السبت, سبتمبر 12, 2026
31.9 C
Beirut

حين تخون الشعارات أصحابها .. اليسار العربي وفخ الوقوف مع إيران باسم المقاومة .. ما بين الثورة الإسلامية الإيرانية والثورة الشيوعية الڤيتنامية!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم


ليس من السهل أن يُقنع المرء أحداً بمراجعة موقف يرى فيه نفسه على الجانب الصحيح من التاريخ. لذلك لا يدّعي هذا المقال أنه يُصدر أحكاماً أخلاقية، بل يقترح قراءةً تاريخية رصينة، ويطرح سؤالًا واحدًا: هل يتطابق الموقف اليساري الداعم لإيران مع ما علّمنا إياه التاريخ التحرري الحقيقي، وتحديدًا التجربة الفيتنامية وثورتها النموذجية التي يستشهد بها كثيرون من اليساريين على امتداد حُقب النضال التحرري الوطني في مختلف الساحات؟
ولا يستهدف هذا المقال موضوع الصراع العربي الاسرائيلي ولا اللبناني الاسرائيلي، لذلك بحث آخر.
 
أولًا، منطق الثنائية وأين يقودنا
يقوم الموقف اليساري العربي الداعم لإيران وحلفائها على ثنائية واضحة: إسرائيل دولة استعمارية ظالمة وغاصبة، وأمريكا راعيتها الكبرى. وعليه، فإن كل من يواجه هذين الطرفين يقع موضوعياً في دائرة المقاومة. هذا منطق متماسك في ظاهره، ويستحق النظر الجدي له لا تسفيهه.
غير أن الإشكال في هذا المنطق ليس في تقديمه، فالظلم الواقع على الفلسطينيين حقيقة موثّقة، والانحياز الأمريكي التاريخي لإسرائيل حقيقة لا تقبل الجدل، بل في الاستنتاج الذي يتدفق منهما: أن إيران التي تعادي هذين الطرفين تغدو تلقائياً حليفة للتحرر الوطني والعدالة. وهنا يبدأ التاريخ في تقديم شهادته المخالفة.
ملاحظة منهجية: عداء العدو لا يصنع صديقاً بالضرورة. هذه قاعدة يعرفها أي مبتدئ في دراسة العلاقات الدولية، وقد أثبتها التاريخ مرارًا: من التحالفات الانتهازية في الحرب العالمية إلى الحرب الباردة وما تلاها.
ثانيًا، ماذا فعل النظام الإيراني بالشيوعيين أنفسهم؟
قبل أي حديث عن المواقف الإقليمية، ثمة سؤال أولي لا يمكن تجاوزه: ماذا فعل النظام الإيراني بالتيارات اليسارية والشيوعية التي شاركت في صنع ثورة 1979؟ وماذا فعلت اذرعه بهم في لبنان، فالشيوعيين في لبنان اقترفوا ذنباً واحداً أنهم كانوا السباقون لمقاتلة المحتل الاسرائيلي، هذا الذنب الذي نالوا عليه القتل والاغتيال والتهجير وانهاءً لدورهم المقاوم.
الإجابة موثّقة توثيقاً دقيقاً في تقارير منظمة العفو الدولية ومحققي الأمم المتحدة وشهادات الناجين في ايران. في صيف عام 1988، أصدر الخميني حكماً بإعدام السجناء السياسيين من اليساريين والشيوعيين على نطاق واسع. كانت اللجان المشكَّلة في السجون تطرح على المعتقل سؤالًا واحدًا فاصلًا: هل أنت مسلم؟ من يُجيب بالنفي، ومن بينهم ماركسيون صادقون رفضوا التنكر لقناعاتهم، كان يُؤخذ مباشرة إلى الإعدام. يتراوح عدد الضحايا في التقديرات الموثّقة بين أربعة آلاف وثلاثين ألف شخص.
معظم الضحايا كانوا من أعضاء حزب توده الشيوعي الإيراني ومنظمة مجاهدي خلق اليسارية الإسلامية، وهم أنفسهم من حملوا السلاح في الثورة ودفعوا ثمناً باهظاً في مواجهة الشاه.
بيد انها حجة مألوفة: “هذا ماضٍ بعيد، والمهم الموقف الراهن من القضية الفلسطينية وليس الحسابات الداخلية الإيرانية.” الرد هو ان الممارسة الداخلية ليست مجرد تفصيل تاريخي، إنها مؤشر بنيوي على طبيعة النظام. النظام الذي يُعدم شيوعييه الوطنيين لا يتحول لاحقاً إلى حليف موثوق لليسار العربي والعالمي.
ثالثًا، هو تشي منه: درس في المصلحة الوطنية
يستشهد كثير من اليساريين العرب بالتجربة الفيتنامية كنموذج للمقاومة المسلحة الناجحة ضد الإمبريالية الأمريكية. وهذا الاستشهاد في محله، فيتنام هزمت فرنسا ثم هزمت الولايات المتحدة في واحدة من أهم ثورات التحرر الوطني في التاريخ الحديث. لكن ما يغفله كثيرون هو ما فعله هذا النموذج بعد الانتصار.
