الأربعاء, أبريل 22, 2026
13.5 C
Beirut

الضاحية التي في قلبي لا تراها نشرات الأخبار

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

في كل مرة أسمع فيها عبر نشرات الأخبار عبارة: “غارة جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت”، أشعر بأن قلبي يُعتصر ألمًا. لا تمرّ هذه الكلمات عليّ كخبر عابر، ولا كحدث سياسي يمكن وضعه في سياق التحليل العسكري أو الاصطفاف الإعلامي. إنها تصلني كطعنةٍ في الذاكرة، كيدٍ غليظة تعبث بأماكن لم تعد بالنسبة إليّ مجرد جغرافيا، بل أصبحت جزءًا حيًا من وجداني، ومن أجمل ما اختزنته روحي من وجوهٍ وأصواتٍ وبيوتٍ وأصدقاء.

فالضاحية الجنوبية، بالنسبة إلى كثيرين، قد تكون عنوانًا سياسيًا أو ساحةً للصراع أو صورةً جاهزة تُستحضر كلما ذُكرت الحرب. أما بالنسبة إليّ، فهي شيء آخر تمامًا. هي وجوه أعرفها، وقلوب دخلتها، وبيوت فتحت لي أبوابها بمحبة، وذاكرة كلما سمعت القصف يعود منها الحنين ممزوجًا بالوجع.

كلما قيل: الضاحية، أخذتني الذاكرة إلى واحد من أجمل المشاهد التي ارتبطت بها في حياتي: يوم ذهبت مع جدي أبو علي إلى منزل الأستاذ محسن سليم. لم يكن ذلك اليوم زيارةً عابرة، بل كان بابًا فُتح لي على عالمٍ آخر. هناك، في ذلك البيت، لم ألتقِ أشخاصًا فحسب، بل التقيت معنى آخر للناس، واكتشفت وجهًا آخر للحياة، أكثر رحابةً وإنسانيةً وصدقًا.

في ذلك اليوم قدّم لنا الأستاذ محسن ابنه الشهيد لقمان. ومنذ تلك اللحظة ارتبطت به بصداقةٍ وإعجاب. كان لقمان، في حضوره وفي كلمته وفي التزامه، من أولئك النادرين الذين تشعر أن الحق ليس عندهم شعارًا، بل طبيعة. كان صوتًا للحق، رافضًا للظلم، قريبًا من المظلومين، ومتشبهًا بجده الإمام علي؛ لا الإمام علي الذي تختطفه الجماعات إلى شعاراتها، بل الإمام علي الإنسان: علي العدالة، وعلي الرحمة، وعلي الكبرياء الأخلاقي الذي لا ينحني إلا للحق.

وكان الأستاذ محسن سليم،، صديقًا حقيقيًا لشعبنا الكردي. ولهذا الودّ مكانه الخاص في نفسي، لأن الصداقة حين تكون صادقة بين الناس وبين القضايا، تترك في الذاكرة أثرًا لا يمحوه الزمن. وما زلت كلما تذكرت ذلك البيت، تذكرت معه نوعًا نادرًا من النبل، لا يرفع صوته، لكنه يثبت عميقًا في القلب.

وفي الذاكرة أيضًا هند، وعائلتها، وأمها المدرسة الفاضلة التي احتضنتنا في بيتها كما لو أنها تحتضن أبناءها. كانت امرأة من ذلك الطراز الذي يجعل من البيت أكثر من منزل: يجعله ملاذًا للروح، ومكانًا تذوب فيه الغربة. وكانت هند، بكل ما فيها من حساسية وصدق، تقول لي دائمًا إن أجمل أغاني فيروز هي: “يا طير”.

وإلى اليوم، كلما مرت هذه الأغنية في خاطري، لا أسمعها مجرد لحن أو كلمات، بل أسمع معها طبقاتٍ كاملة من الحنين:

يا طير يا طاير على طراف الدني

لو فيك تحكي للحبايب شو بِنِي

كانت هند تقول لي إنها كلما سمعت هذه الأغنية تهديها إلى رجال المقاومة الوطنية “جمول”. ولم يكن ذلك مجرد ذوقٍ فني أو عاطفة عابرة، بل كان تعبيرًا عن وجدانٍ يرى في الأغنية مرآةً للفقد، وللشوق، وللبلاد التي تئنّ تحت الحرب، وللقلوب التي تنتظر. ومن خلالها تعرفت إلى عمتها أم علي وأولادها، وفي بيتهم قضيت ساعات من الحوار الذي لا يُنسى، ساعاتٍ من الدفء الإنساني الصافي، وأكلنا من يد أم علي ما لذّ وما طاب، لا كضيوف عابرين، بل كأننا من أهل البيت.

تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الحقيقي للأمكنة. ليست الأمكنة أبنيتها وحدها، ولا شوارعها وحدها، بل الناس الذين يمنحونها روحها. وحين يضرب القصف مكانًا كهذا، فإنه لا يهدد الحجر فقط، بل يهدد تلك الروح، ويكاد يعتدي على الذكريات نفسها.

كانت زيارتي لهند أول مرة هي أيضًا أول مرة أدخل فيها الضاحية الجنوبية. وكان دخولي إليها يومها حدثًا داخليًا كبيرًا بالنسبة إليّ، لأن هذه المنطقة كانت، في وعيي القديم، منطقة ممنوعة نفسيًا، محاطة برواسب الحرب الأهلية، وبحمولة من الخوف والمرارة. كيف لا، وقد كانت حركة أمل قد قتلت أحد أفراد العائلة؟ كنت أحمل إذًا جرحًا شخصيًا، لا مجرد رأيًا سياسيًا. كنت أدخل الضاحية وفي نفسي بقايا خوف، وبقايا صورٍ موروثة، وبقايا تحفظٍ صنعته الحرب.

لكن ما حدث هناك غيّر شيئًا عميقًا في داخلي.

مع هند، وأم يسار، وأم علي، ولقمان، والأستاذ محسن، اكتشفت أن هناك جانبًا آخر جميلًا من الشيعة. جانبًا لا يشبه ما كانت تختزله الصور الجاهزة في ذهني. جانبًا لا يمكن اختصاره بأمل أو حزب الله، ولا تختصره البنادق ولا الشعارات. اكتشفت بشرًا، لا هوياتٍ مغلقة. اكتشفت قلوبًا، لا قوالب. اكتشفت أن الطوائف، حين ننظر إليها من بعيد، تتحول في وعينا إلى كتلٍ صلبة، لكن حين نقترب من الناس، تتفكك تلك الكتل وتظهر الوجوه: وجوه الأمهات، والأصدقاء، والمثقفين، والحالمين، والطيبين.

ثم تطورت هذه الصورة أكثر يوم تعرفت على الكاتبين الكبيرين حسين مروة ومهدي عامل، وعلى ابنه رضا. ومن هناك انفتح وعيي على وجهٍ آخر أكثر إشراقًا من تلك البيئة. اكتشفت أن الضاحية ليست فقط ما تصنعه السياسة من صور، بل أيضًا ما يصنعه الفكر، وما يفتحه الحوار، وما تقترحه الكتب من آفاق. صارت تلك الأمكنة، في نظري، فضاءً آخر: فضاءً للأفكار الكبيرة، للأسئلة، للعدالة، للوعي النقدي، وللبحث عن لبنانٍ أرحب من الطوائف ومن المتاريس.

ومن يومها بدأت أتمشى في الضاحية بلا خوف، بل بمتعة الاكتشاف. صرت أذهب إليها لا بوصفها أرضًا معادية أو مجهولة، بل بوصفها مكانًا يحمل وجهًا آخر من لبنان، وجهًا إنسانيًا وثقافيًا وأخلاقيًا لم أكن أعرفه من قبل. وهكذا، شيئًا فشيئًا، تراجعت صورة الحرب في داخلي، وتقدمت صورة الناس.

إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تعرفت فيه على السيد هاني فحص، بطلبٍ من الرئيس الراحل جلال طالباني، الذي قال لي مستغربًا:

وهل يعقل أن لا تعرف هاني فحص، ذاك العقل المتنور؟

وحين عرفته، شعرت أنني أكتشف نافذة جديدة على ذلك الجانب الجميل من الشيعة، الجانب الحقيقي الإنساني للإمام علي. لا الإمام علي الذي يُختزل في التجييش، ولا الذي يُستدعى لشد العصب، بل الإمام علي الذي يضيء بالعقل، ويتجلى في الرحمة، ويعلّم أن الإيمان لا يكتمل إلا إذا انحاز إلى الإنسان. من خلال هاني فحص رأيت وجهًا متحررًا، متسامحًا، منفتحًا، عميقًا، قادرًا على أن يجمع بين الإيمان والنقد، بين الانتماء والحرية، بين الأصالة والنور.

