الجمعة, مايو 15, 2026
20.8 C
Beirut

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر” على من، بل لماذا امتلكت الصين شروط الاستمرار التاريخي حين فقدها الاتحاد السوفياتي. فالمسألة ليست سباقًا بين دولتين رفعتا راية الاشتراكية، بل اختبارًا لقدرة كل تجربة على تطوير قواها المنتجة، وعلى إعادة تنظيم العلاقة بين الحزب والدولة والسوق والمجتمع، من دون أن يتحول جهاز الحكم من أداة تاريخية إلى قيد تاريخي. ومن هنا يجب أن يبدأ النقاش: من ماركس، ثم من لينين، ثم من غرامشي، لا من الأحكام المدرسية الجاهزة.

في “Preface to A Contribution to the Critique of Political Economy” الصادر سنة 1859 كتب ماركس: “No social order ever perishes before all the productive forces for which there is room in it have developed.” هذه العبارة هي المفتاح النظري للمقارنة كلها. فبقاء أي نظام اجتماعي لا يُقاس بصلابة شعاراته ولا بعنف جهازه ولا بقداسة رموزه، بل بقدرته على أن يبقى إطارًا فعّالًا لتطور القوى المنتجة. فإذا تحولت مؤسساته وعلاقات إنتاجه إلى عائق أمام هذا التطور، بدأ التآكل من الداخل ولو ظل الخطاب الرسمي يتحدث باسم المستقبل. من هذه الزاوية يمكن القول إن الاتحاد السوفياتي لم يسقط لأنه تخلّى عن الاشتراكية، بل لأنه، في مرحلته الأخيرة، جمدها في شكل إداري لم يعد قادرًا على استيعاب الحركة التي صنعها بنفسه.

لقد أنجز الاتحاد السوفياتي، بلا شك، قفزة تاريخية هائلة. حقق التصنيع، وبنى الصناعة الثقيلة، وهزم النازية، وخرج من الهامش القيصري إلى موقع القوة العظمى. لكن هذا الصعود حمل حدوده الداخلية. فما كان أداة تعبئة وبناء في لحظة الثورة والحرب وإعادة الإعمار، تحول مع الزمن إلى جهاز بيروقراطي متصلب. لم يعد التخطيط المركزي، في صيغته المتأخرة، أداة دينامية تقود الاقتصاد، بل صار شكلًا مغلقًا يطلب من الاقتصاد أن يخضع لجموده. وهنا برزت المسألة التي لم يستطع النظام السوفياتي المتأخر حلها: كيف يُدخل المرونة إلى بنائه من دون أن يهدد شرعيته القائمة على الصلابة نفسها؟

لفهم هذه المعضلة لا بد من العودة إلى لينين نفسه، وخصوصًا إلى NEP، أي New Economic Policy، أو السياسة الاقتصادية الجديدة. ففي 21 April 1921 كتب لينين نصه الأساسي “The Tax in Kind (The Significance of the New Policy and Its Conditions)”. وفي هذا النص شرح أن الانتقال إلى السياسة الاقتصادية الجديدة جاء بعد انهيار اقتصادي عميق أنهك المدينة والريف معًا، وبعد أن أصبحت سياسة War Communism، أي شيوعية الحرب، عاجزة عن مواصلة إعادة إنتاج الاقتصاد والتحالف الاجتماعي في آن واحد. هنا يجب التشديد على أن NEP لم تكن عند لينين تعديلًا إداريًا صغيرًا، بل انعطافًا تاريخيًا مقصودًا.

