الأربعاء, أبريل 22, 2026
13.5 C
Beirut

بين الكتاب والبندقية: لماذا دعوتُ الشباب إلى قراءة “الدون الهادئ” كي لا نصير وحوشًا!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

كنت، يومًا، أحد مسؤولي اتحاد الشباب الديمقراطي في قطاع الشباب، ولم أكن أرى القراءة ترفًا ثقافيًا، بل كنت أراها فعل مقاومة حقيقيًا. ففي زمن كانت فيه الحرب الأهلية في لبنان تلتهم الحجر والبشر، كنت أخاف من شيء أعمق من الموت نفسه: كنت أخاف أن تحوّلنا الحرب إلى وحوش. كنت أخاف أن يعتاد القلب مشهد الدم، وأن تفقد الروح قدرتها على الارتجاف أمام الألم، وأن يصبح العنف، مع الأيام، لغة عادية في النفوس.

لهذا كنت أقول للشباب: اقرأوا. اقرأوا لكي تدافعوا عن إنسانيتكم. اقرأوا لكي لا تنطفئ الرحمة في قلوبكم. اقرأوا لكي يبقى في داخلكم ما يعصمكم من السقوط في هاوية الكراهية. كنت أحثهم على قراءة الأم لمكسيم غوركي، والحرس الفتي، وكيف سقينا الفولاذ، لكنني كنت أركز على نحو خاص على رواية “الدون الهادئ” لميخائيل شولوخوف، لأنني كنت أراها أكثر من عمل أدبي كبير؛ كنت أراها تحذيرًا أخلاقيًا من الحرب حين لا تكتفي بقتل الناس، بل تبدأ في قتل الإنسان داخلهم.

من بين تلك الأعمال، بقيت “الدون الهادئ” واحدة من أكثر الروايات التي كشفت لي حقيقة الحرب: لا بطولة فيها، ولا مجد، ولا خلاص. الحرب فيها ليست ملحمة، بل كارثة. ليست امتحانًا للنبل، بل طاحونة تسحق البشر والأرض والقلوب. شولوخوف لا يكتب الحرب من بعيد، ولا يزينها بلغة الخطب، بل يجعلنا نراها وهي تدخل الحياة اليومية للناس، فتقتلعها من جذورها، وتحول الهدوء إلى رعب، والبيت إلى حداد، والحب إلى خسارة، والإنسان إلى كائن تائه وسط الدم والرماد.

قبل الحرب، يبدو عالم الدون في الرواية كأنه قائم على إيقاع طبيعي عميق. الناس يعيشون على صلتهم بالأرض، بالزرع، بالعائلة، بالعادات، وبذاكرة الأسلاف. يحبون ويختلفون ويغضبون، لكن ضمن عالم له معنى وتوازن. الحياة، رغم مشقاتها، تبدو قابلة للفهم. وفي قلب هذا العالم تقف عائلة ميليخوف، العائلة القوزاقية الكبيرة التي تبدو كأنها جزء من نسيج الأرض نفسها. وفي وسطها يقف غريغوري ميليخوف، الشاب القوي، المندفع، الحالم بحياة يملؤها الحب، وخصوصًا حبه العاصف لـ أكسينيا.

لكن الحرب، كعادتها، لا تطرق الباب بل تقتحمه. فجأة ينهار ذلك الإيقاع القديم. تأتي الحرب العالمية الأولى فتنتزع الرجال من حقولهم وعائلاتهم، وتلقي بهم في أتون الموت. يذهب غريغوري، كما يذهب كثيرون، لا لأنه اختار القتل، بل لأن الحرب تبتلع الناس كما تبتلع النار اليابس والأخضر. وهناك، على الجبهات، يكتشف أن العالم الذي عرفه بدأ يتشقق من الداخل. يرى الموت وجهًا لوجه، ويرى القسوة وهي تتحول إلى نظام، ويرى الأرواح تُزهق بلا معنى. ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية: ليست الحرب فقط فيما تفعله بالجسد، بل فيما تفعله بالروح.

يتغير غريغوري، وهذا التحول هو أحد أكثر جوانب الرواية إيلامًا. لم يعد ذلك الشاب الذي كانت الحياة مفتوحة أمامه. الحرب تجعله أكثر قسوة، وأكثر انطواء، وأكثر تمزقًا. يفقد يقينه القديم، ويضيع بين ولاءات متصارعة، ولا يعود يعرف من معه ومن ضده، ولا لأي قضية يحمل السلاح. يرسم شولوخوف في غريغوري صورة الإنسان الذي حطمته الحروب الكبرى: إنسان لم يعد يجد في الشعارات جوابًا، ولا في البنادق خلاصًا، ولا في الدم معنى. يقاتل، لكنه لا يشعر بالنصر. ينجو، لكنه لا يشعر بالحياة. ينتقل من جبهة إلى أخرى، ومن راية إلى أخرى، لكنه لا يعثر على الحقيقة التي يبحث عنها. وكأن الحرب لا تريد من الإنسان أن يختار، بل أن يتوه.

