أخباركم – أخبارنا/ محمد السعيدي باحث
قراءة في مسألة إعدام متنوري بلاد الشام سنتي 1915–1916 واتهامهم بالخيانة
حدث قبل مئة وخمس سنوات أمرٌ جلل في بلاد الشام (سوريا وفلسطين ولبنان)، وهو تنفيذ أحكام إعدام وجاهية بحقّ رجال عرب (عثمانيين)، مثقفين تنويريين أحرار، في 20/21 آب 1915 في بيروت، في ساحة المدفع أو ساحة البرج أو ساحة الحميدية أو ساحة الاتحاد، وسُمّيت في عهد الانتداب الفرنسي بساحة الشهداء.
مقدمة
بدأت طبول الحرب العالمية الأولى قبل سنة 1914، وعمليًّا بعد اغتيال ولي عهد مملكة النمسا–المجر في 28 حزيران 1914 في مدينة سراييفو. قام الجيش النمساوي، باتجاه الشرق، بمهاجمة الأراضي الصربية، وغزا الجيش الألماني نحو الغرب الأراضي البلجيكية في 2 آب سنة 1914، وتوغّل داخل الأراضي الفرنسية (بمقتضيات خطة القائد الألماني ألفريد فون شليفن (1833-1913). كما أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا، وحشدت روسيا فيالقها لاجتياح بروسيا الشرقية، واشتعلت جبهة الألزاس واللورين لترسم بعدها مجرياتُ المعارك حدودَ الحرب وأبعادَها طيلة أربعة أعوام، وتقع دول البلقان في شراك التحالفات السياسية والعسكرية.
واتخذت تركيا موقفًا دبلوماسيًا ضبابيًا مائعًا بدايةً، في ظل خزينة خاوية، محاولةً تجنب حرب مدمرة (لا يخلو البلد من عقلاء)، مفضّلة الوقوف على الحياد إزاء ما يحصل في أوروبا. وهذا الحياد الصوري لم يستمر طويلًا أمام الدعم المالي والذهبي النقدي والتسليحي من الألمان. تبع هذا الكرم الألماني تحرّشُ دوارع ألمانية–تركية بالمرافئ الروسية في جزيرة القرم في البحر الأسود (أوديسا/ سمفروبول/ سيباستوبول) ومنشآتها وسفنها الراسية، بقيادة الأميرال سوخون، فتُصليها حممًا، قاصدةً منها الاستفزاز واستدراج روسيا إلى الحرب وتوريط السلطنة فيها. وتبيّن فيما بعد أن هذا الاستفزاز (الاعتداء) سيناريو متفقٌ عليه بين وزير الحربية التركية أنور باشا، ورئيس البعثة الألمانية العسكرية ليمان فون ساندرس في تركيا، والقيادة العامة في برلين.
وتمكّنوا بهذا الاستفزاز من استدراج روسيا لتعلن الحرب على تركيا وألمانيا (ابتلعت روسيا الطعم). وبدوره تمكّن النفوذ الألماني، الممثل بالوزير أنور باشا، من توريط السلطنة، التي كانت مساحتها أكثر من ستة ملايين كلم²، في الحرب صباح عيد الأضحى في 21 تشرين الثاني 1914، حتى عقد معاهدة مودروس في تشرين الأول/نوفمبر 1918، لتتقلّص إلى مليون كلم². وبعد ذلك بدا اصطفافُ الدول المتحاربة في الأحلاف العسكرية والسياسية واضحًا.
وجرى نقل الجيش الرابع إلى ضفة قناة السويس عبر شبه جزيرة سيناء بهدف احتلال مصر وطرد الإنكليز منها. ثم جرت معركة القناة الأولى شروق 3/2/1915، وتفشل الحملة (التجريدة) بقيادة وإشراف وزير البحرية القائد أحمد جمال باشا. وبعد أشهر، يأمر باعتقالات مثقفين عرب وسجنهم في الديوان العرفي في مدينة عاليه، ثم يأمر بإعدامهم فجر 21/22 آب من سنة 1915. بعدها أشاع الأتراك خبرًا مفاده أن سبب خسارة السلطنة للحرب هو خيانة العرب وتحالفهم مع أعدائها. ووُجّه الاتهام باتجاهين:
الأول سنة 1915 إلى مجموعة مثقفين عرب بتهمة اتصالهم بأعداء السلطنة العثمانية، مستندين إلى مجموعة وثائق يقال إنهم عثروا عليها مخبأة في القنصلية الفرنسية. لتبدأ الشرطة العثمانية باعتقال رجالات العرب المطالبين باللامركزية الإدارية في مدن وقرى بلاد الشام. وظهرت نوايا الاتحاديين الأتراك وموقفهم نحو مطالب العرب في بيروت عندما أمر واليها التركي حازم بك بعض زعرانه باغتيال الصحافي زكريا طبارة في بيروت 13/4/1913، عضو جمعية بيروت الإصلاحية.