كان هو تشي منه يردّد مبدأً استراتيجياً ثابتًا في كل تقلبات السياسة:
“لا عدو دائم ولا صديق دائم، المصلحة الوطنية وحدها هي الدائمة.”
هو تشي منه لم يكن يقاتل أمريكا لأنها “إمبريالية” بالمعنى الأيديولوجي المجرد، بل لأنها تحتل أرضه وتقف في وجه استقلال بلاده. حين زالت هذه العلة، زال معها مبرر العداء.
والدليل على ذلك ليس نظرياً: الحزب الشيوعي الفيتنامي، الذي لا يزال يحكم البلاد حتى اليوم ولم يتخلَّ عن أيديولوجيته، هو نفسه من أبرم الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع واشنطن عام 2023، وهو نفسه من استقبل السفن الحربية الأمريكية في ميناء (دا نانغ) عام 2025، وهو نفسه من يتعاون مع البنتاغون في مواجهة التمدد الصيني في بحر الصين الجنوبي.
السؤال المطروح: هل الحزب الشيوعي الفيتنامي خائن لثورته حين يتحالف مع واشنطن؟ أم أنه يطبّق بدقة مبدأ المصلحة الوطنية الذي علّمه إياه هو تشي منه؟ الجواب المنطقي: إنه يفعل الأمر الثاني تماماً.
رابعاً، إيران وحلفاؤها: لا مبادئ، بل أوراق.
الفارق الجوهري بين النهج الفيتنامي والنهج الإيراني ليس في درجة العداء لأمريكا، بل في طبيعة العلاقة مع الحلفاء أنفسهم. فيتنام بنت تحالفاتها على مبدأ السيادة الوطنية المتبادلة، وحين اختلفت مع موسكو أو بكين رفضت الانصياع دون تردد. أما إيران فتتعامل مع حلفائها بوصفهم أدوات في خدمة مشروعها، لا شركاء لهم إرادة مستقلة.
السجل التاريخي يتحدث بوضوح:
حزب توده الشيوعي الإيراني: دعم الثورة بكل ثقله. بعد سنوات قليلة: جرى حلّه، واعتقال قياداته، وإعدام كوادره. الثورة التي ساعد في صنعها جعلته أول ضحاياها.
منظمة مجاهدي خلق: الجناح اليساري الإسلامي المسلح الذي حارب الشاه وشارك في الثورة. تحوّل في غضون سنوات إلى “منافقين” في الخطاب الرسمي، وتُركت قياداته للإعدام الجماعي.
اضافة إلى كل من أبدى رأياً مخالفاً من النُخب الإيرانية، دينية ام مدنية.
سوريا الأسد: أربعة عقود من الحلف الاستراتيجي. حين استُنزف النظام وأصبح عبئاً بعد سقوطه، تركته إيران في مهبّ الريح دون أن تكشف عن خطة إنقاذ حقيقية.
الفصائل العراقية واللبنانية واليمنية: تُموَّل وتُسلَّح، لكنها لا تُستشار في قرارات التفاوض الكبرى مع واشنطن وموسكو. تُبلَّغ بما تم الاتفاق عليه ،ولا تشارك في صنعه.
خامساً، أربعة عقود من الممانعة: ما الحصيلة؟
المعيار الأكثر صدقًا في تقييم أي مشروع سياسي هو حصيلته الفعلية على أرض الواقع، لا نواياه المُعلنة. فالتاريخ لا يُحكم على النيات بل على النتائج، والدليل ما حلّ بدول المحور الإيراني من دمار وخراب وتخلف، ومآسي بشرية.
سادساً، تحرير فلسطين أم توظيفها؟
القضية الفلسطينية حقيقية وعادلة، وهذا ليس موضع خلاف. لكن السؤال الذي يتجنّب كثيرون طرحه هو: هل النظام الإيراني يسعى إلى تحرير فلسطين أم إلى توظيف قضيتها؟
منذ عام 1979 وإيران ترفع شعار “تحرير القدس”. في هذه السنوات الخمس والأربعين: لم تتحرر القدس، بل توسّعت المستوطنات ودُمرت غزة وازداد التشرذم الفلسطيني. لكن ما تحقق هو امتداد النفوذ الإيراني من بغداد إلى بيروت إلى صنعاء. وهو امتداد يُقدَّم باسم فلسطين لكنه يخدم في جوهره الهيمنة الإقليمية الإيرانية.
الدرس الفيتنامي هنا تحديدًا: حين انتصر الفيتناميون بنوا دولة واحدة موحدة خدمت شعبهم. لم تتحول فيتنام إلى ورقة في يد أحد. أما الفصائل التي تُقاتل تحت الراية الإيرانية فلا تملك استراتيجية بناء دولة، بل استراتيجية بقاء مرتبطة بالراعي الإيراني. هذه الاستراتيجية التي دمرت دول المحور حجراً وبشراً.

