسياسية ووطنية، بكلمة الحقّ، وبالموقف الواضح، وبرفض التطبيع مع واقع الاحتلال، أمّا الأصل فهو أن تستعيد الدولة دورها، لأنّ ترك الناس بين الاحتلال والعجز هو أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأوطان.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...