أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
13 نيسان: الشرارة التي أشعلت الحريق
اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية في 13 نيسان/أبريل 1975، لكن ذلك اليوم لم يكن بداية الأزمة بقدر ما كان لحظة انفجارها الكبير. فلبنان كان قد دخل قبلها بسنوات في مسار طويل من الاهتزاز السياسي والاجتماعي والطائفي، وسط دولة ضعيفة، ونظام طائفي مأزوم، وتفاوت اقتصادي حاد، وتصاعد نفوذ السلاح الفلسطيني بعد انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان إثر أحداث “أيلول الأسود” في الأردن عام 1970. وحين وقعت حادثة “بوسطة عين الرمانة”، لم تكن سوى الشرارة التي أشعلت بلداً كان يقف أصلًا على حافة الحرب.
وخلال أشهر قليلة، تحوّل الصدام المحدود إلى مواجهة شاملة بين القوى اليمينية المسيحية من جهة، والحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى. وانقسمت بيروت عمليًا إلى شطرين، وتفكك الجيش اللبناني، وبدأت خطوط التماس ترتسم على الأرض وفي النفوس معًا. وبحلول ربيع 1976، كانت الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، ومعها القوى الفلسطينية المسلحة، تتقدم ميدانيًا بصورة جعلت كثيرين يعتقدون أن ميزان الحرب يميل بشكل حاسم لمصلحتها، وأن النظام اللبناني القديم بات مهددًا بالسقوط الكامل.
الدخول السوري: بداية الوصاية
في تلك اللحظة بالذات، دخلت سوريا على الخط لا كوسيط، بل كصاحب مشروع مباشر في لبنان. فحافظ الأسد لم ينظر إلى ما يجري من زاوية لبنانية فقط، بل من زاوية إقليمية أوسع: انتصار الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الكامل كان يعني بالنسبة إليه انهيار التوازن اللبناني، وصعودًا فلسطينيًا خارج السيطرة السورية، واحتمال فتح الباب أمام تدخل إسرائيلي واسع، فضلًا عن خسارة دمشق قدرتها على الإمساك بالملف اللبناني. لذلك بدأت القوات السورية تدخل لبنان أولًا تحت عباءة فلسطينية وبشكل غير معلن، قبل أن تتدخل علنًا في مطلع يونيو/حزيران 1976.
وكان عبور القوات السورية الحدود لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. فقد دخلت ليلة وصول رئيس الوزراء السوفياتي ألكسي كوسيغين إلى دمشق، في مشهد يعكس حجم التعقيد الدولي المحيط بالقرار السوري. ولم يكن التدخل مجرد خطوة عسكرية لوقف القتال، بل كان بداية مرحلة كاملة من الهيمنة السورية على لبنان، وهي المرحلة التي ستعرف لاحقًا باسم “الوصاية السورية”. فمنذ تلك اللحظة، لم تعد دمشق طرفًا من أطراف الأزمة، بل أصبحت المرجعية الفعلية لمسارها، وصاحبة النفوذ الأثقل في رسم حدود الحرب والتسوية معًا.
والأهم من ذلك أن هذا التدخل لم يأتِ في فراغ إقليمي أو دولي. فقد جرى في مناخ من القبول الأميركي غير المباشر، الذي نُقل إلى الأسد عبر العاهل الأردني الملك حسين، وفي ظل رضا إسرائيلي عن قيام دمشق بتطويق منظمة التحرير الفلسطينية و”تأديب” ياسر عرفات ومنعه من تحقيق انتصار كامل في لبنان. وبهذا المعنى، لم يكن دخول الجيش السوري مجرد مبادرة أحادية، بل تقاطعًا واضحًا للمصالح: واشنطن لا تريد سقوط لبنان بالكامل في يد الحركة الوطنية والفلسطينيين، وإسرائيل لا تريد قيام كيان فلسطيني مسلح على حدودها الشمالية، وسوريا لا تريد أن يتحول لبنان إلى ساحة يتحكم بها عرفات خارج الإرادة السورية.
