أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
تعلّقت، كما كثير من اليساريين في جيلي، بـبابلو نيرودا شاعرًا وصوتًا إنسانيًا كبيرًا. لم يكن بالنسبة إلينا مجرد شاعر حب، بل كان أيضًا صورةً من صور الحلم الإنساني بالعدالة، ووجهًا من وجوه أميركا اللاتينية المتمردة، حتى إننا كنّا نرى في شعره شيئًا من سلفادور أليندي، الرئيس المنتخب في تشيلي، ونقرأ في كلماته ذلك التلاحم العميق بين القصيدة والقضية، بين العاطفة والحرية، بين الحب والكرامة. وكنا، حين نقرأ قصائد الحب عنده، لا نشعر أننا أمام شعر عن الآخرين، بل كأننا نقرأ خفقة قلوبنا نحن، ونسمع في سطوره دقات القلب نفسها وهي ترتبك أمام الحب، وتشتعل بالشوق، وتنكسر بالفقد.
وبابلو نيرودا، واسمه الحقيقي ريكاردو إيلييسير نفتالي رييس باسوالتو، هو شاعر تشيلي الكبير، وأحد أبرز شعراء القرن العشرين في العالم. جمع في تجربته بين الشعر والحياة العامة والموقف السياسي، ونال جائزة نوبل للآداب عام 1971، وبقي اسمه مرتبطًا، في ذاكرة القرّاء، بقصائد الحب الكبرى كما ارتبط بالالتزام الإنساني والسياسي. غير أن أكثر ما منح شعره خلوده هو قدرته الفريدة على أن يجعل الحب لغةً كونية، حميمة وعميقة في آن.
يصعب الحديث عن بابلو نيرودا من دون الوقوف طويلًا عند شعر الحب في تجربته. فالرجل لم يكتب الحب بوصفه عاطفة رومانسية عابرة فقط، بل كتبه بوصفه جسدًا وذاكرة وحنينًا وغيابًا واحتراقًا داخليًا. لهذا بقي شعره العاطفي حيًّا في وجدان القرّاء عبر اللغات والثقافات، لأن نيرودا لم يكن يصف الحب من خارجه، بل كان يكتبه من داخله: من الافتتان، ومن الخسارة، ومن الاشتعال، ومن الخوف أيضًا.
في شعر نيرودا، لا يبدو الحب حالة مستقرة. إنه قوة متحوّلة: مرةً يكون احتفالًا بالجسد والطبيعة، ومرةً يكون وجعًا، ومرةً يصبح امتحانًا للذاكرة والوفاء، ومرةً يتحوّل إلى لغة وجودية عميقة لا تعرف كيف بدأت ولا كيف تستمر. وهذه واحدة من أهم خصائصه الشعرية: أنه لا يقدّم الحب في صورة واحدة، بل يقدّمه في أطواره المتعددة والمتناقضة.
من أشهر ما كتبه نيرودا في الحب قصيدته المعروفة من ديوانه “عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة” (Veinte poemas de amor y una canción desesperada، 1924)، وفيها يقول:
Puedo escribir los versos más tristes esta noche.
Es tan corto el amor, y es tan largo el olvido.
ومعناهما بالعربية:
أستطيع أن أكتب الأبيات الأكثر حزنًا هذه الليلة.
الحب قصير إلى هذا الحد، والنسيان طويل إلى هذا الحد.
هنا لا يكتب نيرودا الحب بوصفه لقاءً، بل بوصفه أثرًا بعد الفقد. الحب عنده لا يُقاس فقط بلحظة حضوره، بل بطول الندبة التي يتركها بعد رحيله. وهذه العبارة من أكثر عباراته صدقًا وانتشارًا، لأنها تختصر مفارقة إنسانية كبرى: قد يكون الحب قصيرًا في الزمن، لكنه طويل في الذاكرة.
ومن السمات اللافتة في شعر نيرودا أن الحب عنده يلتصق دائمًا بالطبيعة: بالشجر، والليل، والريح، والبحر، والربيع. في إحدى قصائده الشهيرة يقول:
Quiero hacer contigo lo que la primavera hace con los cerezos.
ومعناها:
أريد أن أفعل بكِ ما يفعله الربيع بأشجار الكرز.
هذه الصورة من أروع صور الحب في الشعر العالمي، لأنها لا تقوم على المبالغة الخطابية، بل على التحوّل. فالربيع لا “يحب” الشجرة بالكلام، بل يوقظها، يزهرها، يخرج ما فيها من جمال كامن. وهكذا يصبح الحب عند نيرودا فعل إحياء، لا مجرد إعلان عاطفي.
وفي “السونيتة 17” من ديوان “مئة سونيتة حب” (Cien sonetos de amor، 1959)، يبلغ نيرودا واحدة من أكثر لحظاته العاطفية نضجًا وعمقًا. يقول:
Te amo sin saber cómo, ni cuándo, ni de dónde,
te amo directamente sin problemas ni orgullo:
así te amo porque no sé amar de otra manera.