شهداء 20 / 21 آب 1915
- محمد المحمصاني (من بيروت)
- محمود المحمصاني (من بيروت)
- عبد الكريم الخليل (من الشياح)
- نورالدين القاضي (من بيروت)
- محمود العجم (من بيروت)
- صالح حيدر (من بعلبك)
- علي الأرمنازي (من حماه)
- نايف تللو (من دمشق)
- محمد مسلم عابدين (من دمشق)
- عبد القادر خرسا (من دمشق)
- سليم عبدالهادي (من نابلس)
- نخلة باشا المطران (من وجهاء بعلبك، ملّاك مثقف، موظف في السفارة التركية في باريس، تم إعدامه في 17/10/1915 قرب جرابلس-كركميش)
وكان لهذه الإعدامات صدىً واسعًا في الأقطار العربية، ما سرّع التفكير في كيفية الخلاص من نير الحكم التركي الجائر المتخلف عن الركب الحضاري الإنساني.
وكانت بلاد الشام تحت الحكم التركي (العثماني)، الممثل بوزير البحرية أحمد جمال باشا المطلق الصلاحية في إدارة المنطقة (عسكريًّا/سياسيًّا/إداريًّا)، الذي وصلها في نهاية شهر تشرين الثاني سنة 1914. وبعد مرور ستة أشهر على هزيمته وفشل قيادته لمعركة السويس (2 شباط 1915)، وتكبّد الجيش الرابع، وبشكل محدّد، مقتل أو فقدان جنود الفرقة الخامسة والعشرين، أي 4500 جندي، بينهم 1500 جندي عربي، أي ربع عديد الفيلق الثامن، ولرفع أسباب الهزيمة ونتائجها عنه، راح يتهم المفكرين المتنورين والصحافة العربية بالخيانة والاتصال بالعدو، ويلقي القبض على من استطاع، ويحيلهم على الديوان العرفي في عاليه(1)، مستندًا إلى ما سمّاه وثائق واعترافات وزّعها إلى ثلاثة أنواع:
الأول: الوثائق التي عُثر عليها في مخبأ سري في القنصلية الفرنسية(1)، بمساعدة فيليب زلزل، وهو موظف لبناني يعمل في السفارة، التي اقتحمتها الشرطة العثمانية.
الثاني: الرسائل البريدية والبرقيات المتبادلة بين أحرار العرب. يعود تاريخ أغلبها إلى سنوات 1909 و1910 و1913. ورسالة واحدة، على زعمه، تعود إلى تشرين الثاني/نوفمبر 1914، أي قبل إعدامهم بسنة وخمسة أشهر. ومن يقرأها لن يجد فيها ما يضر بأمن السلطنة أو ما يدين الشباب الشهداء. وما ذنب الشهداء إذا كان القناصل الأجانب تبادلوا رسائل ذات مواضيع فيما بينهم ليحاسب عليها الشهداء؟! والشهداء لم يعِدوا القناصل بشيء، ولم يتعهدوا أمام أجنبي بما يمس سمعة الدولة العثمانية أو شخص القائد الإنسان أحمد جمال. أما الذين ارتبطوا مع القناصل في بلاد الشام أو في أوروبا (أيوب ثابت / شارل دباس / خليل زينية / شكري غانم / إميل إده / بترو طراد / نعوم مكرزل / رزق الله أرقش وغيرهم… المطالبين بإنزال جيشٍ فرنسي على الساحل السوري ليطرد التركي ويحتل البلاد) فهم معروفون للاتحاديين قبل مجيء أحمد جمال إلى بلاد الشام، ولم يُعدم منهم أحد أو حتى يُحاكم. وهذا ما يقوله العقيد عزيز بك، أحد مسؤولي مخابرات الجيش الرابع، في مذكراته. (حتى إن محققي ومستنطقي الديوان العرفي في عاليه، بعد تعذيب الموقوفين بالكهرباء والجلد والضرب والتهديد، لم يحظوا ببرهان أو يجدوا أي جناية أو جريمة خيانة بحق أي من الموقوفين، إلا أن زمجرة وغضب الباشا على نتائج التحقيقات من قبل مسؤولي الديوان أرعبتهم، طالبًا منهم إصدار أحكام إعدام).