هكذا بدأت الوصاية. دخلت القوات السورية تحت شعارات منع التقسيم، ووقف الحرب، وحماية وحدة لبنان، لكنها سرعان ما تحولت إلى القوة المقررة في الحياة السياسية اللبنانية. ومنذ خريف 1976، ومع تغطية التدخل تحت اسم “قوات الردع العربية”، صار الوجود السوري أمرًا واقعًا، لا يشبه تدخلًا مؤقتًا بقدر ما يشبه إعادة صياغة كاملة لمعادلة الحكم في لبنان. وبمرور الوقت، باتت دمشق تمسك بخيوط اللعبة اللبنانية: من الرئاسة إلى الحكومة، ومن التوازنات الطائفية إلى الملفات الأمنية، ومن الحرب إلى السلم.
نقد الحركة الوطنية: حين أجهض الخارج مشروع الإصلاح
في قلب هذا التحول وقف كمال جنبلاط بوصفه الخصم اللبناني الأبرز للمشروع السوري. لكن لا بد هنا من نقد الحركة الوطنية نفسها أيضًا. فمشروع التغيير الذي رفعته، على ما انطوى عليه من طموح إصلاحي حقيقي، لم يستند إلى العامل اللبناني وحده، بل اتكأ كذلك على العامل الفلسطيني المسلح لفرض تعديل جذري في المعادلة الداخلية. وهذا الاستناد إلى الخارج، حتى لو جاء يومها تحت عنوان دعم القضية الفلسطينية ومواجهة اختلال النظام اللبناني، أسهم عمليًا في إجهاض تجربة الحركة الوطنية نفسها في الإصلاح، لأنه فتح باب التدخلات الخارجية على مصراعيه، وحوّل الصراع من معركة تغيير داخلي إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.
ومن هذه اللحظة تحديدًا، بدأ لبنان يفقد قدرته على إنتاج تسويته بنفسه، ويمضي تدريجيًا نحو مرحلة انتهت باجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وسقوط كل لبنان تقريبًا تحت وطأة الحرب والاحتلال والانهيار، وانتهاء مرحلة كاملة وُسمت بالعروبة والقومية العربية ومناصرة قضية فلسطين، لندخل بعد ذلك في العصر السوري–الإسرائيلي، أو بالأحرى في مرحلة تقاطع مصالحهما، حيث تولى كل منهما، من جانبه، إعادة صياغة لبنان بما يناسب حساباته ونظامه الإقليمي ومصالحه الأمنية والسياسية.
جمول: مقاومة من كل الوطن ولكل الوطن
وبعد الاجتياح الإسرائيلي، ومع خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، برزت لحظة تأسيسية مختلفة في تاريخ المقاومة اللبنانية. ففي 16 أيلول/سبتمبر 1982، أطلق جورج حاوي ومحسن إبراهيم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، بوصفها ردًا وطنيًا مباشرًا على الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولة لاستعادة الإرادة اللبنانية من الهيمنة والاحتلال معًا. وكانت فرادة هذه الجبهة أنها قُدمت منذ البداية كمقاومة من كل الوطن ولكل الوطن، بهوية لبنانية جامعة، لا مذهبية ولا ملحقة بوظيفة خارجية. وقد لخّص بيان الانطلاقة هذا المعنى حين توجّه إلى “رجال ونساء لبنان من كل الطوائف والمناطق والاتجاهات”، داعيًا إلى حمل السلاح “تنظيمًا للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريرًا لأرض لبنان من رجسه على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه”. وفي هذه اللغة نفسها ظهرت الفكرة التي مثّلتها “جمول”: أن مقاومة الاحتلال لا تكون باسم طائفة، بل باسم لبنان كله، وأن الوطنية اللبنانية يمكن أن تكون إطار التحرير، لا مجرد تفصيل داخل صراعات الآخرين.
حزب الله: من الجامع الوطني إلى الجامع الطائفي
لكن في مقابل تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية ومحاولة استعادة المبادرة الوطنية بهوية جامعة، كانت تتكوّن في الجهة الأخرى تجربة مختلفة تمامًا. فبعد الاجتياح الإسرائيلي، ومع الانكشاف اللبناني العام، أسست إيران، وبغطاء من النظام السوري، حزب الله ليطلق مقاومة إسلامية شيعية فئوية، في مسار مغاير تمامًا لمسار جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي أرادت مقاومة من كل الوطن ولكل الوطن. ومنذ تلك المرحلة، لم يكن الصراع مجرد تنافس بين شكلين من أشكال المقاومة، بل بين تصورين للبنان نفسه: تصور وطني جامع، وتصور طائفي ملحق بمحور خارجي.
