أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
فرديناند ديليسيبس … وكلمة السر
فرديناند ديليسيبس (Ferdinand de Lesseps) دبلوماسي ومهندس فرنسي (1805–1894)، اشتُهر بوصفه المبادرَ والمهندسَ السياسي لمشروع قناة السويس؛ إذ حصل على امتياز حفرها من والي مصر سعيد باشا عامَي 1854 و1856، وافتُتحت القناة رسميًا عام 1869. غدا اسمه رمزًا للتدخل الأوروبي الاقتصادي والسياسي في مصر، ثم تحوّل لاحقًا إلى كلمة سرٍّ لها دلالة مختلفة تمامًا.
في السادس والعشرين من تموز/يوليو 1956، كان الزعيم المصري جمال عبد الناصر يُلقي خطابه أمام الجماهير، حين أطلق فجأة اسم “ديليسيبس” في سياق حديثه. لم يكن ذلك عَرَضاً، بل كان إشارةً متفقاً عليها مع المذيعين والمهندسين، فما إن لُفظ الاسم حتى انقطع البث الإذاعي، وتحرّك فريق فني كانت مهمته السيطرة على مكاتب شركة قناة السويس العالمية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس. وهكذا، في لحظة واحدة، صارت القناة ملكًا للشعب المصري ورمزًا لسيادته، وكانت شرارةً غيّرت مجرى التاريخ في مصر والمنطقة.
جسّد عبد الناصر تلك الرمزية كاملةً؛ فأكسبته زعامةً امتدّت من المحيط إلى الخليج، وزادها بريقًا ما كان يتمتع به من كاريزما آسرة جعلت الجماهير تنتظر خطبه على أحرّ من الجمر.
ديليسيبس نصرالله… “انظروا إليها تحترق”
في الرابع عشر من تموز/يوليو 2006، وبعد يومين فحسب من اندلاع الحرب التي نشبت إثر أسر حزب الله جنديَين إسرائيليَّين في الثاني عشر من الشهر ذاته، أصاب صاروخٌ مضادٌّ للسفن أطلقه الحزبُ بارجةً إسرائيليةً كانت تشارك في الحصار البحري على لبنان، فأردى أربعة جنود وشلّ أنظمتها.
لم تكن إسرائيل تتوقع أن يمتلك حزب الله صواريخ بحرية فعّالة، فكان الحدث صدمةً استراتيجية أسقطت أسطورة التفوق البحري الإسرائيلي المطلق، ورفعت معنويات محور المقاومة، وأفضت لاحقًا إلى تسمية نتائج تلك الحرب بـ”النصر الإلهي”.
والمفاجأة أن نصرالله ألقى خطاباً متلفزًا في اللحظة ذاتها التي كانت البارجة تحترق فيها، فأطلق عبارته التي غدت علامةً فارقة: “انظروا إليها تحترق”. غير أن السردية الأبرز التي رُويت لاحقًا كانت على لسان الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي أكد أنه هو من أعدّ الفكرة ونفّذها برفقة المسؤول العسكري لحزب الله آنذاك عماد مغنية، وأن دور نصرالله اقتصر على الإعلان في لحظة إطلاق الصاروخ. ولا تفسير لتلك الرواية إلا إبراز الدور الإيراني على حساب الدور اللبناني.
بيد أن الحادثة أضافت رصيداً جديداً لزعيم حزب الله الذي برع في مخاطبة الجماهير حتى بات رقماً صعباً في العالم الإسلامي؛ وهو رصيد تراكم قبلًا بفقدانه ابنه البكر هادي في مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، ثم بإسهامه في تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانية. وقد لخّص وزير الإعلام المصري الكبير محمد حسنين هيكل هذه المكانة حين قال لنصرالله وجهًا لوجه: “لو كنتَ سنيًّا لتفوّقتَ على جمال عبد الناصر”.
ديليسيبس السنوار… طوفان الأقصى
في فجر السابع من أكتوبر 2023، أعلنت حركة حماس وجناحها العسكري “القسام” انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، بإطلاق آلاف الصواريخ على مدن إسرائيلية، وتسلّل وحدات مقاتلة من غزة إلى المستوطنات المحيطة بها، فقتلت وخطفت ما استطاعت إليه سبيلاً.
وفي الكلمة اختيارٌ دالّ؛ فـ”الطوفان” يستحضر في الوجدان الديني صورة القوة الجارفة التي تُعيد رسم المشهد من أساسه، ويكتسب معنى أعمق حين يُقرن بـ”الأقصى”، ذلك المسجد الذي يحتل مكانة قدسية في وجدان المسلمين قاطبةً.
ردّت إسرائيل بضربات جوية كثيفة ثم بهجوم برّي واسع النطاق، وصفه المراقبون بأنه من أضخم العمليات في تاريخ النزاع العربي الإسرائيلي، أسفر عن دمار هائل في البنية التحتية وتهجير جماعي للمدنيين.
ستسجّل كتب التاريخ العسكري أن عملية “طوفان الأقصى” كانت من أهمّ ما شهدته الحروب بين الدول والجماعات. عملية لم تتسرّب إلى الاستخبارات الإسرائيلية، خطّط لها يحيى السنوار ونفّذها دون أي اختراق أمني يُذكر. دخل بها التاريخ الفلسطيني من أوسع أبوابه، وهزّت الكيان الإسرائيلي في عمقه الاستراتيجي، حتى إن المراقبين يرون أنه لولا الدعم الفوري والمكثف من الغرب والولايات المتحدة لكانت النتائج أشد وطأة بكثير، مما اضطرّ القيادة الإسرائيلية إلى إعادة رسم سياساتها وخوض حروب باتت تأخذ طابعاً وجودياً، امتدّت من غزة إلى لبنان ولم تتوقف عند إيران.
فائض القوة … ومأزق الغرور
تلك الشهرة الواسعة التي راكمها الزعماء الثلاثة منحتهم رصيداً معنوياً وشعبياً ضخماً، غير أنها انطوت على خطر مكتوم؛ إذ تحوّلت أحيانًا إلى غرور بنى مجدًا رمزيًا لم يرتكز على قاعدة صلبة من القوة المادية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، ولا على بناء قدرات الصمود الشعبي في مواجهة عدو يعمل باستمرار على تطوير إمكاناته وتجديد أدواته.
وقد أفضى ذلك إلى الانزلاق نحو حروب غير محسوبة؛ كانت باكورتها حرب حزيران 1967، التي جاءت نتائجها أفدح من نكبة 1948 ولا تزال تداعياتها تُخيّم على الأمة العربية حتى اليوم. ثم جاء “طوفان السابع من أكتوبر” ليُلقي بظلاله الثقيلة على فلسطين وقضيتها، ويُحيل غزة إلى ركام. وتُضاف إلى ذلك التداعيات الخطيرة لحرب الإسناد التي خاضها حزب الله فدمّرت لبنان دون أن تُسهم في إسناد غزة فعلياً. والأخطر من ذلك كله ما تشهده حرب إسناد ايران اليوم من مواجهة مفتوحة قد تفوق في تداعياتها كل ما سبقها في لبنان وفي الإقليم .
آن أوان الحد من ظواهر أنصاف الآلهة لوقف المغامرات والحروب العبثية.