ومعناها:
أحبكِ من دون أن أعرف كيف، ولا متى، ولا من أين،
أحبكِ مباشرةً، بلا مشكلات ولا كبرياء،
هكذا أحبكِ لأنني لا أعرف أن أحب بطريقة أخرى.
هذه الأسطر تكشف جوهر نيرودا في الحب: الحب الحقيقي ليس معادلة ذهنية، ولا ترتيبًا منطقيًا، ولا حتى قرارًا واعيًا تمامًا، بل هو حالة وجود. إنه يحدث في الإنسان قبل أن يفسّره. لذلك يبدو هذا الحب عميقًا ومتجردًا من الزينة البلاغية الثقيلة، رغم جماله الشديد.
وفي القصيدة نفسها يقول:
de tal modo que no sé si soy, si eres
tan cerca que tu mano sobre mi pecho es mía.
ومعناها:
إلى حد أنني لا أدري أأنا أنا أم أنتِ أنتِ،
إلى هذا القرب، تصبح يدكِ فوق صدري كأنها يدي.
هنا يصل الحب إلى معنى الاتحاد الوجداني، لا التملك. إنه قربٌ يمحو المسافة بين الـ”أنا” والـ”أنت”، ويجعل العاطفة اندماجًا روحيًا لا مجرّد افتتان عابر.
لكن نيرودا ليس شاعر ذوبان عاطفي فقط. ففي قصيدته الشهيرة “إذا نسيتِني” (Si tú me olvidas)، من “قصائد القبطان” (Los versos del capitán، 1952)، يظهر وجه آخر للحب: الحب الذي يطلب التبادل والصدق. يقول:
Quiero que sepas
una cosa.
ثم يقول لاحقًا:
si poco a poco dejas de quererme
dejaré de quererte poco a poco.
ومعناها:
أريدكِ أن تعرفي شيئًا واحدًا.
إذا أخذتِ تكفّين عن حبي قليلًا قليلًا،
فسأكفّ أنا أيضًا عن حبكِ قليلًا قليلًا.
هذه ليست قسوة، بل كرامة عاطفية. فالحب عند نيرودا ليس خضوعًا أعمى، بل علاقة حيّة تتطلب الوفاء. وإذا كان معروفًا بشدة اندفاعه العاطفي، فإنه يعرف أيضًا أن الحب لا يعيش من طرف واحد إلى الأبد.
ما يجعل شعر نيرودا العاطفي باقيًا ليس فقط جمال الصور، بل صدقه الإنساني. فهو يكتب الرغبة من دون ابتذال، ويكتب الحزن من دون ضعف، ويكتب الحنين من دون تكلف، ويكتب الالتصاق بالآخر من دون أن يفقد صوته الخاص. كما أن نيرودا يملك قدرة نادرة على صنع صورة شعرية بسيطة لكنها لا تُنسى: الحب القصير والنسيان الطويل، الربيع وأشجار الكرز، الحب الذي لا يعرف كيف بدأ، المحبوبة التي تصبح يدها كأنها يد العاشق نفسه. وهذه صور لا تحتاج إلى شروح مطولة، لأنها تدخل مباشرة إلى القلب.
ولعل سرّ نيرودا الأكبر أنه جعل الحب عنده خبرة إنسانية كاملة، لا زينة لغوية. في قصائده، الحب ليس مناسبة للبلاغة فقط، بل تجربة يعيشها الجسد والروح والذاكرة معًا. لذلك يشعر القارئ، حتى بعد مرور عقود، أن هذه القصائد لا تزال تخصّه، وأنها كُتبت عن قلبه هو، لا عن قلب شاعر بعيد في تشيلي.
ليس بابلو نيرودا شاعر حب بالمعنى السهل للكلمة، بل شاعر كشف أن الحب قد يكون فرحًا وجرحًا وذاكرةً وامتحانًا للروح. وهو في أجمل نصوصه لا يقدّم الحب بوصفه كلامًا جميلًا فقط، بل بوصفه تجربة إنسانية كاملة: فيها الجسد، وفيها الحنين، وفيها الخوف من الفقد، وفيها الرغبة في البقاء.
ولهذا السبب بقي نيرودا واحدًا من أكثر شعراء الحب حضورًا في العالم: لأنه كتب الحب كما يعيشه البشر فعلًا، لا كما يتخيّلونه فقط. لقد جعل من القصيدة العاطفية مكانًا نرى فيه أنفسنا، ونسمع فيه خفقة قلوبنا، ونلمس فيه هشاشتنا الإنسانية وجمالها في آن. وهذا، في النهاية، هو سر الشعر الكبير: أن يظل حيًّا لأنه يقولنا، كلما عدنا إليه، من جديد.