وفي تلك المرحلة، بدأت الاغتيالات تطال الحزب الشيوعي اللبناني وكوادره ورموزه، في سياق كان يضغط لقتل فكرة الجامع الوطني لمصلحة الجامع الطائفي. وهنا تكتسب شهادة الشهيد جورج حاوي أهميتها الخاصة، لأنه لم يتحدث من خارج التجربة بل من قلبها. ففي كتاب حوارات مع غسان شربل: الحرب والمقاومة والحزب، الصفحة 56-57، قال: “في هذه الأثناء، بدأت عمليات الاغتيال ضدنا. اغتيل خليل نعوس وهو كادر ثمين جدا مسؤول عن بيروت في الحزب، وصحافي وأديب مناضل. ثم اغتيل مهدي عامل في وسط بيروت. في هذه الأثناء، توترت علاقتنا مع “حزب الله”، وكان مركزهم في المقر السابق للسفارة الإيرانية. وأثناء هذا التوتر، استهدفت عملية انتقامية المناضل سهيل طويلة. اخذ بيته غدرا، وقتل وهو لطيبته لم يكن يتصور أن جيرانا له في المبنى نفسه يعرفهم ويعرفونه يسقيهم ماء ويشرب من عندهم يمكن أن يدخلوا منزله وهو بالبيجاما ويقتلوه. والأبشع من هذا كله الدخول الى منزل الشيخ الجليل حسين مروة الذي كان تخطى الثمانين ولم يكن قادرا على المشي. قتل بنجاسة نادرة فلا هو مقاتل ولا شاب ولا مسلح.”
ثم يمضي جورج حاوي أبعد من سرد الوقائع إلى تسميتها سياسيًا وأخلاقيًا، فيقول: “هذا الأمر ادى بنا الى مواجهات سياسية وفكرية منها أنني القيت خطابا في مأتم سهيل طويلة وقلت في الخطاب: “حاخام هو الذي يفتي بقتل الوطنيين والشيوعيين وليس سيدا ولا شيخا، يدعون الخمينية وهم براء منها وفي ظروف لبنان نحن الخمينيون وهم السافاك…” وفي هذه الشهادة يتضح أن المعركة، في نظره، لم تكن فقط بين تنظيمين أو خطين سياسيين، بل بين مشروع يريد بناء وطن، ومشروع يريد إخضاع الوطن للطائفة والمحور والسلاح.
حتى ما حدن يقول إننا نسينا، لأننا لن ننسى ولن نسامح، وعارفين تماماً مين هالجماعة. ومن هذا المنظور، يبدو اغتيال جورج حاوي لاحقًا أكثر من استهداف لشخص أو لزعيم حزبي؛ بدا كأنه استكمال لمسار بدأ باغتيال كمال جنبلاط لضرب مشروع التغيير الوطني الديمقراطي، ثم استمر لضرب كل محاولة لإحياء الفكرة نفسها: فكرة لبنان الوطني الجامع، السيد، الحر، والديمقراطي.
كمال جنبلاط: مشروع التغيير الذي أخاف الأسد
وفي هذا المعنى، رأى اليمين المسيحي أن التغيير الذي تطرحه الحركة الوطنية لا يُفرض عبر تسوية لبنانية خالصة، بل بقوة السلاح الفلسطيني والتحالفات الخارجية، فاندفع إلى طلب المساعدة السورية لقلب المعادلة وفرض توازن جديد، في لحظة كانت فيها بيروت قد انقسمت فعليًا بين غربية يسارية عروبية وطنية، وشرقية يمينية تستند إلى الغرب. وهكذا صار لبنان ساحة يتواجه فيها مشروعان متقابلان، لكنهما معًا فتحا الباب واسعًا أمام الخارج، إلى أن بات القرار اللبناني نفسه رهينة لتوازنات الآخرين.
