الأربعاء, أبريل 22, 2026
13.5 C
Beirut

لبنان على حافة الهاوية: هدنة الإقليم لا تكفي إذا بقي القرار اللبناني معطّلًا

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

لم تدخل المنطقة مرحلة سلام حقيقي مع إعلان وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة الهدنة المشروطة، والتفاوض تحت النار، وإعادة ترتيب موازين القوة من دون أي ضمانة فعلية للاستقرار. وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان مرة جديدة في موقع الدولة المعرّضة للخطر، لا بوصفه طرفًا مقررًا، بل بوصفه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

الهدنة التي تمتد لأسبوعين، تمهيدًا لمفاوضات مرتقبة في إسلام آباد، لا تعني أن الأزمة انتهت، بل تعني عمليًا العودة إلى الملفات نفسها التي كانت مطروحة قبل اندلاع المواجهة: البرنامج النووي الإيراني، العقوبات الاقتصادية، أمن الممرات البحرية، وحدود النفوذ في المنطقة. ما نشهده ليس تسوية نهائية، بل إعادة فتح للأزمة نفسها بصيغة جديدة، تحت عنوان مؤقت هو وقف إطلاق النار، وتحت سقف أعلى من التوتر وعدم اليقين.

المشكلة الأساسية في هذا الاتفاق أنه وُلد ملتبسًا منذ لحظته الأولى. فبينما اعتبرت واشنطن وإسرائيل أن لبنان غير مشمول به، رأت إيران وباكستان أن التفاهم يمتد إلى الساحة اللبنانية أيضًا. هذا التناقض ليس تفصيلًا دبلوماسيًا، بل هو جوهر الأزمة. فعندما يكون تعريف الهدنة نفسه موضع خلاف، يصبح وقف إطلاق النار مجرد تعبير فضفاض، وتتحول الجبهات المفتوحة إلى أدوات ضغط متبادلة، كما حدث مع استمرار القصف الإسرائيلي العنيف في لبنان واستمرار الهجمات المنسوبة إلى إيران في الخليج.

ضمن هذا السياق، لا يمكن قراءة ملف مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر مائي أو نقطة اختناق عسكرية. فالصراع عليه هو صراع على من يملك القدرة على فرض الشروط السياسية بعد انتهاء التصعيد. والتاريخ في المنطقة يقول بوضوح إن الحروب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بمفاعيلها السياسية اللاحقة. في حرب السويس مثلًا، لم يكن المشهد النهائي مجرد عدوان عسكري على مصر، بل تحول سياسي كبير كرّس سيادة مصر على قناة السويس وجعل من جمال عبد الناصر زعيمًا عربيًا صاعدًا. هذا المعنى التاريخي مهم اليوم، لأن ما يجري حول هرمز لا يتعلق فقط بحرية الملاحة، بل بتحديد من سيخرج من الأزمة قادرًا على كتابة شروط المرحلة المقبلة.

من هذه الزاوية، يمكن فهم التحول في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبعد أسابيع من لغة التهديد والحديث عن الاستسلام غير المشروط، عاد ليقول إن إدارته ستعمل عن قرب مع إيران. هذا التحول لا يبدو مجرد تبدل في النبرة، بل يعكس إدراكًا بأن الحرب وحدها لا تكفي لصناعة الترتيب المطلوب، وأن واشنطن لا تريد فقط الضغط على طهران، بل تريد أن تكون شريكًا في صياغة تفاهم جديد معها، يشمل النووي، والممرات البحرية، والتوازنات الإقليمية.

لكن هذا المسار لا يلغي حقيقة أن جميع الأطراف خرجت من هذه الجولة بأثمان داخلية متصاعدة. في الولايات المتحدة، سيجد ترامب نفسه أمام أسئلة متزايدة داخل المؤسسات السياسية والرأي العام حول جدوى الحرب، إذا انتهى هذا التصعيد كله باتفاق مؤقت لا يحقق مكاسب أمريكية واضحة وحاسمة. وفي إيران، ورغم قدرة النظام على الصمود وعدم الانهيار تحت الضغط العسكري، فإن وقف إطلاق النار سيعيد طرح الأسئلة الداخلية المؤجلة: ماذا عن الاقتصاد؟ ماذا عن الاحتجاجات؟ وماذا عن قدرة النظام على تحويل الصمود العسكري إلى استقرار معيشي وسياسي؟

أما في إسرائيل، فإن رئيس الوزراء نتنياهو، الذي حاول توظيف الحرب لتحسين موقعه السياسي، قد يواجه بدوره تراجعًا في التأييد كلما طالت المواجهة وارتفعت كلفتها، خصوصًا إذا لم يتمكن من إقناع الداخل الإسرائيلي بأن الأهداف المعلنة للحرب قد تحققت فعلًا. والحروب التي تبدأ تحت شعار الحسم لا تنتهي دائمًا بتكريس القوة السياسية لمن يطلقها، بل قد تتحول إلى عبء داخلي إذا طال أمدها أو تراجعت نتائجها.