الثالث: من أقوال المتهمين أثناء تعذيبهم(3) خلال التحقيق في الديوان العرفي، على ذمة أحمد جمال باشا، الذي سمّاها اعترافات المجرمين أثناء “التحقيق”. وهل كان معهم أثناء التحقيق غير موظفي الأتراك لينفي ذلك؟!
ونشر هذا التبرير في كتاب “الإيضاحات”، سبق وتم نشره في استانبول عن دار “طنين”، المؤسسة الإعلامية (البروباغندا) التابعة لجمعية الاتحاد والترقي، سنة 1921، وترجم إلى لغات أجنبية عدة، ومن بينها العربية. وأعيد تحقيقه ونشره سنة 2013 مباشرة عن اللغة العثمانية.
الرابع: اتصالات القائد أحمد جمال باشا بالفرنسيين ومطالبته إياهم بدعمه للاستقلال عن السلطنة العثمانية وانفراده بالحكم عن الباب العالي في استانبول لبلاد الشام. (راجع الفصل الأول من القسم الخامس لكتاب الجاسوسية في سوريا ولبنان).
من هم الشهداء؟
ينتمي الشهداء إلى الجمعية الإصلاحية البيروتية، وجمعية اللامركزية الإدارية، وجمعية النهضة اللبنانية، وجمعية العربية الفتاة، وغيرهم مستقلون. والشهداء وغير الشهداء ممن صدرت بحقهم أحكام نفي أو إعدام وجاهي أو غيابي، كلهم من عائلات ميسورة، لا بل غنية وأرستقراطية، وكان لها دورٌ في الشأن العام والخاص.
والشهداء أصحاب مؤهلات علمية ومواقع اجتماعية: محامون، أطباء، صحافيون وأصحاب صحف، اقتصاديون وماليون، خبراء إدارة ورجال دولة (متصرف- قائم مقام)، أدباء، علماء اجتماع، رجال دين وتشريع. ومنهم من شارك في تأسيس نادٍ (المنتدى الأدبي في استانبول) أو كان عضوًا في جمعية العربية الفتاة، أو بحضور ندوة أو حلقة فكرية أو أدبية من دون إلزامه بشيء (حلقة الشيخ طاهر الجزائري في منزله في دمشق). وبنضالهم وحركتهم الفكرية الخاصة والسياسية، قد أوجدوا لهم موقعًا وسط الحراك السياسي الثقافي الاجتماعي العروبي القومي في المجتمع العربي، الذي تُوِّج بعقد المؤتمر العربي الأول في باريس في حزيران 1913(4).
شهداء آذار سنة 1916
- مسعود هليل (من وادي شحرور، أعدم في الديوان العرفي في عاليه بتاريخ 23/1/1916)
- عبدالله الضاهر (من عكار، أعدم في بيروت بتاريخ 1/3/1916)
- يوسف سعيد بيضون (من بيروت، أعدم في الديوان العرفي في عاليه بتاريخ 10/3/1916)
- يوسف الحاج (خوري مدبر)
شهداء أُعدموا في المرجة، دمشق 6/5/1916
- عزت الجندي (طبيب استُدعي لمقابلة أحمد جمال باشا في فندق إقامته ولم يخرج منه)
- شفيق المؤيد العظم (من دمشق)
- الشيخ عبدالحميد الزهراوي (من حمص)
- الأمير عمر الجزائري (من دمشق، حفيد المجاهد عبدالقادر الجزائري)
- شكري العسلي (من دمشق)
- عبدالوهاب الإنكليزي (من دمشق)
- رفيق رزق سلوم (من حمص)
- رشدي الشمعة (من دمشق)
- أنطوان زريق (من طرابلس)
- توفيق زريق (من طرابلس)
- أناطول … (شماس فرنسي)
شهداء أُعدموا في ساحة البرج، بيروت بتاريخ 6/5/1916
- بترو باولي (رجل أعمال من بيروت)
- جرجي حداد (صحافي من دمشق)
- سعيد فاضل عقل (صحافي من الدامور)
- عمر حمد (شاعر وصحافي من بيروت)
- عبد الغني العريسي (محامي وصحافي من بيروت)
- الشيخ أحمد حسن طبارة (رجل أعمال وإمام مسجد وصحافي من بيروت)
- توفيق البساط (من صيدا)
- سيف الدين الخطيب (من دمشق)
- علي عمر النشاشيبي (من القدس)
