أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
ليس مشهد الطائرات وهي تمزّق السماء مشهدًا عابرًا يمكن للإنسان أن ينساه بسهولة. هناك شيء قاسٍ ومهين في أن ترى الموت يأتي من الأعلى، باردًا، بعيدًا، بلا وجه، وبلا رجفة ضمير. كأن الحرب الحديثة لم تعد مواجهة بين جيوش، بل استعراضًا مرعبًا للقوة، تُقدَّم فيه المدن المفتوحة والبيوت الآمنة والوجوه المذعورة قرابين على مذبح التفوق العسكري. يصبح القصف في هذه اللحظة أشبه بفيلم أميركي طويل، تتكرر فيه الصورة نفسها: طائرات، نار، دخان، ومعلّقون يتحدثون عن “الردع” و”الإنجاز”، فيما الحقيقة الوحيدة على الأرض هي أجساد الضحايا وخراب الأمكنة وارتجاف القلوب.
وأنا أشاهد الطائرات الإسرائيلية المدعومة من أميركا تقصف بيروت، لم أكن أرى بطولة، ولم أرَ مجدًا، ولم أفهم كيف يمكن لأحد أن يخلط بين القوة وبين سحق العزّل. كنت أرى مدينة تُوجَع، وناسًا يركضون في الشوارع، ووجوهًا مذهولة لم تطلب من العالم إلا أن تترك لها حق الحياة. كنت أرى الضحايا لا كأرقام في نشرات الأخبار، بل كبشر لهم أسماء وأحلام وبيوت وذكريات. عندها فقط يسقط كل الكلام الكبير عن الاستراتيجيات والتوازنات، ويبقى السؤال الأخلاقي عاريًا: ما معنى النصر إذا كان يمر فوق أجساد الأطفال؟
يخيّل إلى كثيرين أن الطائرات تمحو الهزائم القديمة، وأن فائض النار قادر على غسل الخيبات المتراكمة في الذاكرة العسكرية والسياسية. لكن التاريخ لا يُمحى بالقصف، والعار لا يزول حين تتحول المدن إلى رماد. لا في فيتنام، ولا في العراق، ولا في أفغانستان، ولا في أي مكانٍ ظنّ فيه الأقوياء أن التكنولوجيا قادرة على تعويض الانكسار الأخلاقي. فالآلة قد تربح معركة، لكنها لا تمنح صاحبها براءة، ولا تخلق له شرفًا، ولا تكتب له احترامًا في ذاكرة الشعوب.
ومع ذلك، فإن المأساة لا تكمن فقط في طائرات تقصف، بل أيضًا في عالم صار يتعايش مع هذا الخراب كأنه خبر يومي عادي. يصبح الطفل المقتول خبرًا عاجلًا يبهت بعد ساعات، والبيت المدمر صورةً تُستبدل بغيرها، والمدينة الجريحة عنوانًا يمرّ في الشريط الإخباري ثم يُنسى. هنا تبلغ الإنسانية أخطر مراحل سقوطها: حين تعتاد الألم، وتفقد قدرتها على الغضب، وتتعلم كيف تواصل حياتها فوق ركام الآخرين.
ولست في هذا كله مع حزب الله، ولا مع إيران، كما أنني لست مع نتنياهو ولا مع ترامب. لا أرى في هذا الاصطفاف الأعمى إلا وجوهًا مختلفة للتطرف نفسه. الجميع يتحدث بلغته الخاصة، لكن النتيجة واحدة: مزيد من الدم، مزيد من الكراهية، مزيد من الشعوب التي تُدفَع ثمنًا لمشاريع القوة والنفوذ والهيمنة. التطرف لا يصير مقبولًا حين يرفع راية دولة، ولا يصبح أقل فتكًا حين يتكئ على دعمٍ دولي. والتوحش لا يكتسب شرعية لمجرد أنه يخرج من طائرة حديثة بدل أن يخرج من فم ميليشيا.
ما يؤلم حقًا أن القتلة كثيرًا ما يتحدثون بلغة البطولة. يظنون أن القصف شجاعة، وأن قتل المدنيين حسم، وأن الأطفال الذين يُنتشلون من تحت الأنقاض مجرد “أضرار جانبية” في معركة أكبر. لكن الحقيقة أبسط وأوضح من كل خطاباتهم: لا بطولة في قتل الأبرياء، لا بطولة في ترويع المدن، لا بطولة في أن تكون السماء مصدر خوف دائم لمن تحتها. البطولة الحقيقية أن تحمي الحياة، لا أن تبرع في إزهاقها.
بيروت، وهي تُقصف، ليست مجرد مدينة على الخارطة، بل ذاكرة ناسٍ تعبوا من الحروب، وقلوبٍ أنهكها الانتظار، وأرواحٍ كانت تريد أن تعيش يومًا عاديًا بلا صفارات، بلا دخان، بلا نشرات عاجلة. وكل مدينة تُقصف تشبه الأخرى في لحظة الألم: الأم نفسها التي تصرخ، الطفل نفسه الذي يرتجف، الشارع نفسه الذي يتلوّى بين النار والغبار. لهذا لا تعود المسألة سياسة فقط، بل تصبح امتحانًا للضمير الإنساني كله.
ربما أخطر ما في هذا العصر أن القتل صار يُدار ببرودة، ويُبرَّر بلغة أنيقة، ويُسوَّق كأنه ضرورة. لكن الأرواح لا تفهم هذه اللغة، والدم لا يعترف بالمصطلحات، والأم التي فقدت ابنها لا يعنيها اسم العملية العسكرية ولا الجهة التي أعطت الضوء الأخضر. ما تعرفه فقط أن عالمًا كاملًا تواطأ على وجعها، أو على الأقل لم يفعل ما يكفي لوقفه.
إنني لا أبحث عن طرفٍ أصفق له، بل عن إنسانيةٍ لم تمت بعد. أبحث عن صوت يقول بوضوح إن الجريمة تبقى جريمة، مهما كان مرتكبها، ومهما كانت ذريعته، ومهما حظي به من دعمٍ أو صمتٍ أو تبرير. أبحث عن عدالة لا تكيل بمكيالين، وعن ضمير عالمي لا يستيقظ فقط حين تخدمه المصلحة.
في النهاية، لا يبقى أمام الإنسان وسط هذا الجنون إلا أن يتمسّك بحقيقته الأخلاقية: أن يرفض القتل أينما كان، وأن يرفض التطرف أيًا كان وجهه، وأن يحزن للضحايا دون أن يسمح لأحد أن يسرق حزنه لحساب دعايةٍ أو معسكر. فبين تطرفٍ يدّعي المقاومة وتطرفٍ يدّعي الدفاع عن النفس، تضيع الشعوب، وتُدفن المدن، ويُترك الأبرياء وحدهم في مواجهة النار.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الطائرات، ولا إلى مزيد من الخطب، ولا إلى مزيد من القتلة الذين يتبادلون أدوار البطولة على جثث الناس. نحن نحتاج فقط إلى قليل من الرحمة، وقليل من الصدق، وكثير من السلام.
إ