نقد من موقع الصداقة

فشل حزب توده واليسار الإيراني في تحويل شعارات العدالة والحرية إلى مشروع وطني مقنع، لأنه بدا في كثير من الأحيان تابعًا للخارج أكثر من كونه معبرًا عن الواقع الإيراني، كما أخطأ في فهم قوة الدين والهوية الوطنية داخل المجتمع. لذلك بقيت شعاراته كبيرة، لكن أثره السياسي ظل محدودًا.

خاتمة: العودة إلى السؤال الجوهري

لا يدّعي هذا المقال أن على اليساري العربي أن يتبنّى الموقف الأمريكي أو يتجاهل القضية الفلسطينية . ما يطرحه التاريخ، وتجربة هو تشي منه تحديداً، هو سؤال مختلف: هل الموقف المبدئي هو الوقوف مع كل من يعادي أمريكا، أم الوقوف مع الشعوب ضد كل من يستخدمها؟
الفيتناميون ناضلوا من أجل شعبهم. حين انتصروا، بنوا دولة لذلك الشعب. وحين اقتضت مصلحة الشعب تطبيع العلاقات مع خصم الأمس، فعلوا ذلك دون أن يعتبروه خيانة للثورة، لأن الثورة عندهم كانت وسيلة لا غاية، وكانت غايتها الشعب لا الأيديولوجيا.
في المقابل، النظام الإيراني جعل من عداء أمريكا غايةً في حد ذاتها ومن اجل إضعاف الأمة العربية تمهيداً لبناء الامبراطورية الفارسية، ومن القضية الفلسطينية وقودًا لمشروع هيمنة يدفع ثمنه العراقيون واللبنانيون واليمنيون والسوريون قبل الفلسطينيين.
اليساري الذي يقف اليوم مع إيران باسم مناهضة الإمبريالية يستحق أن يُسأل: هل كان هو تشي منه ليقف معها لو كان حيًا؟ والجواب الذي يقترحه تاريخ فيتنام كله هو: لا، لأنه كان سيسأل أولًا: ما الذي تُقدّمه هذه التحالفات لشعوب المنطقة؟ ويستذكر شعاره الذي ما فتئ يردده أبّان ثورته وخلال نضاله الثوري:
“لا عدو دائم ولا صديق دائم، المصلحة الوطنية وحدها هي الدائمة.”
وبهذا السياق تسقط المقولة التي استخدمتها النُخب اليسارية وهي التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، بحيث صارت اكثر من شماعة لتبرير الوقوف في المكان الخطأ بل إلى استخدامها من اجل قمع الشعوب وتخوين اصحاب الرأي الآخر.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

11 أيلول 1973: حين دافع سلفادور أليندي عن الجمهورية وعن حق الاشتراكية في الوصول عبر صندوق الاقتراع

أخباركم - اخبارنا/ مسعود محمد في صباح 11 أيلول/سبتمبر 1973 لم يكن سلفادور أليندي...

عندما يختار حزب السلاح الإيراني نتنياهو؟

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح اليوم ١١ ايلول. ما زالت المنطقة تعيش تداعيات ذلك اليوم...

11 أيلول: اليوم الذي بلغت فيه القاعدة ذروتها وغيّرت العالم

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كنت يومها في السعودية، جالساً أمام شاشة التلفاز، عندما ظهرت...

سيكولوجية سوء التقدير: عندما يتحول اندفاع الجماعات المسلحة إلى انتحار استراتيجي

أخباركم - اخبارنا/ أكرم محمود شهدت المنطقة العربية على مدى العقود الماضية تحولات جيوسياسية متعاقبة،...

More like this

11 أيلول: اليوم الذي بلغت فيه القاعدة ذروتها وغيّرت العالم

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كنت يومها في السعودية، جالساً أمام شاشة التلفاز، عندما ظهرت...

سيكولوجية سوء التقدير: عندما يتحول اندفاع الجماعات المسلحة إلى انتحار استراتيجي

أخباركم - اخبارنا/ أكرم محمود شهدت المنطقة العربية على مدى العقود الماضية تحولات جيوسياسية متعاقبة،...

كيف قضى حزب الله على قادة ومقاومي الحزب الشيوعي اللبناني بأوامر من إيران وحافظ أسد!

أخباركم - أخبارنانقلا عن صفحة خالد كبارة للتواصل الاجتماعي (الفيسبوك) في السابع عشر من شباط...