- محمود جلال البخاري (من دمشق)
- سليم الجزائري (عقيد مهندس في الجيش العثماني – من دمشق)
- أمين لطفي الحافظ (عقيد في الجيش العثماني من دمشق)
- الأمير عارف الشهابي (مارس التعليم والصحافة – من حاصبيا)
- محمد الشنطي اليافي
- فيليب الخازن (صحافي من كسروان)
- فريد الخازن (صحافي من كسروان)
منابع فكر الشهداء
إن الأفكار المؤثرة في البيئة الاجتماعية-الاقتصادية-الثقافية الحاضنة للحراك السياسي الفكري القومي العربي في بلاد الشام، لهي نتاج لجهود واختمار واستيعاب كتابات وأفكار من سبقهم، من نهضويّي القرن التاسع عشر ومتنوّريه إلى بدايات القرن العشرين، التي تراكمت منذ المعلم بطرس البستاني، وإبراهيم اليازجي، وأديب إسحاق، وفرنسيس المراش، وولي الدين يكن، وعبد الرحمن الكواكبي، ومسرح يعقوب صنوع، ولحراك جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وثورة أحمد عرابي، وخطب عبدالله النديم وصحافته، ومحمد رشيد رضا، وفرح أنطون، وشبلي الشميل، ونقولا حداد، وعمر فاخوري، ورفيق جبور، وجبران خليل جبران، وأمين الريحاني، ومحمود سامي البارودي، ومصطفى كامل، وقاسم أمين، ونجيب عازوري، وساطع الحصري، ورفيق العظم، وحقي العظم، وإسكندر عمون، وتقارير الصحافي إبراهيم النجار، وكتاباتهم النهضوية، وغيرهم الكثير…
كل كتابات هؤلاء وغيرهم ممن أثّروا، تجد لكلماتهم تأثيرها وانعكاسها في مصر وبلدان المغرب العربي، حتى في الهند وباكستان واليمن والجزيرة العربية. والذي أجّج في الزخم القومي العربي، مع كراهية للتركي لم تكن موجودة سابقًا، ورغبة متسارعة في التخلص منه، هو الإعدامات بالجملة التي جرت في ساحة البرج (المدفع) في بيروت.
كتاب “الإيضاحات” شكّل مادة دراسية للعديد من الكتاب والباحثين في لبنان والعالم العربي، على الرغم من أنه وثيقة في فن الكذب والخداع والتلفيق على الأحرار العرب والافتراء عليهم، إلا أنه في الوقت نفسه يعطينا أفكارًا غنية جدًا عن أهمية الحراك السياسي الثقافي الاجتماعي العروبي القومي، وحجمه في المجتمعات العربية، ووزنه، وموقف “الاتحاديين” من هذا الوعي وكيف تمت مجابهته. وقد عالجت هذه المرحلة مؤلفات كثيرة يمكن الاستفادة منها وتغطي تلك الفترة.
بعض ممن كتبوا هم رفاق شاركوا في جمعية اللامركزية أو في المنتدى الأدبي – استانبول، وجمعية بيروت الإصلاحية، وتعرّفوا إلى الشهداء عن كثب وكادوا أن يكونوا شهداء معهم: أسعد داغر كتب (مذكرات شاهد عربي) و(الثورة العربية)، أحمد قدري (مذكرات)، فائز الخوري (مذكرات)، فائز الغصين (مذكراتي عن الثورة العربية)، الخوري أنطون يمين (لبنان في الحرب)، محمد كرد علي (خطط الشام ج3) وفارس نمر (يقظة العرب).
وآخرون عايشوها، أمثال: ساطع الحصري (نشوء الفكرة القومية)، يوسف الحكيم (سوريا في العهد العثماني، بيروت ولبنان في عهد آل عثمان)، محمد عزة دروزة (نشأة الحركة العربية)، أمين سعيد (الثورة العربية الكبرى)، محمد جميل بيهم (العرب والترك)، يوسف مزهر (تاريخ لبنان العام ج2)، يوسف إبراهيم يزبك (مؤتمر الشهداء)، لطف الله نصر بكاسيني (نبذة من وقائع الحرب الكونية) وفيليب حتي (تاريخ لبنان) و(تاريخ العرب).
