أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية، بل هو أحد أعظم العقول التي صاغت الفكر الإنساني والديني في العالم المتوسطي. وُلد في طاغاست، في الشرق الجزائري، سنة 354، وعاش رحلة فكرية وروحية معقدة قادته من القلق إلى الإيمان، ومن البحث الفلسفي إلى التأمل العميق في النفس والزمان والحقيقة والنعمة. لم يكن أوغسطينوس مجرد أسقف أو لاهوتي، بل كان أيضًا كاتبًا استثنائيًا في قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال كوني، ولذلك ظلّ حضوره ممتدًا عبر القرون، لا في الكنيسة وحدها، بل في الفلسفة والأدب والتاريخ الثقافي كله. ومن بين أفكاره الكبرى بقيت فكرتان على نحو خاص تفسّران سرّ استمراره: أن قلب الإنسان يظل قلقًا حتى يجد راحته في المطلق، وأن الحقيقة لا تُنال من ظاهر العالم فقط، بل تُكتشف أيضًا في أعماق النفس. ومن هذه المكانة تحديدًا تكتسب الجزائر قيمة خاصة في الذاكرة الأوغسطينية، لأنها ليست فقط أرضًا مرّ بها اسمه، بل الأرض التي وُلد فيها، وتشكل فيها وعيه الأول، ومنها انطلقت واحدة من أكثر السير الفكرية والروحية تأثيرًا في التاريخ.
لم تكن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر في 13 و14 و15 أبريل 2026 مجرّد محطة دبلوماسية أو مناسبة بروتوكولية عابرة، بل بدت، في معناها الأعمق، عودةً رمزية إلى إحدى أكثر الأراضي التصاقًا بالذاكرة المسيحية القديمة: أرض القديس أوغسطينوس، ابن طاغاست، وأسقف هيبّون، وأحد أعظم العقول التي أنجبتها أفريقيا الرومانية القديمة. وقد أكّد البرنامج الرسمي للزيارة هذا المعنى بوضوح، إذ جمع بين لقاءات الدولة ومؤسساتها، وبين محطات روحية وثقافية كان مركزها عنابة، أي هيبّون القديمة، حيث عاش أوغسطينوس سنواته الأسقفية الأخيرة وترك أثره الروحي والفكري العميق.
لهذا السبب تحديدًا، قرأت الصحافة الفاتيكانية الزيارة بوصفها “حجًا على درب القديس أوغسطينوس” أكثر من كونها مجرد رحلة رسولية. فالبابا ليون الرابع عشر، وهو أول بابا من الرهبنة الأوغسطينية، حمل إلى الجزائر رمزية شخصية مضاعفة: فهو يزور بلدًا يرتبط مباشرة بجذور تقليده الروحي، ويقف في المدن التي لا تزال تحتفظ بذاكرة أوغسطينوس، لا بوصفه قديسًا كنسيًا فحسب، بل بوصفه أيضًا ابنًا من أبناء شمال أفريقيا. وقد جعلت وسائل الإعلام الفاتيكانية من هذه العودة إلى هيبّون محور السرد كله، مقدّمة الزيارة باعتبارها رسالة سلام وحوار ووفاء لذاكرة أوغسطينية لا تزال حية في المكان.
أما الصحافة الجزائرية، فقد رأت في الزيارة حدثًا تاريخيًا يتجاوز البعد الكنسي الضيق، لأنه أعاد تسليط الضوء على جانب مهم من الذاكرة الحضارية الجزائرية، وهو أن القديس أوغسطينوس، على عظم مكانته العالمية، ينتمي في الأصل إلى هذه الأرض. ولذلك ركزت التغطيات الجزائرية على أن زيارة البابا إلى عنابة ليست مجرد زيارة لمعلم ديني، بل عودة إلى هيبّون، المدينة التي ارتبطت باسم أوغسطينوس وبصراعه الفكري والروحي، وإلى الجزائر التي تحتفظ بجزء أساسي من جغرافيته الإنسانية الأولى. كما أبرزت هذه التغطيات أن الزيارة، بما تضمنته من مرور بجامع الجزائر وكاتدرائية السيدة الإفريقية ثم عنابة، حملت صورة جزائرية عن التعدد والتعايش والحوار بين الأديان والثقافات.
وفي هذا السياق، بدت عنابة قلب الرحلة النابض. فهناك، في الموقع الأثري لهيبّون القديمة، لم يكن البابا يسير فوق حجارة صامتة، بل فوق طبقات من التاريخ ما زالت تنطق باسم أسقف عاش آخر أيام الإمبراطورية الرومانية وهو يتأمل سقوط العالم القديم وصعود عالم آخر. وفي هذا الموضع بالتحديد، استعاد الإعلام الفاتيكاني مشهد أوغسطينوس لا بوصفه ذكرى متحفية، بل بوصفه معاصرًا لنا في أسئلته الكبرى: كيف نبني السلام؟ كيف نصنع الحوار؟ كيف نصون الإنسان وسط التمزقات؟ ولذلك لم يكن غرس شجرة الزيتون في هيبّون القديمة فعلًا رمزيًا عابرًا، بل بدت الشجرة نفسها وكأنها استكمال حيّ للمعنى الذي أرادت الزيارة تكريسه: أن الذاكرة لا تكون وفاءً للماضي إلا إذا تحولت إلى رجاء للمستقبل.