في هذا المشهد كله، يبدو حزب الله في موقع معقد وخطير في آن واحد. فهو مرتبط استراتيجيًا بالملف الإيراني، لكنه ليس جزءًا مباشرًا وواضحًا من ترتيبات التهدئة. وهذا يعني أنه عالق بين معادلتين: معادلة تفاوضية لا يتحكم بمسارها، ومعادلة ميدانية يدفع لبنان كلفتها المباشرة. ومن هنا يمكن وصف موقعه بأنه موقع “الشريك في الخسارة”، لأن أي تسوية كبرى ستُناقش فوق رأس لبنان، فيما يبقى اللبنانيون وحدهم أمام نتائج الحرب على أرضهم.

في المقابل، يظهر الوسطاء الإقليميون والدوليون بوصفهم الرابح النسبي في هذه المرحلة، وخصوصًا باكستان، إلى جانب السعودية ومصر وقطر وتركيا. فهذه الدول نجحت في نقل المشهد من الحرب المفتوحة إلى طاولة التفاوض، ولو بصورة مؤقتة وهشة. وهذا مكسب سياسي لا يمكن تجاهله، حتى لو بقي الاتفاق الحالي عاجزًا عن إنتاج استقرار فعلي أو دائم.

غير أن كل هذه القراءات الإقليمية والدولية تبقى، بالنسبة إلى لبنان، أقل أهمية من السؤال الداخلي الملح: ماذا سيفعل اللبنانيون لحماية بلدهم من التحول النهائي إلى ساحة مستباحة؟ فلبنان لا يمر اليوم بظرف أمني صعب فقط، بل يمر بمحنة وجودية حقيقية. استمرار هذا الواقع، حيث القرار الاستراتيجي موزع، والسلاح خارج إطار الدولة، والسيادة خاضعة لموازين قوى داخلية وإقليمية، يعني أن البلاد تتجه نحو مزيد من التفكك والانكشاف.

المشكلة لم تعد في توصيف العدوان الإسرائيلي وحده، رغم فداحته، ولا في رصد التناقضات الأمريكية الإيرانية، بل في غياب قرار لبناني وطني حاسم يمنع تحويل البلد إلى منصة رسائل وحروب. فحين تكون بيروت نفسها قابلة لأن تدخل في أي لحظة في قلب المواجهة، وحين تبقى العاصمة مفتوحة على احتمالات الانفجار، يصبح السؤال عن الدولة سؤالًا وجوديًا، لا إداريًا أو دستوريًا فقط.

من هنا، فإن المدخل الحقيقي لإنقاذ لبنان يجب أن يبدأ من استعادة الدولة لقرارها الكامل، ومن نزع السلاح من بيروت، وإعادة تثبيت مبدأ السلطة الواحدة والسيادة غير القابلة للتجزئة. لا يمكن لأي عاصمة أن تبقى قابلة للتحول إلى جبهة، ثم يُطلب من الناس أن يثقوا بوجود دولة تحميهم. ولا يمكن لأي بلد أن يطالب العالم باحترام سيادته، بينما يسمح ببقاء مراكز القوة العسكرية خارج بنيته الرسمية. إن استمرار هذا الواقع يعني ببساطة إبقاء لبنان في دائرة الخطر المفتوح، ويعني أن بيروت قد تجد نفسها، في لحظة ما، أمام مصير شبيه بمصائر مدن عربية دُمّرت لأن القرار الوطني فيها كان معطلًا أو مرتهنًا.

المطلوب اليوم ليس خطابًا انفعاليًا، ولا إدارة مؤقتة للأزمة، بل قرار سياسي تاريخي: أن يخرج لبنان من منطق الساحات إلى منطق الدولة، ومن منطق تعدد مراكز القوة إلى منطق السلطة الواحدة. هذا ليس مطلبًا نظريًا ولا ترفًا سياديًا، بل شرط بقاء. لأن البديل عن الحسم لم يعد مجرد أزمة جديدة، بل احتمال سقوط ما تبقى من لبنان.

الهدنة القائمة اليوم لا تشكل نهاية للصراع، بل تمثل مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالين: إما أن تنجح المفاوضات المقبلة في إنتاج تسوية أوسع، وإما أن تكون هذه الهدنة مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من التصعيد. وفي الحالتين، لا يمكن للبنان أن يبقى متفرجًا على مصيره، أو ينتظر ما ستقرره العواصم الأخرى. فالدول التي لا تبادر إلى حماية نفسها تُدار من الخارج، والكيانات التي تفقد احتكار قرارها تفقد تدريجيًا قدرتها على البقاء.

لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية. إما أن يستعيد نفسه كدولة، وإما أن يبقى مجرد ساحة في حرب الآخرين. وهذه المرة، قد لا تكون الخسارة مجرد جولة جديدة من الدمار، بل خسارة 

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...