وكتب عنها: أنور الجندي (رواد القومية العربية)، سليمان موسى (الحركة العربية 1908-1924)، أدهم الجندي (شهداء الحرب العالمية الكبرى)، فلاديمير لوتسكي (تاريخ الأقطار العربية الحديث)، توفيق برو (القضية العربية في الحرب العالمية الأولى)، ز. ليفين (الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث)، عبدالله حنا ومنير موسى في كتابين منفردين عن (الفكر العربي في العصر الحديث). وكتب ألبرت حوراني (الفكر العربي) و(سوريا ولبنان) و(تاريخ الشعوب العربية)، وكتابين معمقين لزين نورالدين زين. وكتب وجيه كوثراني في دراسته الرائدة لـ (وثائق المؤتمر العربي الأول في باريس) و(الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي)، وكتب مسعود ضاهر التاريخية الثرية بمعلوماتها واستنتاجاتها. هذه عيّنة مما قد يجد فيه القارئ بعضًا من التاريخ. ومئات المؤرخين العرب كتبوا ولم يلحظوا في مؤلفاتهم الشهداء والحركة العربية التحررية أو الاحتلالات الأجنبية. وحينما يصبح التاريخ وجهة نظر، لا يعود بحاجة للنظر.
من المهازل أن نرى مؤرخين عربًا ومسلمين يتباكون على الرابطة الإسلامية العثمانية التي كانت آخر همّ الاتحاديين، والتي استعملوها لتسكين المسلمين وتهدئة خواطرهم لتثبيت سلطتهم. وكرّروا استعمالها بعد هروبهم سنة 1918: طلعت في برلين، وأنور في مدن القوقاز، وأحمد جمال في أفغانستان، وسقوط السلطنة واحتلال الإنكليز وفرنسا لتركيا والبلاد العربية. هذا لم يسببه الشهداء العرب لا من قريب ولا من بعيد. بل جمعية الاتحاد والترقي صديقة الألمان، وبعض العرب المروجين للاتحاديين (ما إن خرج آخر جندي تركي حتى بدؤوا بنقدهم وتبيان مثالبهم، ونسوا قصائد وخطب المديح والتبجيل والتعظيم التي كانوا يطلقونها. وهؤلاء هم أنفسهم كانوا يصفون الشهداء بالعملاء، وركبوا في قطار الفرنسيين والإنكليز ونالوا حظوتهم فيما بعد).
الأسباب الحقيقية لمجيء أحمد جمال باشا
بعد عشرة أيام من دخول تركيا الحرب، جرى إعلام وزير البحرية أحمد جمال باشا، “لخبرته العظيمة بالشؤون العربية!”، عن مهمة قمع جديدة في بلاد الشام، وتكليفه بقيادة الجيش الرابع بدلًا من الفريق أول زكي باشا الحلبي، مطلق اليد مع صلاحيات واسعة لضبط الأمن في سوريا والقبض على اللامركزيين “المجرمين” وإلغاء امتيازات جبل لبنان، مع أن مظلة مجيئه المركزية هي التصدي للقوات الإنكليزية في قناة السويس.
أتى وهو مملوء حقدًا وكراهية للعرب، وللداعين إلى الإدارة اللامركزية في بلاد الشام، ولاستقلال جبل لبنان. ثم إن قيادة الاتحاديين ارتاحت بإبعاده عن المنافسة القائمة بين الثالوث القيادي (أنور- طلعت- أحمد جمال).
أما في معركة قناة السويس فقد بيّن عن جهل في العمل العسكري الميداني، من تقدير للقوى، وفن إدارة المعارك الحربية وقيادة الجيش، وتوزيع وحداته وصنوف أسلحته، والتعاون فيما بينها في القتال. كان حب العظمة مسيطرًا عليه. غروره وعجرفته كانا تغطية لعقد نقص ملازمة له.
إن الدماء التي أريقت على ضفتي قناة السويس هي مسألة تفصيلية (4500 قتيل وجريح جندي عثماني) لا تستحق عند أحمد جمال باشا أن يتوقف عندها بعدما فشلت مهمته. بل أشاع أن مهمته نجحت وكانت مجرد استطلاعٍ لقوة نيران العدو (الإنكليز) في القناة، وأن هذا هو ما كان مطلوبًا منه. لم يكتف بالكلام، بل أقام الحفلات والعراضات العسكرية في شوارع القدس، ووجّه دعوات إلى السفراء والمسؤولين للمشاركة في احتفال النصر! (راجع كتاب مذكرات جندي عثماني، تحقيق سليم تماري، منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية). وتتكرر هذه الرعونة في وقتنا الحالي من قبل البعض.
للشهداء وجه واحد
استطاعت جمعية الاتحاد والترقي أن تنجح بحركتها السياسية تحت شعارات إنسانية وبرامج متحررة عرضت لقضايا أساسية تعاني منها أمم وشعوب السلطنة، وبهذه الشعارات جذبوا مئات الألوف من المؤيدين والأنصار إلى جانبها لمواجهة السلطان عبدالحميد. وعادت الناس والصحف من المنافي، وعادت الحياة إلى الحركة السياسية، والمواكب الشعبية المؤيدة في القرى والمدن.
