أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
ليس أبلغَ في كشف ضحالة الخطاب السياسي المعاصر من أن يخرج رئيس دولة عظمى مهدِّدًا “بموت حضارة” أمةٍ عريقة، كأن الحضارات تُباد بعبارة، أو تُمحى بنزوة حاكم، أو تُطوى من سجل التاريخ بوعيد عابر. فمثل هذا الكلام، مهما اشتد صخبه، لا يدل على قوة بقدر ما يدل على جهل، ولا يكشف عن رسوخ حضاري بقدر ما يفضح فقرًا في فهم معنى الحضارة ذاتها.
إن الحضارة ليست نظامًا سياسيًا يُستبدل، ولا سلطة عابرة تُحاسَب، ولا حكومة يصعد نجمها أو يأفل. الحضارة تراكم إنساني طويل، وذاكرة جمعية، ونتاج قرون من الفكر والفن واللغة والآداب والعلوم والرموز والقيم. ومن ثم فإن الخلط بين الخلاف مع نظام سياسي وبين التهجم على حضارة شعب بأسره ليس فقط خطأ في التقدير، بل سقوط في منطق همجي يعجز عن التمييز بين الدولة والأمة، وبين السلطة والتاريخ، وبين السياسة والإنسان.
من هنا، فإن التهديد الذي يطال الحضارة الإيرانية لا يسيء إلى إيران بقدر ما يكشف عن طبيعة العقل الذي ينطق به. فإيران ليست مجرد عنوان في نشرة أخبار، ولا مجرد ملف نووي، ولا مجرد خصم سياسي في ميزان المصالح الدولية؛ إنها إحدى الحواضن الكبرى للثقافة الإنسانية في هذه المنطقة، وأحد الأسماء الراسخة في تاريخ الفكر والشعر والفلسفة والعرفان والفن. وهي، قبل ذلك وبعده، شعب حي له كرامته، وذاكرته، وإسهامه الممتد في العمران البشري.
ولئن كان من المشروع نقد النظام الإيراني، والاعتراض على سياساته، ورفض ممارساته، فإن ذلك كله لا يبرر أبدًا الانحدار إلى خطاب يتوعد حضارة كاملة بالمحو أو الفناء. بل إن الحقيقة الأشد مرارة أن الخطر على حضارة إيران لم يأت يومًا من الخارج وحده، وإنما جاءها أيضًا من الداخل، من نظام قمعي صادر روح المجتمع، وضيّق على الناس، ولوّث المجال العام بكآبة أيديولوجية خانقة، حتى بدا كأنه يُغرق البلاد في بحر أسود من التديّن السياسي القسري الذي يطمس بهجة التاريخ وتعدّد الهوية وثراء الوجدان الإيراني.
ذلك النظام المجرم الذي قتل مهسا أميني، وجعل من جسد امرأة ذريعة لاستعراض سلطته العارية، لا يمثّل حضارة إيران، بل هو أحد أعدائها. لأنه حين يقمع النساء، ويكسر الشباب، ويطارد الحريات، ويختزل بلدًا عريقًا في خطاب مغلق ورؤية متحجرة، فإنه لا يحرس التاريخ، بل يعتدي عليه؛ ولا يصون هوية الأمة، بل يشوّهها؛ ولا يحمي الحضارة، بل يعمل، بوعي أو بغير وعي، على اقتلاعها من حياة الناس وتحويلها إلى قشرة دعائية فارغة.
ولهذا ينبغي قول الأمر بوضوح: كما أن ترامب لا يملك الحق في التهديد بمحو حضارة إيران، فإن النظام الإيراني نفسه لا يملك الحق في اختطاف تلك الحضارة، ولا في الادعاء بأنه صورتها أو حارسها أو ترجمانها الوحيد. فالحضارات أوسع من الأنظمة، وأبقى من السلطات، وأطهر من أن تختصرها أجهزة القمع أو خطابات التعبئة أو شعارات الشرعية الزائفة.
أما إيران التي ستبقى، فهي إيران الشعب، لا إيران السجون. إيران الشعر، لا إيران المشانق. إيران الفردوسي، وأبي محمد مصلح الدين بن عبد الله الشيرازي المعروف بسعدي الشيرازي، وحافظ، وابن سينا، وملا صدرا، لا إيران الخوف والكبت وتقديس السلطة. وحين يقول سعدي: “بنو آدم أعضاء في جسد واحد”، فإنه يضع أمام العالم صورة إيران التي تستحق البقاء: إيران المعنى، والروح، والإنسان.
وليس من قبيل المصادفة أن تصدر لغة المحو هذه عن عقلية طالما نظرت إلى العالم بمنظار الغلبة المجردة. إنها الذهنية التي لا ترى في الأمم إلا مواقع نفوذ، ولا في الشعوب إلا أوراقًا في لعبة القوة، ولا في التاريخ إلا مادة لإعادة الكتابة من موقع الهيمنة. وهي ذهنية تعرف كيف تُحسن التهديد، لكنها لا تعرف كيف تفهم الأمم؛ وتجيد استخدام السلاح، لكنها تعجز عن إدراك أن ما تصنعه الحضارات أعمق من أن تناله الجيوش، وأبقى من أن تزيله الإمبراطوريات.