ومن هيبّون انتقل معنى الزيارة إلى بازيليك القديس أوغسطينوس في عنابة، ذلك المعلم الذي وإن لم يكن من بناء القرن الخامس، فإنه صار في الوعي الكنسي والثقافي الحديث أبرز موضع يحمل اسم القديس في الجزائر. هناك احتفل البابا بالقداس، وهناك استعاد الإعلام الفاتيكاني بقوة صورة “البابا الأوغسطيني” العائد إلى أرض أوغسطينوس. وفي عظاته وكلماته برزت الفكرة المحورية نفسها: الإيمان لا يُعاش في الانغلاق، بل في الشهادة اليومية، وفي الصداقة الصادقة، وفي العيش مع الآخرين لا ضدهم. ومن هنا بالذات التقت القراءتان، الفاتيكانية والجزائرية، عند نقطة واحدة: أن أوغسطينوس ليس اسمًا من الماضي فقط، بل جسرًا يمكن أن يُبنى عليه حوار حي في الحاضر.
وإذا كانت عنابة تمثل ذروة الحضور الأوغسطيني في الزيارة، فإن الأثر الأوغسطيني في الجزائر أوسع من مدينة واحدة. فالبداية تعود إلى طاغاست، المعروفة اليوم بسوق أهراس، حيث وُلد أوغسطينوس سنة 354، وفيها تلقى جذوره الأولى داخل بيئة نوميدية-رومانية ستصوغ لاحقًا حساسيته الفكرية والروحية. ثم تأتي مادور، أي مداوروش الحالية، حيث تابع جزءًا من دراسته وتكوينه، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى قرطاج. غير أن هيبّون تبقى الموقع الأعمق أثرًا في مسيرته، لأنها لم تكن فقط مدينة إقامة، بل مدينة الرسالة والأسقفية والتعليم والمواجهة الفكرية، وفيها أيضًا توفي سنة 430 أثناء حصار الوندال للمدينة. هذه الخريطة الثلاثية — طاغاست، مادور، هيبّون — هي في الحقيقة العمود الفقري لما يمكن تسميته اليوم “المسار الأوغسطيني الجزائري”.
وعندما يُسأل: ما هي آثار القديس أوغسطينوس في الجزائر؟ فالجواب لا يقتصر على الحجر وحده. نعم، هناك الموقع الأثري لهيبّون، وهناك بازيليك القديس أوغسطينوس في عنابة، وهناك الذاكرة التاريخية لطاغاست ومادور، لكن أثر أوغسطينوس في الجزائر هو أيضًا أثر فكري ورمزي. إنه حضور اسم جزائري-أفريقي في قلب التراث الفكري المسيحي العالمي. وهو أيضًا دليل على أن الجزائر لم تكن هامشًا في تاريخ البحر المتوسط، بل أحد المراكز التي خرجت منها أفكار كبرى حول الإنسان والزمان والمدينة والنعمة والبحث عن الحقيقة. بهذا المعنى، فإن الزيارة البابوية لم “تخلق” الذاكرة الأوغسطينية في الجزائر، بل أعادت إضاءتها أمام العالم.
ومن اللافت أن البابا نفسه، في خطابه أمام السلطات والمجتمع المدني، لم يحصر زيارته في بعدها الكنسي، بل ربطها بالحوار والعدالة وكرامة الإنسان وشفاء الذاكرة. وهذا ما جعل الزيارة، في التغطية الفاتيكانية والجزائرية معًا، تتجاوز مفهوم “الحج” التقليدي إلى معنى أوسع: استحضار شخصية أوغسطينوس لكي تخدم أسئلة الحاضر لا لكي تبقى سجينة الماضي. فالسلام الذي دعا إليه البابا في الجزائر لم يكن شعارًا عامًا، بل امتدادًا حيًا لفكرة أوغسطينية عميقة: أن الإنسان لا يبلغ الطمأنينة إلا إذا خرج من العداوة إلى المصالحة، ومن الانغلاق إلى الحقيقة، ومن الكبرياء إلى الاعتراف المتبادل.
هكذا، بدت زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر كأنها كتابة جديدة لسيرة قديمة بحبر الحاضر. ففي الجزائر لم يزر فقط دولة متوسطية ذات وزن دبلوماسي وروحي، بل زار أيضًا أرضًا تحتفظ في ترابها وذاكرتها باسم أوغسطينوس. ومن هنا كانت قيمة الزيارة أكبر من برنامجها الرسمي: لقد أعادت إلى الواجهة حقيقة طالما عرفها المؤرخون وقلّما حضرت في الوعي العام، وهي أن أحد أعظم آباء الفكر المسيحي خرج من هذه الأرض، من مدنها، من لغاتها وتحوّلاتها وأسئلتها. وبين طاغاست وهيبّون، وبين البازيليك والآثار، وبين الصحافة الجزائرية والصحافة الفاتيكانية، تشكّلت صورة واحدة متماسكة: الجزائر ليست فقط محطة في جولة بابوية، بل فصل أصيل في السيرة الأوغسطينية نفسها.
إنها، في النهاية، زيارة يمكن قراءتها بعبارة أوغسطينية واحدة في معناها لا في لفظها: رحلة بحث عن الجذور لكي يُبنى المستقبل. ولذلك لم يكن الطريق إلى عنابة طريقًا نحو الماضي، بل طريقًا نحو معنى جديد للذاكرة، حين تصبح الآثار أكثر من أحجار، ويصبح التاريخ أكثر من أرشيف، وتغدو الأرض نفسها شاهدًا حيًا على أن الجزائر ما زالت تحتفظ، في صمت حجارتها ووضوح رموزها، ببعضٍ من خطى أوغسطينوس.