أما الذين أبدوا ألمهم على فراق السلطان من نواب وباشاوات، وحاربوا جمعية الاتحاد والترقي في أيامه، فهم أنفسهم ألّفوا فيما بعد الوفود المؤيدة للجمعية، واستمروا نوابًا وباشاوات، نموذج نائب دمشق (محمد فوزي باشا العظم) وأمير الحج (عبد الرحمن باشا اليوسف) وبكوات وأمراء من لبنان ومن ليبيا وتونس وفلسطين وشرق نهر الأردن غب الطلب، بوجه المتنورين الحقيقيين (الشهداء) الذين كان لهم وجه واحد: عارضوا السلطان سابقًا ورحّبوا بالجمعية بما حملته من برنامج شامل. وبرهنوا عن ذلك في الصحافة العربية والتركية، والحياة النيابية في مجلس المبعوثين.
بعد عزل السلطان ونفيه إلى سيلانيك، وعودة الحياة البرلمانية الجدية إلى مجلس المبعوثين، شارك النواب العرب عن مناطقهم، وحملوا مطالبها، فتصدّى لهم الاتحاديون نوابًا ووزراء بمواقف سلبية خيّبت أمل المناطق العربية (بلاد الشام)، وخصوصًا لدى مناقشة قضايا أساسية كان يطرحها النواب العرب (الشهداء)، من هذه القضايا:
1- مصير الضرائب التي تجمع من الولايات الآسيوية (البلاد العربية) ومدى استفادتها منها، قام بها الشهيد شفيق بك مؤيد العظم وناقشها في اجتماعات مجلس المبعوثين.
2- مسألة الهجرة اليهودية المتزايدة إلى فلسطين، وتملكهم للأراضي، وإقامتهم للمستوطنات وللمصارف والمحاكم الخاصة بهم والبريد الخاص، ولماذا ألغيت القيود أمام إقامتهم الدائمة وغير الشرعية. تقدم بهذه المساءلة النائب الشهيد شكري العسلي ونائبا فلسطين حافظ السعيد وروحي الخالدي وموسى الحسيني.
3- حول التتريك والحريات وقضايا مالية واجتماعية في جريدة المفيد لصاحبها وكاتب المقالات الشهيد عبد الغني العريسي، إلى جانبه الأمير عارف الشهابي.
4- موضوع الصهيونية وأهدافها كان طرحها وكشفها الشهيد شكري العسلي وفضحها من على منبر مجلس المبعوثين، والشهيد محمد المحمصاني (الحائز على شهادة دكتوراه الدولة في القانون من باريس)، وخطرها القادم في فلسطين جراء الاستيطان مع تكاثر وفود المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا وبطلان مزاعمها التاريخية والسياسية.
5- انكشاف أمر الخديوي الجديد (أحمد جمال باشا) لبلاد الشام واتصاله بالروس أولًا ثم بالفرنسيين للاستقلال بها عن استانبول. هذا الأمر انكشف لعبد الكريم الخليل ورضا الصلح وعبد الرحمن الشهبندر وإسكندر عمون وأعضاء الجمعيات. وفي (مذكرات عزيز بك) رجل المخابرات التركي إفصاح مفصل عن ترتيبه شخصيًا لهذه الاتصالات.
هذا غيض من فيض، هذا نموذج بسيط عن حقيقة استهداف الأتراك لهذه الكوكبة من المتنورين. لأجل هذه القضايا، قبض التركي عليهم وأعدمهم.
كلمة أخيرة
ما نقوله أبعد ما يكون عن مجرد رد اعتبار، بل شهادة في وجه من لا يزال يقول بخيانة الشهداء للسلطنة. وذلك للتغطية عمن وشى، وعمن تواطأ مع التركي وشارك في تقاسم فتات النفوذ والمكاسب المادية. من وشاة من بيروت وجبل لبنان وعكا ودمشق… إلخ.
ولمن يريد معرفة المزيد عن هذه الحقبة، فليراجع صحف المؤيد، الأهرام، المفيد، المقتبس، المنار، والمقتطف خلال عام 1909 حتى عام 1916.
هوامش
(1) عن الديوان العرفي: وكما هو ثابت، فإن الاتحاديين منذ عام 1913، وبعد اغتيالهم الفريق محمود شوكت الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) واقتناصهم السلطة، أصبح “الديوان العرفي” مؤسسة دائمة ملازمة لوجودهم (الاتحاديين) في الحكم واستمراريتهم. وتم تكريس استخدام هذا الجهاز (المؤسسة) كأداة بطش (شرعية) في الولايات العثمانية الأوروبية في بلاد البلقان والروملي والأناضول الشرقي والغربي والولايات الآسيوية، ومنها بلاد الشام، بوجه أخصامهم لأي قومية انتموا أو أي دين أو حزب.