ما معنى NEP بدقة؟ معناها أولًا إلغاء نظام requisitioning، أي المصادرة القسرية للحبوب، واستبداله بـ tax in kind، أي الضريبة العينية. الفلاح لم يعد يُجرد من المحصول عبر المصادرة المباشرة، بل يدفع للدولة حصة محددة، ثم يستطيع أن يتصرف في الفائض. ومع هذا التحول فُتح باب trade وexchange على نحو محدود ومحسوب، أي عاد التبادل والسوق والتجارة الخاصة الصغيرة إلى الظهور. ولهذا كتب لينين في “The Tax in Kind” العبارة الحاسمة: “Exchange is freedom of trade; it is capitalism.” أي: «التبادل هو حرية التجارة؛ إنه رأسمالية.» هذه ليست عبارة هامشية، بل اعتراف صريح بأن إدخال التبادل التجاري ليس تفصيلًا محايدًا، بل عودة إلى عنصر رأسمالي داخل المرحلة الانتقالية.

ثم عاد لينين في 17 October 1921 في نصه “The New Economic Policy and the Tasks of the Political Education Departments” فشرح ذلك بأوضح صيغة ممكنة. كتب: “The New Economic Policy means substituting a tax for the requisitioning of food; it means reverting to capitalism to a considerable extent.” أي: «إن السياسة الاقتصادية الجديدة تعني إحلال الضريبة محل مصادرة الغذاء؛ وهي تعني الرجوع إلى الرأسمالية إلى حد كبير.» لا يجوز تخفيف هذه العبارة ولا تأويلها على نحو مريح. لينين قال فعلًا إن NEP تعني رجوعًا إلى الرأسمالية “to a considerable extent”. لكنه لم يقل ذلك باعتباره إعلان هزيمة، بل باعتباره تراجعًا تكتيكيًا داخل سلطة ما تزال، في نظره، سلطة البروليتاريا.

وهذا هو قلب المسألة. فـNEP عند لينين لم تكن تخليًا عن الاشتراكية، بل كانت اعترافًا بأن الانتقال إليها لا يسير بخط مستقيم، وأن السلطة الثورية قد تضطر إلى استخدام السوق والتجارة وبعض العلاقات الرأسمالية من أجل إنقاذ الاقتصاد وإعادة بناء التحالف مع الفلاحين ومنع الانهيار الشامل. ولهذا طرح لينين، في النص نفسه، سؤاله الحاسم بصيغته الإنكليزية المعروفة: “The whole question is—who will outstrip whom?” أي: «المسألة كلها هي: من سيتجاوز من؟» والمعنى السياسي هنا واضح: هل ستستخدم الدولة السوفياتية السوق من أجل إعادة البناء تحت سيطرتها، أم سيستخدم السوق هذه الفتحة لكي يعيد الرأسمال إلى موقع القيادة؟

بهذا المعنى، فإن شرح NEP ضروري لفهم المقارنة بين الصين والاتحاد السوفياتي. لأن الاتحاد السوفياتي المتأخر لم يعد يملك المرونة اللينينية التي سمحت بالاعتراف بالحاجة إلى التراجع الجزئي من أجل إنقاذ البناء كله. لقد دُفنت روح NEP تحت ثقل الجهاز البيروقراطي. وما كان عند لينين سياسة انتقالية محكومة بسؤال السيطرة، تحول لاحقًا إلى تابو شبه عقائدي، بحيث صار كل تعديل جدي في العلاقة بين الدولة والسوق يبدو كأنه تهديد لأساس الشرعية نفسها. ولذلك عندما دخل الاتحاد السوفياتي مرحلة الإصلاح المتأخر، كان قد فقد القدرة على إدخال المرونة من دون أن يتفكك.

أما الصين، فقد سلكت طريقًا مغايرًا. لم تتعامل مع منطق NEP بوصفه لحظة روسية طارئة فقط، بل بوصفه مبدأ أوسع: يمكن استخدام السوق، والملكية المتعددة، والتبادل، والاستثمار، والانفتاح، ما دامت القيادة السياسية باقية في يد الحزب، وما دام القطاع العام يحتفظ بالمواقع الحاسمة. وهذا ليس استنتاجًا صحافيًا، بل ما تقوله الوثائق الصينية الرسمية نفسها. فـConstitution of the People’s Republic of China تنص في Article 6 على أن: “The basis of the socialist economic system of the People’s Republic of China is socialist public ownership of the means of production.” لكنها تضيف في المادة نفسها أن الصين توجد في “the primary stage of socialism”، وأنها تطور نظامًا تكون فيه public ownership is dominant and diverse forms of ownership develop side by side. ثم تنص Article 7 على أن “The state-owned economy… is the leading force in the national economy.” وتقر Article 11 بأن the non-public sectors of the economy… are important components of the socialist market economy. أما Article 15 فتقول مباشرة: “The State practices socialist market economy.”