وفي هذا السياق بالذات، كان كمال جنبلاط أكثر من مجرد زعيم ميداني في الحرب. فقد كان يحمل مشروعًا سياسيًا متكاملًا للتغيير الديمقراطي، عبر البرنامج الإصلاحي للحركة الوطنية اللبنانية، وهو برنامج استهدف صلب النظام الطائفي لا مجرد تحسين شروط المشاركة فيه. وتمحورت أبرز بنوده حول إلغاء الطائفية السياسية، وتوسيع التمثيل الشعبي على أسس أكثر عدالة، وتقليص احتكار السلطة داخل البنية التقليدية، وإقرار إصلاحات دستورية وسياسية واجتماعية تعيد توزيع القوة داخل الدولة، وتمنح الفئات المهمشة حضورًا أكبر في الحياة العامة. ولذلك لم يكن خوف حافظ الأسد من كمال جنبلاط نابعًا فقط من موقعه في الحرب اللبنانية، بل من طبيعة المشروع الذي حمله أيضًا. فجنبلاط لم يطرح مجرد تعديل في موازين الطوائف، بل طرح فكرة تغيير ديمقراطي واسع كان يمكن، لو كُتب لها النجاح في لبنان، أن تطرح السؤال نفسه داخل سوريا المجاورة. والأسد، الذي حكم سوريا بالنار والأجهزة الأمنية والدولة المغلقة، لم يكن يستطيع أن ينظر إلى صعود نموذج إصلاحي ديمقراطي على حدوده بوصفه شأنًا لبنانيًا صرفًا. لقد كان يخشى كذلك عدوى المثال: أن تنتقل من بيروت إلى دمشق فكرة الإصلاح، والمساءلة، وكسر النظام المغلق.
ذلك اللقاء لم يكن مجرد خلاف عابر بين حليفين سابقين، بل كان لحظة قطيعة تاريخية. جنبلاط خرج منه أكثر اقتناعًا بأن الأسد دخل لبنان لإجهاض مشروع الحركة الوطنية، والأسد خرج منه مقتنعًا بأن جنبلاط يشكل عقبة كبرى أمام إعادة ترتيب لبنان وفق الرؤية السورية. وبعد أقل من عام، في 16 مارس/آذار 1977، اغتيل كمال جنبلاط في جريمة بقيت واحدة من أكثر الجرائم السياسية خطورة في تاريخ الحرب اللبنانية، وبقي اسم النظام السوري حاضرًا في صلب الاتهام السياسي، حتى وإن أحاطت القضية عقودًا طويلة من الصمت والإنكار والتعتيم.
ويكتسب هذا البعد معنى أكثر قسوة اليوم بعد ما تكشّف تباعًا عن طبيعة الدولة التي بناها نظام الأسد الأب ثم ورثها الابن. فشبكة السجون والمعتقلات التي حكمت سوريا بالنار لم تكن تفصيلًا هامشيًا، بل كانت جوهر النظام نفسه. وقد صارت أسماء مثل المزة وصيدنايا وتدمر مرادفة للرعب السياسي، حيث اعتُقل وعُذّب وأُخفي وقتل آلاف المعارضين على مدى عقود. وبعد سقوط الابن، انكشف على نحو أوسع حجم البنية الأمنية التي حكمت السوريين بالخوف، وتأكد أن النظام الذي خشي انتقال فكرة الإصلاح من لبنان إلى سوريا لم يكن يحكم إلا بالقمع المطلق، وبالسجون التي صارت جزءًا من تعريفه السياسي والأخلاقي.
من الوصاية السورية إلى وصاية حزب الله
ومن هنا تكتسب قصة التدخل السوري في لبنان معناها الأعمق. فهي ليست مجرد فصل من فصول الحرب الأهلية، بل هي نقطة التحول التي نقلت لبنان من حرب داخلية مفتوحة إلى زمن السيطرة السورية المباشرة. فمنذ دخول الجيش السوري في 1976، بدأ عهد طويل من الإمساك بقرار الدولة اللبنانية، واستمر هذا العهد حتى عام 2005 حين خرجت القوات السورية تحت ضغط الانتفاضة الشعبية اللبنانية والتبدلات الدولية بعد اغتيال رفيق الحريري.
لكن خروج القوات السورية عام 2005 لم ينهِ الوصاية على الدولة اللبنانية، بل انتقل مركز الثقل تدريجيًا إلى حزب الله، الذي تحول مع الوقت من قوة عسكرية وسياسية نافذة إلى قوة تمسك بملف الحرب والسلم، وتفرض توازناتها على المؤسسات، وتمنع قيام سلطة سيادية كاملة. وبفعل فائض القوة الذي امتلكه، صار الحزب الطرف الأقدر على فرض إرادته داخل الحياة السياسية اللبنانية، سواء عبر التعطيل أو الترهيب أو استخدام السلاح في الداخل، وبذلك دخل لبنان مرحلة جديدة من الهيمنة، اختلف فيها الاسم وبقي جوهر الوصاية قائمًا.