أما عن الديوان العرفي في عاليه، فقد أنشأه جمال باشا إثر وصوله إلى سوريا سنة 1914 لمحاكمة المتهمين بالقضايا الأساسية (يقول جمال باشا في خواطره إن والي سوريا خلوصي بك سلّمه وثائق ضُبطت في القنصلية الفرنسية تدين بعض الموظفين وآخرين). ولدى عودته من فلسطين بعد هزيمته في معركة قناة السويس وسقوط أحلامه بأن يكون خديوي مصر وبلاد الشام، يومها أعطى أوامره ببدء البطش بالأحرار العرب. أولى ضحاياه عبد الكريم الخليل الذي كان يحسب أنه كسب ثقة القائد أحمد جمال ووده، وتوسم فيه خيرًا للقضايا العربية.
القائد الوزير حمّل مسؤولية فشل حملته (التجريدة) على قناة السويس ووزعها على جهات مختلفة، منها: الشعب المصري، والشريف حسين، و(الموظفون العرب) من الأحرار الإصلاحيين الآخرين، وهؤلاء بمتناول اليد. فكانت المحاكمات الصورية، ونتج عنها أحكام بالإعدام والسجن والنفي. وكانت محكمة الديوان برئاسة ضابط برتبة زعيم/عميد (أميرالاي) تحسين باشا. والديوان العرفي كان مؤلفًا من هيئتين:
أ- هيئة تحقيق ترأسها الضابط صلاح الدين بك
ب- هيئة قضاة برئاسة (القائمقام) العقيد شكري بك
ولم يكن هذا الديوان يسير على سنن المحاكم العرفية المتعارف عليها في الدول، بل كان يسير وفقًا لمشيئة ومزاج أحمد جمال باشا وأطواره. وأعضاء الهيئتين عرضة للتغير، بل عرضة للتغيير طوال عمر الديوان (سنتين).
الهيئة القضائية كانت هيئة صورية شكلية، لا فاعلية لها أو دور، وعرضة لتغيير أعضائها، وتنقسم إلى:
(أ) هيئة التحقيق:
كامل بك الهاشم، بكباشي (رائد) متقاعد، دمشقي، رئيسًا
داود أفندي الموصلي، مستنطقًا
الحاج عارف الحمصي، عضوًا
حسني الدمشقي ====
محيي الدين علم الدين، كاتب
هيئة المحكمة العسكرية:
القائمقام أدهم بك* رئيسًا
البكباشي فتحي بك، عضوًا
اليوزباشي كمال بك ====
اليوزباشي كامل بك البغدادي ====
الملازم عبدالله الموصلي ====
صالح بك عبدالعال، مدّعٍ عام
*في مرحلة لاحقة جرى عزل رئيس المحكمة أدهم بك، وعُيّن مكانه فخرالدين بك، ومدعيًا عامًا جديدًا هو مرتضى بك.
(1) السفارة الأميركية بقيت تمارس أعمالها القنصلية والدبلوماسية في بلاد الشام لعدم وجود حالة حرب مع الدولة العثمانية، حتى وقت إغراق السفينة لوزيتانيا من قبل البحرية الألمانية في 7 أيار 1915، وإعلان الولايات المتحدة الأميركية الحرب على ألمانيا وحلفائها.
(ج) عدد من الشهداء مات أثناء التعذيب، إن كان داخل مقر إقامة جمال باشا في فندق (داماسكوس بالاس) في دمشق، مثل الشهيد الطبيب عزت الجندي، أو كما حصل مع الشهيد نخلة مطران أثناء تسفيره بالقطار إلى الأناضول، أو مع توفيق الناطور الذي أُطلقت النار عليه داخل السجن في الديوان العرفي في عاليه. وطبعًا لم يكن مع الشهداء غير الجلادين المحققين وقت التحقيق (التعذيب). ويستطيع جمال باشا أن يُقوِّل الشهداء ما يريده هو. (راجع مذكرات فايز الخوري).
(د) مهما قيل بحق المؤتمر وبشخصياته، فهو أطلق زخمًا من الوعي القومي العربي في البلاد العربية.