هذه الصياغات ليست تفصيلًا قانونيًا. إنها التعريف الذي تعطيه الصين لنفسها. فهي لا تقول إن السوق شر اضطراري محض، بل تقول إن “socialist market economy” جزء من بنية النظام نفسه. وهذا المنطق ثبّته الحزب الشيوعي الصيني بوضوح أكبر في 20th National Congress of the Communist Party of China الذي اختتم في 23 October 2022. ففي الصيغة الرسمية المعدلة لـConstitution of the Communist Party of China ورد النص التالي: “Basic socialist economic systems, including the system under which public ownership is the mainstay and diverse forms of ownership develop together, the system under which distribution according to work is the mainstay while multiple forms of distribution exist alongside it, and the socialist market economy, are important pillars of socialism with Chinese characteristics.” هذه الجملة مهمة للغاية، لأنها تعلن بلا لبس أن الملكية العامة كأساس، وتطور أشكال ملكية متعددة، والتوزيع بحسب العمل مع أشكال متعددة للتوزيع، واقتصاد السوق الاشتراكي كلها تُعد، في نظر الحزب، “important pillars of socialism with Chinese characteristics.”

ثم جاءت The Third Plenary Session of the 20th Central Committee of the Communist Party of China، التي انعقدت بين 15 and 18 July 2024، لتؤكد هذا الاتجاه بصورة أشد صراحة. ففي Communiqué of the Third Plenary Session, المعتمد في 18 July 2024، ورد أن بناء “a high-standard socialist market economy” هو “an important guarantee for Chinese modernization.” كما شدد البيان على ضرورة “giving full play to the decisive role of the market in resource allocation and better leveraging the role of the government.” وفي الوقت نفسه أكد: “We will unswervingly consolidate and develop the public sector and unswervingly encourage, support, and guide the development of the non-public sector.” هذه الصياغة تكشف بوضوح فلسفة الاستمرار الصينية: السوق ليس بديلًا عن الدولة، والدولة لا تُلغى باسم السوق، بل السوق يُستخدم داخل استراتيجية تقودها الدولة والحزب.

هنا يظهر الفارق التاريخي بين الصين والاتحاد السوفياتي. فالسوفيات، في مرحلتهم الأخيرة، لم يعرفوا كيف يحولون التراجع التكتيكي إلى مرونة استراتيجية. أما الصين ففعلت ذلك منذ نهاية السبعينيات: أدخلت السوق، والملكية المتعددة، والمبادرة المحلية، والانفتاح العالمي، لكنها لم تسمح لهذه العناصر بأن تتحول رسميًا إلى مرجعية سياسية أعلى من الحزب. أي إنها أخذت من NEP ليس طابعها المؤقت فقط، بل مبدئها الأعمق: يمكن استخدام أدوات رأسمالية جزئية ومحددة داخل سلطة تدّعي أنها ما تزال اشتراكية، شرط أن يبقى سؤال القيادة محسومًا سياسيًا.