لهذا كله، لا أستطيع أن أسمع اليوم عبارة “غارة على الضاحية” كما يسمعها الآخرون. أنا لا أرى موقعًا عسكريًا ولا مجرد منطقة على خريطة. أنا أرى وجوهًا. أرى لقمان. أرى الأستاذ محسن. أرى هند وهي تردد أغنية فيروز. أرى أم علي وهي تضع الطعام بمحبة. أرى بيوتًا دخلتها، وأحاديث ما زالت ترن في أذني، وضحكاتٍ لا تزال حية في الذاكرة. أرى ذلك الجانب الجميل الذي اكتشفته من الناس، وأشعر أن الحرب لا تقصف الأبنية وحدها، بل تقصف أيضًا هذا المعنى النبيل الذي ربطني بالمكان.

الحرب، في حقيقتها، لا تدمر الحجر فقط؛ إنها تدمر الصورة الجميلة للإنسان. تهدم البيوت، نعم، لكنها تهدم أيضًا الثقة البطيئة التي يبنيها اللقاء بين البشر. تمزق الشوارع، نعم، لكنها تمزق أيضًا الخيوط الرقيقة التي تصل قلبًا بقلب. تقتل، نعم، لكنها لا تقتل الأجساد وحدها، بل تحاول أن تقتل الذكرى، والحنين، والتبدل الجميل الذي يحدث في داخلنا حين نكتشف أن الآخر ليس كما صُوِّر لنا.

وأعمق ما علمتني إياه الضاحية، عبر ناسها الذين عرفتهم وأحببتهم، أن الإنسان لا يجوز اختزاله. لا في طائفة، ولا في حزب، ولا في تاريخٍ دموي، ولا في صورة إعلامية جاهزة. هناك دائمًا جانب آخر، أجمل وأصدق، لا يظهر إلا لمن يقترب بمحبة وعدل. وهذا بالتحديد هو ما يجعل ألمي مضاعفًا كلما سمعت القصف. لأن الذي يتعرض للضرب ليس مكانًا مجردًا، بل جزء من ذاكرتي الشخصية، وجزء من رحلتي في اكتشاف الآخر، وجزء من إيماني بأن الإنسان أوسع من كل الكراهيات التي تحاصره.

لهذا، كلما سمعت اسم الضاحية الجنوبية لبيروت، لا تأتي إلى ذهني لغة الأخبار، بل تأتي فيروز:

يا طير يا طاير على طراف الدني

لو فيك تحكي للحبايب شو بِنِي

تأتي الأغنية لا كحنين فردي فقط، بل كخلاصة وجعٍ كامل: وجع الأمكنة التي أحببناها وهي تُستباح، ووجع الناس الذين عرفنا إنسانيتهم وهم يُختزلون في خرائط النار، ووجع الذاكرة حين تتحول الأماكن التي منحتنا الطمأنينة إلى عناوين في شريط الأخبار.

إن الضاحية التي في قلبي ليست تلك التي تراها الشاشات. ليست ضاحية النار والدخان وحدها، بل ضاحية البشر الذين غيّروا شيئًا فيّ. ضاحية الصداقة، والخبز، والأغاني، والكتب، والحوار، والاكتشاف. ضاحية أولئك الذين جعلوني أعيد النظر في الصور القديمة، وفي رواسب الحرب، وفي الأحكام المسبقة. ضاحية أولئك الذين كشفوا لي أن في قلب هذه البيئة جانبًا مضيئًا، جميلًا، حرًا، وعميقًا، هو في الجوهر الجانب الإنساني الحقيقي للإمام علي.

ولذلك يعتصر قلبي الألم كلما سقطت غارة على الضاحية. لأن الذي يُقصف، في داخلي، ليس مكانًا بعيدًا عني، بل شيء من ذاكرتي، شيء من شبابي، شيء من اكتشافي للناس، وشيء من يقيني بأن الخير، مهما حاصرته السياسة والحرب، يبقى قادرًا على أن يترك أثره في القلوب.

وإذا كانت الحرب لا ترى في الأمكنة إلا أهدافًا، فإن الذاكرة ترى فيها البشر الذين أحبوها، وسكنوها، وفتحوا بيوتهم فيها للآخرين. ولهذا تبقى الضاحية، بالنسبة إليّ، أكبر من كل ما تقوله نشرات الأخبار عنها. تبقى مكانًا إنسانيًا، حيًا، عابقًا بالوجوه التي لا تُنسى. وتبقى، رغم كل شيء، جزءًا من ذلك المعنى العميق الذي تعلمته من الناس هناك:

أن أجمل ما في الأمكنة ليس عمرانها، بل أرواح أهلها.

وأن أشد ما يؤلم في الحرب ليس فقط ما تهدمه من حجارة، بل ما تحاول أن تهدمه من صورة الإنسان الجميلة فينا.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...