المؤتمر الذي نشأت فكرته عند شباب عرب كانوا يدرسون في باريس: عبد الغني العريسي، وعوني عبدالهادي، وتوفيق الناطور، وجميل مردم، ومحمد المحمصاني، وجميل معلوف، أتتهم الفكرة بعد رفض الاتحاديين لبنود لائحة الجمعية الإصلاحية البيروتية، فرأوا ضرورة عقد مؤتمر عربي تدعى إليه المنظمات العربية، العلنية منها والسرية، وكانت اللجنة الداعية للمؤتمر مؤلفة من مسلمين ومسيحيين لمناقشة أوضاع بلادهم في الدولة العثمانية، بعيدًا عن الإرهاب الذي نشره الاتحاديون فيها. وحددت أبحاث المؤتمر على النحو التالي:
- الحياة الوطنية ومناهضة الاحتلال
- حقوق العرب في المملكة العثمانية
- ضرورة الإصلاح على قاعدة اللامركزية
- الهجرة من سوريا وإليها
أهم الأفكار التي اشتملت عليها كلماتهم التي ألقيت في سياق أعمال المؤتمر، تمحورت على:
- التشديد على عدم الانفصال عن الدولة العثمانية
- التشديد على أن العرب أمة متميزة لها حقوقها
- رفض ومقاومة كل تدخل أجنبي
- تأكيد وحدة المسلمين والمسيحيين في إطار قومي أو وطني
- الإصلاح عن طريق اللامركزية
وفي الجلسة الختامية للمؤتمر اتخذت قرارات، منها أن الإصلاحات واجبة وضرورية للمملكة العثمانية، وأن يكون مضمونًا للعرب التمتع بحقوقهم السياسية، باشتراكهم في الإدارة المركزية للمملكة، وإنشاء إدارة مركزية في كل ولاية عربية للنظر في حاجاتها وعاداتها، وأن تكون اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية، وأن تكون الخدمة العسكرية ضمن أراضي الولايات العربية. وإذا لم تنفذ القرارات التي صادق عليها المؤتمر، يمتنع الأعضاء المنتمون إلى لجان الإصلاح العربية عن قبول أي منصب في الحكومة العثمانية.
يتضح لنا من خلال هذه القرارات، ومن الرجوع إلى أسماء المؤتمرين، أن المؤتمر كان قوميًّا عربيًّا ضم المسلم والمسيحي، وأن قراراته في جملتها لا تتعدى المطالبة بالاشتراك في الحكم المركزي، وأن تكون اللغة العربية لغة رسمية، وأن يتمتع العرب بحقوقهم القومية في دولة هم فيها أكثر من نصف السكان.
المراجع
- وجيه كوثراني، الاتجاهات السياسية والاجتماعية، معهد الإنماء العربي في لبنان وسوريا
- مير صبري، أعلام الوطنية والقومية العربية، دار الحكمة 1999
- خيرالدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين
- أحمد جمال باشا، الإيضاحات، تحقيق محمد السعيدي، دار الفارابي، 2013
- يوسف الحكيم، سوريا في العهد العثماني، دار النهار 1986
- يوسف الحكيم، بيروت ولبنان في عهد آل عثمان، دار النهار 1991، صفحة 142 و242
- فلاديمير لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، دار الفارابي
- جوزف الياس، تاريخ الصحافة في سوريا، دمشق
- الكونت دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية، 1932
- مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعي 1914-1926، دار الفارابي
- عبدالله إبراهيم عبدالله، تاريخ لبنان عبر الأجيال، نوبيليس 2005، مجلد 10
- أمين سعيد، الثورة العربية الكبرى، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، صفحة 57
- حسن سعد، جبل عامل بين الأتراك والفرنسيين
- سليمان موسى، الحركة العربية 1908-1914، دار النهار 1977
- محمد عزة دروزة، حول الحركة العربية الحديثة، المكتبة العصرية
- هلال الصلح، رياض الصلح، بيروت
- يوسف خوري، الصحافة العربية في فلسطين، بيروت 1968
- توفيق برو، العرب والترك (رسالة ماجستير)، القاهرة 1961
- ألبرت حوراني، الفكر العربي، دار النهار 1977
- منير موسى، الفكر العربي في العصر الحديث، دار الحقيقة 1973
- توفيق برو، القضية العربية في الحرب العالمية، دار طلاس 1989
- مذكرات أحمد جمال باشا، تحقيق محمد السعيدي، الفارابي 2012
- مذكرات بشارة جرجس البواري، تحقيق محمد السعيدي، دار الفارابي، 2019
- زين نورالدين زين، نشوء القومية العربية، ط4، دار النهار 1986
- زين نورالدين زين، الصراع الدولي في الشرق الأوسط…..، ط3، دار النهار 1977