من منظور ماركس، يمكن فهم ذلك بوصفه محاولة لتكييف علاقات الإنتاج مع تطور القوى المنتجة بدل تجميدها في شكل واحد. ومن منظور لينين، يبدو النموذج الصيني وكأنه توسيع تاريخي طويل الأمد لمنطق NEP: لا رفض ميتافيزيقي للسوق، ولا تسليم سياسي للرأسمال. أما من منظور غرامشي، فالمسألة لا تتعلق بالاقتصاد وحده، بل بالهيمنة أيضًا. فالدولة لا تستمر بالقسر وحده، بل بقدرتها على بناء hegemony، أي شكل من القيادة الفكرية والاجتماعية والأخلاقية يجعل المجتمع يرى في استمرارها أفقًا ممكنًا. وهنا تميزت الصين عن الاتحاد السوفياتي المتأخر. فالأخير كان قد فقد، في سنواته الأخيرة، قدرة الإقناع التاريخي، واكتفى بشرعية الذاكرة والانضباط. أما الصين فربطت شرعية الحزب بالنمو، والصعود القومي، وتحسين الموقع الدولي، والارتقاء الاجتماعي، أي إنها بنت، إلى جانب السيطرة السياسية، صورة عن نفسها بوصفها أداة تحديث وطني فعّالة.

مع ذلك، لا ينبغي لهذا التحليل أن يتحول إلى احتفاء غير نقدي. فاستمرار الصين لا يحسم تلقائيًا أنها حلت التناقض الاشتراكي. فما تزال هناك أسئلة اللامساواة، وتراكم رأس المال الخاص، واتساع منطق الربح، والتفاوت بين المناطق، وطبيعة العلاقة بين القطاع العام والخاص، وسقف السيطرة الحزبية الفعلي على ديناميات السوق. لكن هذا كله لا يغير الحقيقة الأساسية في المقارنة: الصين استمرت لأنّها امتلكت قدرة على التكيّف لم يعد الاتحاد السوفياتي يملكها. لقد حافظت على الحزب والدولة والقطاع العام الاستراتيجي، لكنها تخلت عن جمود الشكل السوفياتي. أما الاتحاد السوفياتي فحافظ على الشكل وفقد القدرة على التكيف، ثم فقد الشكل نفسه.

لهذا فإن القول الأدق، من منظور ماركسي، ليس إن الصين “هزمت” الاتحاد السوفياتي، بل إنها وجدت صيغة للاستمرار حين فقد السوفيات شروط البقاء. وإذا أردنا قول ذلك بلغة ماركس، فهي قدرة أكبر على إبقاء النظام منسجمًا مع تطور القوى المنتجة. وإذا أردنا قوله بلغة لينين، فهو استخدام السوق من دون التسليم السياسي للرأسمال. وإذا أردنا قوله بلغة غرامشي، فهو نجاح نسبي في الجمع بين السيطرة والهيمنة، بين الدولة والتنمية، بين القيادة السياسية والقدرة على إنتاج شرعية تاريخية متجددة. وهنا يكمن الفارق الحاسم كله: السوفيات حوّلوا الاشتراكية إلى جهاز جامد، أما الصين فحوّلت المرونة إلى مبدأ بقاء.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

عباس إبراهيم: الهجمات ليست من فراغ… بين ملفات النفوذ وحلم المقعد النيابي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ليست الهجمات الأخيرة على اللواء عباس إبراهيم من فراغ،...

حزب الله: لبناني بالولادة، إيراني بالقرار، وخطره لا يُعالَج بتسليم لبنان لطهران!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هذا المقال هو نقاش مع الصديق أسامة وهبي حول...

حزب الله حزب لبناني وكتير لبناني، وهذا ما يصعّب حلّ معضلة السلاح!

أخباركم - أخبارنا / أسامة وهبي هناك لازمة يرددها بعض خصوم حزب الله، خاصةً...

هرمز والساعة الأخيرة: الجولة الثالثة قادمة

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم في المشهد الراهن، ثمة من يرى أن ما يجري...

More like this

حزب الله: لبناني بالولادة، إيراني بالقرار، وخطره لا يُعالَج بتسليم لبنان لطهران!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هذا المقال هو نقاش مع الصديق أسامة وهبي حول...

حزب الله حزب لبناني وكتير لبناني، وهذا ما يصعّب حلّ معضلة السلاح!

أخباركم - أخبارنا / أسامة وهبي هناك لازمة يرددها بعض خصوم حزب الله، خاصةً...

هرمز والساعة الأخيرة: الجولة الثالثة قادمة

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم في المشهد الراهن، ثمة من يرى أن ما يجري...