لقد قامت تجارب الهيمنة الحديثة، في غير موضع من العالم، على الإقصاء والإخضاع والمحو، من سحق السكان الأصليين إلى الحروب التي استُبيحت فيها أوطان بأكملها تحت عناوين براقة تخفي في جوهرها إرادة السيطرة. ولذلك، فإن صدور مثل هذا الخطاب من هذا السياق التاريخي ليس أمرًا عارضًا، بل هو امتداد طبيعي لعقل لم يتصالح بعد مع معنى الشراكة الإنسانية، ولا مع حق الشعوب في أن تكون مختلفة، مستقلة، وراسخة في ذاكرتها وهويتها.
وهنا تتجلى المفارقة في أوضح صورها: حضارة قدّمت للإنسانية شعرًا وحكمة ورؤية أخلاقية وإنسانية رحبة، تُواجَه بخطاب لا يملك من أدواته إلا التهديد والوعيد. فأي الفريقين أحق باسم الحضارة؟ أهو من يراكم المعنى، أم من يراكم أسباب الفناء؟ أهو من يعلّم الإنسان كيف يسمو، أم من يذكّره، في كل مرة، بأن القوة العارية ما تزال قادرة على إنتاج أكثر اللغات انحطاطًا؟
إن الحضارات الكبرى لا تموت لأن سياسيًا أراد لها ذلك، ولا تسقط لأن رئيسًا متغطرسًا تلفظ بوعيد في لحظة انفعال أو استعراض. والذي يسقط، في نهاية المطاف، هو وهم القوة حين يتوهم أنه أكبر من الزمن، وأقدر من الذاكرة، وأرسخ من المعنى. أما الحضارات، فإنها تبقى بما أودعته في ضمير البشرية من أثر، وما زرعته في وجدان الأمم من رؤى، وما أنجبته من فكر وجمال وقيم.
لقد انطفأت إمبراطوريات كانت تظن نفسها أبدية، وتبددت جيوش ملأت الأرض رهبة وضجيجًا، وبقي الشعر، وبقيت الحكمة، وبقيت الأسماء التي صنعت المعنى لا الخراب. وهذه هي الحقيقة التي لا يدركها أهل الغطرسة إلا بعد فوات الأوان: أن الحجر قد يُهدم، لكن الروح لا تُقصف؛ وأن المدن قد تُخرّب، لكن الذاكرة الحضارية لا تُستأصل؛ وأن الأمم العريقة قد تُجرَح، لكنها لا تُمحى.
من أجل ذلك، فإن الدفاع عن الحضارة الإيرانية، في هذا المقام، ليس دفاعًا عن نظام سياسي، ولا اصطفافًا مع سلطة، بل هو دفاع عن المبدأ نفسه: مبدأ أن الحضارات ليست هدفًا مشروعًا للشماتة أو التهديد، وأن الشعوب لا يجوز أن تُختزل في حكامها، وأن التاريخ الإنساني أكرم من أن يُعامَل بمنطق الإلغاء. ومن أراد أن يخاصم دولة أو يعارض نظامًا، فليفعل ذلك ضمن حدود السياسة؛ أما أن يستدعي لغة المحو الحضاري، فتلك ردة أخلاقية وفكرية لا تليق إلا بعقول لم تتعلم من التاريخ شيئًا.
وفي النهاية، سيزول كل من أراد أن يحتكر إيران أو يمحوها: سيزول خطاب الغطرسة الخارجية، وسيزول كذلك النظام الذي شوّه وجه البلاد، وقتل أبناءها، وأساء إلى تاريخها، وحاول أن يطفئ تنوعها وحرية مجتمعها تحت ثقل القمع والأيديولوجيا. أما شعوب إيران فستبقى، وحضارتها ستبقى، لأنها أعمق من الطغاة، وأرسخ من العابرين، وأكبر من أن تُمحى بوعيد أجنبي أو تُختزل باستبداد محلي.
فإيران، بوصفها حضارة وشعبًا وذاكرة وإسهامًا إنسانيًا، أكبر من ترامب، وأكبر من نظامها أيضًا. أكبر من تهديد الخارج، وأكبر من قمع الداخل. أكبر من خطابات الغرور، وأكبر من أوهام السلطة. وما يبقى في آخر المطاف ليس صخب الحكام، بل ما تصنعه الأمم في وجدان التاريخ. ولذلك ستبقى إيران التي أنجبت الشعراء والحكماء والمفكرين أرسخ في الذاكرة الإنسانية من كل من توعّدها أو صادرها أو أساء إليها. تلك هي حقيقة الحضارات: أنها تعلو على الطغاة، وتبقى بعدهم جميعًا.