ثم تأتي الحرب الأهلية لتستكمل ما بدأته الحرب الكبرى. وهنا تبلغ المأساة ذروتها. فحين تكون الحرب بين جيوش، تبقى مسافة ما بين القاتل والقتيل. أما حين تصير الحرب أهلية، فإنها تمزق النسيج الداخلي للمجتمع، وتقلب الأخ على أخيه، والابن على أبيه، والجار على جاره. وهذا ما يحدث على أرض الدون. ينقسم القوزاق بين حمر وبيض، ولم يعد الانقسام سياسيًا فحسب، بل صار جرحًا وجوديًا. تتمزق القرى، وتتفرق البيوت، وتحترق العلاقات القديمة، وكأن الحرب لم تكتفِ بأن تقتل الأجساد، بل أرادت أن تقتل إمكان العيش المشترك نفسه.

وفي قلب هذه العاصفة يقف غريغوري ممزقًا من جديد. يبحث عن العدالة فلا يجدها. ينظر إلى هذا الطرف فيرى عنفًا، وينظر إلى ذاك فيرى عنفًا آخر. ويكتشف في النهاية أن الحرب لا تحمل الحقيقة، بل تدفنها. لا تقيم العدل، بل توسع دائرة المأساة. لا تفتح بابًا للخلاص، بل تقود الناس إلى مزيد من الكراهية والخراب. وهذا ما يجعل الرواية، في جوهرها، صرخة ضد الحرب، لا مجرد رواية عنها.

فالحرب في “الدون الهادئ” لا تكتفي بتشويه وعي غريغوري، بل تدمر عالمه العائلي أيضًا. يموت الأب بانتيلي بروكوفيفيتش في أتون المعركة، وتموت الأم إيلينيتشنا من الحزن والمرض، ويُقتل الأخ بيوتر، وتموت ناتاليا، زوجة غريغوري، بالتيفوس، لتكتمل صورة الخراب الذي لم يترك له شيئًا تقريبًا. الحرب هنا ليست خلفية للأحداث، بل هي اليد السوداء التي تمتد لتسلب الإنسان كل ما أحب: الأب، والأم، والأخ، والزوجة، والبيت، والطمأنينة.

أما أكسينيا، الحبيبة التي مثلت في الرواية شعلة إنسانية دافئة، ذلك الأفق الشخصي الذي كان يمكن أن ينقذ غريغوري من السقوط الكامل، فلا تنجو هي الأخرى. تموت برصاصة طائشة وهي تحاول الهرب، وكأن الحرب تريد أن تقول له إن لا مكان للحب في زمن الجنون. ويأتي موتها كضربة نهائية: ففي عالم تحكمه الحرب، حتى الحب نفسه يصبح هدفًا ضائعًا، وحتى الأمل يُقتل وهو في الطريق إلى النجاة.

وهنا تكمن عبقرية شولوخوف. فهو لا يقول لنا إن الحرب مروعة عبر المواعظ المباشرة، بل يجعلنا نراها وهي تسرق من الإنسان كل ما يجعله إنسانًا. تدمر البيوت، نعم، لكنها تدمر أيضًا البنية الأخلاقية التي كان يقوم عليها المجتمع. تجعل الناس أكثر خشونة، أقل رحمة، وأكثر اعتيادًا على الدم. وبعدها لا يعود أحد كما كان. فالحرب لا تنتهي حين تصمت البنادق، بل تستمر داخل النفوس، في القلق، وفي الخسارات، وفي تلك الوحشة التي تتركها في القلوب.

ومع ذلك، لا تنتهي الرواية في ظلام كامل. ففي النهاية يعود غريغوري إلى أرضه، إلى مزرعته، إلى جذوره، وإلى ابنه. هذه العودة ليست انتصارًا، لأن ما خسره لا يمكن أن يُستعاد، لكنها تحمل معنى عميقًا: أن الإنسان، بعد كل الخراب، يظل يبحث عن بقية حياة، عن خيط يربطه بالأرض، عن سبب صغير يجعله لا يسقط نهائيًا في العدم. يعود غريغوري لا بوصفه المنتصر، بل بوصفه الناجي المثخن بالجراح.