الاغتيالات وشهداء 14 آذار
وعلى الضفة الأخرى، جاءت مرحلة ما بعد 2005 مثقلة أيضًا بسلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية التي استهدفت رموزًا من معسكر الاستقلال و14 آذار وشخصيات عارضت النظام الأمني السوري أو وقفت في وجه مشروع الهيمنة المسلحة. ومع مرور الوقت، اتجه معظم الاتهام السياسي في هذه الاغتيالات نحو حزب الله، وخصوصًا بعدما صار القوة الأكثر نفوذًا في البلاد، والأقدر على فرض موازين القوى بالقوة أو بالترهيب السياسي والأمني.
وفي مقدمة هؤلاء الشهداء رفيق الحريري، ثم سمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، وبيار الجميل، ووليد عيدو، وأنطوان غانم، ولاحقًا وسام عيد ووسام الحسن ومحمد شطح. وقد بقيت هذه الاغتيالات في الوعي اللبناني جزءًا من مرحلة دامية استهدفت إسكات الأصوات السيادية وكسر مشروع 14 آذار، حتى في الحالات التي لم يصدر فيها حكم قضائي نهائي يشمل جميع الجرائم أو يحدد المسؤوليات الكاملة عنها.
نفاوض على ماذا؟
وفي تطور بالغ الدلالة، بدا يوم 9 نيسان/أبريل 2026 كأنه يكشف الوجه الأحدث للأزمة اللبنانية: دولة تريد أن تتكلم باسم نفسها، في مقابل واقع إقليمي ما زال يحاول التفاوض فوق رأسها. ففي ذلك اليوم، أعلن بنيامين نتنياهو أنه أوعز ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان “في أسرع وقت ممكن”، وقال بوضوح إن هذه المفاوضات تستهدف نزع سلاح حزب الله والسير نحو علاقات سلمية بين البلدين. وجاء الموقف الإسرائيلي بعدما كان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد دعا علنًا إلى مسار يبدأ بوقف إطلاق النار، ثم ينتقل إلى تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل، على قاعدة أن القرار اللبناني يجب أن يبقى بيد الدولة وحدها. وفي السياق نفسه، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن لبنان يرفض أن تفاوض إيران نيابة عنه، وأن التفاوض حول مصير البلاد وحدوده وأمنه هو حق حصري للدولة اللبنانية، لا لأي قوة إقليمية أو محور عابر للحدود. وبذلك تركزت المقاربة اللبنانية على أربعة عناوين مترابطة: وقف إطلاق النار، دعم الجيش اللبناني وتمكينه، حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، ثم الانتقال إلى مفاوضات مباشرة برعاية دولية. أما إسرائيل، فقد ردت على هذا المسار بإعلان أن أي تفاوض سيكون في جوهره تفاوضًا على سلاح حزب الله، أي على السؤال الذي حكم لبنان طوال السنوات الماضية: من يملك القرار الحقيقي في الدولة اللبنانية، الدولة نفسها أم السلاح الذي قام خارجها ثم تمدد فوقها.
أصبح واضحًا أن هناك تقاطعًا لبنانيًا إسرائيليًا، ولو من دون تنسيق مباشر أو قصد مشترك، على وضع سلاح حزب الله في قلب أي تفاوض مقبل. فإسرائيل أعلنت صراحة أن المفاوضات مع لبنان ستتركز على نزع سلاح الحزب، فيما يدفع الموقف اللبناني الرسمي في اتجاه وقف النار ثم التفاوض على أساس استعادة الدولة لقرارها واحتكارها للسلاح. وهذا لا يعني تطابقًا بين المقاربتين، لأن لبنان ينطلق من منطق السيادة وإنهاء الحرب، بينما تنطلق إسرائيل من منطق الأمن وفرض الشروط، لكنه يكشف أن سلاح حزب الله لم يعد يُنظر إليه بوصفه تفصيلًا داخليًا، بل بوصفه العقدة المركزية في المأساة اللبنانية.
