الأربعاء, أبريل 22, 2026
14.1 C
Beirut

بين جلجلة بيروت وحنان روما: شكرًا إيطاليا، يا بلدي الثاني

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

منذ الأمس، وأنا أنظر إلى بيروت وهي تُقصف، شعرت كأنني لا أشاهد مدينةً تُستهدف، بل روحًا تُعلَّق على نار طويلة. كان المشهد، كما وصفه زياد الرحباني يومًا، أشبه بفيلم أميركي طويل، إلا أن الفارق هنا أن الدخان حقيقي، وأن الخوف ليس تمثيلًا، وأن المدينة التي ترتجف ليست على شاشة، بل في القلب.

وسط هذا الليل الثقيل، لم يصمت هاتفي لحظة. رسائل واتصالات من أصدقائي الطليان، يتابعون الأخبار ويسألون بصدق وقلق عن عائلتي وعن بيروت. في تلك اللحظات شعرت أن المسافات بين روما وبيروت قد تلاشت، وأن البحر لم يعد يفصل بين المدينتين بل صار جسرًا من عاطفة ومحبة ووفاء. شعرت أن روما اقتربت من بيروت حتى لامست جراحها، وأن إيطاليا، بلدي الثاني، لم تكن بعيدة عن ألمي، بل كانت فيه.

كانت بيروت أمس كأنها تسير في طريق الجلجلة، مثقلةً بصليبها، داميةً ومضيئةً في آن، تتعثر تحت ثقل الألم وتمضي. مدينة تنزف وتصبر، تسقط وتنهض، كأن قدرها أن تُختبر بالنار لتظل شاهدة على الحياة. وفي الجهة الأخرى بدت لي إيطاليا كمريم عند أقدام الصليب: لا تملك أن تمنع العذاب، لكنها تملك أن تبقى، أن تحب، أن تواسي، وأن تمنح المتألّم نعمة ألا يتألم وحده. هكذا بدت لي روما وهي تنحني نحو بيروت، لا مدينة بعيدة، بل أختًا في الإنسانية تهمس للمدينة الجريحة: لستِ وحدك.

لبنان وإيطاليا يتشابهان أكثر مما نظن. كلاهما ابن بحر وحضارة وذاكرة. كلاهما يعرف كيف يصنع من الألم جمالًا، ومن التعب كرامة، ومن التاريخ هويةً حيّة. لبنان بلد صغير في الجغرافيا، كبير في الروح، فيه الجبل والبحر، القصيدة والأغنية، والناس الذين يضحكون عند حافة الوجع. وإيطاليا بلد الضوء والفن والدفء الإنساني، بلد يحوّل الحجر إلى ذاكرة، والساحة إلى حياة، واليوميّ إلى معنى.

أما بيروت وروما، فهما ليستا مجرد مدينتين، بل حالتان من البقاء. بيروت مدينة مجروحة وعنيدة، مكسورة ومرفوعة الرأس، كلما ظنّ فيها الموت أنه انتصر، عادت وأزهرت من تحت الرماد. وروما، المدينة الأبدية، لا تبهر فقط بعظمتها، بل تحتضن أيضًا بحنانها، كأنها تقول لمن يصل إليها متعبًا: هنا ما زال في العالم متسع للطمأنينة.

وأنا بين بيروت وروما، لم أشعر يومًا أنني بين مدينتين، بل بين قلبين. بيروت هي الجرح الأول، واللغة الأولى، والبيت الذي يسكنني مهما ابتعدت. وروما هي الحضن الذي اتسع لي حين ضاقت الأرض، وهي البلد الذي احتضنني بعد أن طاردني الظلم، وفتح لي باب الكرامة حين أُريد لي الاختناق بالتهم الباطلة. لذلك لم تعد إيطاليا بالنسبة إليّ بلدًا أحببته فقط، بل صارت بلدًا أنقذ فيّ شيئًا عميقًا من الانكسار.

لهذا أقول اليوم، من قلبي: شكرًا إيطاليا. شكرًا يا بلدي الثاني. شكرًا لهذا الشعب الذي يعرف أن الصداقة ليست مجاملة، بل موقف، وأن الاطمئنان على الجريح شكل من أشكال النبل. شكرًا لكل صديق إيطالي كتب واتصل وسأل وشاركنا خوفنا على أهلنا ومدينتنا. في لحظات كهذه، لا تُقاس الأوطان بمساحتها، بل بقلوب ناسها.

سيبقى لبنان رغم الذين أحرقوه. وستبقى بيروت رغم الذين أرادوها مدينةً للركوع والموت. وستبقى إيطاليا في قلبي لا كبلد احتضنني فقط، بل كأمّ ثانية وقفت، مثل مريم، عند أقدام ألمي، ومنحتني وسط هذا العذاب سببًا إضافيًا للإيمان بأن القيامة ممكنة، وأن المحبة ما زالت قادرة على تقصير المسافات بين روما وبيروت، بين المنفى والبيت، وبين الوجع والرجاء.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...