وهذا ما يجعل “الدون الهادئ” أكثر من رواية تاريخية عن القوزاق وعن روسيا في زمن التحولات الكبرى. إنها رواية عن الإنسان حين يُسحق بين التاريخ والعنف. رواية عن الحب حين يحاصره الموت. رواية عن الأسرة حين تمزقها السياسة والحرب. رواية عن الأرض حين تتحول من مصدر حياة إلى ساحة دم. وهي، قبل كل شيء، رواية تقول لنا بوضوح إن الحرب ليست قدرًا نبيلًا، بل شر هائل يدمر كل ما هو عزيز ومقدس.

إن شولوخوف يذكرنا، من خلال هذه المأساة الكبرى، بأن الحرب لا تصنع بشرًا أفضل، بل تترك خلفها بشرًا أكثر حزنًا، وأكثر وحدة، وأكثر تشققًا من الداخل. قد ينجو بعضهم بأجسادهم، لكن أرواحهم تظل تحمل الندوب. وقد تبقى الأرض، لكن العالم الذي كان قائمًا عليها لا يعود كما كان. وهذا هو المعنى العميق لدمار الحرب في الرواية: إنها لا تقتلع الإنسان من مكانه فقط، بل تقتلع المكان نفسه من معناه.

لذلك، حين نقرأ “الدون الهادئ”، لا ينبغي أن نقرأها كحكاية ماضية عن زمن بعيد، بل كنص حي يفضح الحرب في كل زمان ومكان. فهي تقول لنا إن الذين يدفعون الثمن الحقيقي ليسوا صناع القرار، بل الناس العاديون: الفلاحون، الأمهات، العشاق، الأطفال، والرجال الذين كانوا يريدون أن يعيشوا بسلام. تقول لنا إن الحرب، مهما تلونت بشعاراتها، تظل خرابًا للروح قبل أن تكون خرابًا للعمران. وتقول لنا أيضًا إن الإنسان، حتى في أقسى لحظات الانكسار، ينبغي ألا يفقد إنسانيته.

لهذا كنت أقول للشباب: اقرأوا هذه الرواية. اقرأوها لا لكي تعرفوا التاريخ فقط، بل لكي تعرفوا كم هو ثمين السلام، وكم هو سهل أن يتحول العالم الجميل، إذا استسلم للكراهية والعنف، إلى ركام. اقرأوها لكي تفهموا أن الأدب العظيم لا يسلينا، بل يوقظنا. وأن الروايات الكبيرة لا تعلمنا فقط كيف نقرأ النصوص، بل كيف نقرأ البشر، وكيف نخاف على الحياة من الحرب.

فـ “الدون الهادئ”، في جوهرها، ليست رواية حرب، بل رواية إدانة للحرب. ليست نشيدًا للبطولة العسكرية، بل مرثية للإنسان المكسور. ليست احتفاءً بالقوة، بل دفاعًا عميقًا عن الحياة، عن الحب، عن البيت، وعن حق البشر في أن يعيشوا دون أن تأتي الحروب لتسلبهم كل شيء.

إنني، كلما تذكرت تلك الأيام، أدرك أكثر لماذا كنت أدعو الشباب إلى القراءة. لأن القراءة لم تكن ترفًا، بل مقاومة. لم تكن هواية، بل دفاعًا عن القلب من التوحش، وعن العقل من العمى، وعن الإنسان من السقوط في هاوية الكراهية. كنت أريد لهم أن يقرأوا “الدون الهادئ” لكي يعرفوا أن الحرب لا تصنع رجالًا عظامًا بقدر ما تصنع مآسي عظيمة، وأن من لا يتعلم من الأدب كيف يحزن على الإنسان، قد يتعلم من الحرب كيف يفقد إنسانيته.

ولهذا ستبقى الرسالة الأعمق التي تتركها الرواية في النفس واضحة وبسيطة وقاسية في آن:

مهما اشتدت الحروب، ومهما تكدست الأنقاض في الأرض والروح، يجب أن يبقى الإنسان إنسانًا.

ذلك هو الانتصار الوحيد الذي يستحق أن يُحافَظ عليه.

أما الحرب، فلا تترك وراءها إلا موتًا كثيرًا، وحزنًا طويلًا، وعالمًا كان يمكن أن يكون أجمل لو اختار السلام.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

دير ميماس: حين تصير البلدةُ قلبًا على تخوم الزيتون وفلسطين

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد دير ميماس ليست، في الوجدان، مجرد بلدةٍ تُرى...

بابلو نيرودا… حين صار الحبُّ قصيدةً تشبه نبضنا!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد تعلّقت، كما كثير من اليساريين في جيلي، بـبابلو نيرودا...