فهذا السلاح، وهذا التنظيم بما مثّله من هيمنة على قرار الدولة، تحوّل إلى تراجيديا على شعوب المنطقة أيضًا، لا على لبنان وحده. فقد قاتل الحزب في سوريا دفاعًا عن نظام بشار الأسد، وانخرط في العراق ضمن شبكات النفوذ المرتبطة بإيران، وارتبط اسمه أمنيًا وعسكريًا وماليًا بملفات خارج لبنان امتدت من الخليج إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية. كما نُسبت إليه أو إلى عناصر مرتبطة به عمليات وتحركات خارجية موثقة، من تفجير بورغاس في بلغاريا عام 2012، إلى قضايا أمنية في قبرص، إلى شبكات رصد وتحضير في الولايات المتحدة، إلى أدوار ميدانية واستشارية في اليمن إلى جانب الحوثيين. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل يُطرح سلاح حزب الله على طاولة التفاوض؟ بل: هل يمكن أصلًا بناء دولة لبنانية قابلة للحياة قبل حسم مسألة السلاح الذي خرج من حدود “المقاومة” إلى وظيفة إقليمية عابرة للحدود؟
لماذا نفاوض؟
في الخاتمة، لا بد من طرح السؤال الحاسم: لماذا نفاوض؟ نحن لا نفاوض تنفيذًا لأمر إسرائيلي، ولا خضوعًا لشروط عدو، بل نفاوض من أجل استعادة السيادة والدولة، ومن أجل إنهاء هيمنة السلاح على القرار الوطني. نفاوض لأن لبنان لا يمكن أن يقوم على دولتين: دولة فعلية اسمها الدولة اللبنانية السيدة الحرة المستقلة، ودولة موازية اسمها حزب الله، مرتبطة بإيران وتمسك بقرار الحرب والسلم خارج الشرعية. لا يمكن للبنانيين أن يبنوا وطنًا فيما القرار موزع بين مؤسسات الدولة وسلاح لا يخضع لها، ولا يمكن أن تستعاد كرامة الناس وحقوقهم ما دام لبنان يعيش تحت وصاية السلاح وهيمنة المشروع الإيراني.
إن الوقوف خلف الدولة اللبنانية وهي تفاوض ليس اصطفافًا خلف إسرائيل، بل اصطفافٌ خلف لبنان. هو انحياز إلى فكرة الدولة الواحدة، والسيادة الواحدة، والقرار الواحد. فإسرائيل عدو، نعم، لكن إيران لا تقل عداوة للبنان حين تعاملت معه بوصفه ساحةً وجسرًا وحديقة نفوذ للوصول إلى حدود فلسطين، لا حبًا بفلسطين بقدر ما كان ذلك توظيفًا للقضية في خدمة مشروعها الإقليمي. وما جرى في غزة ليس بعيدًا عن هذا المعنى: دمار شامل، وتجريف، وكارثة إنسانية، فيما الشعوب تُترك وحدها تحت الركام. فهل نريد للبنان مصيرًا مشابهًا؟ هل نريد أن يبقى بلدنا ورقة في يد الآخرين، وساحة لحروبهم ورسائلهم ومساوماتهم؟
إن استعادة لبنان تبدأ من استعادة قراره. تبدأ من تحرير الدولة من سلاح يزعم حمايتها فيما صادرها، ومن تحرير الوطن من هيمنة محور استخدمه ولم يبنِه، واستثمر في ضعفه ولم ينهض به. لبنان الذي نريده ليس خندقًا متقدمًا لأحد، بل وطنًا حرًا، سيدًا، مستقلًا، يعود درةً للشرق، ونموذجًا للتعايش، وفسحةً للحرية والانفتاح والحياة.
إلى نواف سلام وجوزاف عون: احملا الأرزة في قلبيكما، وامضيا في معركة استعادة السيادة من أجل كرامة اللبنانيين، من أجل المهجرين من بيوتهم، من أجل الذين دفعوا أثمان الحروب والوصايات والسلاح الخارج عن الدولة. فاوضا من موقع الدولة لا من موقع الضعف، ومن موقع الحق الوطني لا من موقع الإذعان. فاستعادة السيادة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط بقاء لبنان نفسه. ولم يكن سلاح حزب الله يومًا سلاحًا وطنيًا، لأنه لم يكن يومًا في خدمة لبنان الدولة، بل في خدمة مشروعٍ فوق لبنان وعلى حسابه.



