الجمعة, مايو 15, 2026
20.8 C
Beirut

الصورة المبتورة والسياق المبتور: في معنى المساءلة بين 7 أكتوبر و1948

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

هناك من يريد منا أن نحاسب حماس، وهناك أحقية في محاسبتها ومساءلتها عن أفعالها وقراراتها ونتائجها. لكن هذه المساءلة لا تعني أبداً أن إسرائيل بريئة، ولا تعني أن ننسى كل ما قامت به عبر عقود من احتلال وقمع وحصار وتهجير وقتل وتدمير. فمحاسبة طرف لا يجب أن تتحول إلى تبرئة طرف آخر، كما أن فهم السياق التاريخي لا يجب أن يتحول إلى عذر يُسقط المسؤولية عن أي فعل محدد.

كتب عمار عبود عبر صفحته للتواصل الاجتماعي نصاً لافتاً يربط بين التلاعب بالصورة والتلاعب بالسياق. جوهر ما كتبه أن السياسة، حين تريد الهروب من المساءلة، لا تحتاج دائماً إلى اختراع كامل؛ أحياناً يكفيها أن تقصّ جزءاً من الصورة، أو أن تبدأ الحكاية من نقطة تناسبها، أو أن تمدّ الحكاية إلى ماضٍ بعيد بحيث يضيع الفعل المباشر داخل ضباب التاريخ.

انطلق عبود من مثال روي كوهن، المحامي الأمريكي الذي ارتبط اسمه بالسيناتور جوزيف مكارثي وبحملات مطاردة الشيوعيين في خمسينيات القرن العشرين. كان كوهن جزءاً من مرحلة سياسية أمريكية اتسمت بالخوف والهوس الأمني واتهام الخصوم بالشيوعية. وفي القصة التي أشار إليها عبود، استُخدمت صورة مبتورة لتقديم اتهام سياسي، لكن الصورة الكاملة أظهرت أن المعنى الذي أُريد فرضه على الجمهور لم يكن هو الحقيقة الكاملة. التلاعب لم يكن فقط في الصورة، بل في زاوية النظر.

هنا تكمن قوة ملاحظة عمار عبود: الصورة الناقصة لا تكذب بالضرورة لأنها مزوّرة بالكامل، بل لأنها صحيحة جزئياً ومضلِّلة كلياً. الجزء المعروض من الحقيقة قد يكون حقيقياً، لكنه حين يُنتزع من محيطه يصبح أداة اتهام لا أداة فهم. وهذه هي خطورة السرد السياسي عندما يتحول إلى مونتاج: يختار اللقطة، يحذف ما قبلها وما بعدها، ثم يطلب من الجمهور أن يحكم.

في نصه، ينتقل عبود من التاريخ الأمريكي إلى الواقع السياسي في منطقتنا. يقول إن الإسرائيليين يفعلون شيئاً مشابهاً عندما يبدأون السرد من 7 أكتوبر، كأن التاريخ بدأ في ذلك اليوم وحده، وكأن الاحتلال والحصار والاستيطان والتهجير والعنف المتراكم ليست جزءاً من الصورة. وفي المقابل، يشير إلى أن محور الممانعة يفعل العكس أحياناً: يغرق أي مساءلة راهنة في سرد طويل يعود إلى 1948، بحيث تتحول الأخطاء والجرائم الحالية إلى “تفاصيل صغيرة” داخل حكاية كبرى.

هذا التوازن في الطرح مهم جداً. فهو لا يساوي بالضرورة بين كل الأطراف أخلاقياً أو سياسياً، لكنه يضع قاعدة أعمق: السياق ضروري للفهم، لكنه ليس عذراً لإلغاء المساءلة. لا يمكن فهم 7 أكتوبر من دون ما قبله، لكن لا يجوز أيضاً استعمال ما قبله لإسقاط السؤال الأخلاقي والسياسي عن أفعال ذلك اليوم. ولا يمكن فهم أفعال قوى “الممانعة” خارج تاريخ الصراع مع إسرائيل والغرب والأنظمة المحلية، لكن هذا التاريخ لا يمنح أحداً حصانة مفتوحة ضد النقد والمحاسبة.

المشكلة في السرد الإسرائيلي الرسمي أنه غالباً يريد صورة تبدأ من اللحظة التي يكون فيها الإسرائيلي ضحية فقط. هذه صورة مبتورة لأنها تمحو تاريخاً طويلاً من السيطرة على الأرض والناس، ومن تحويل الفلسطيني إلى كائن محاصر سياسياً وجغرافياً وإنسانياً. حين يبدأ الخطاب من 7 أكتوبر فقط، فإنه لا يشرح؛ بل يبرّر. لا يسأل: لماذا وصلنا إلى هنا؟ بل يقول: من هنا تبدأ القصة، وكل ما بعدها عقاب مشروع.

وفي المقابل، تقع سرديات ممانِعة كثيرة في خطأ معاكس: تبدأ من 1948، ثم لا تنتهي أبداً. كل خطأ راهن يُدفع إلى الخلف، كل قمع داخلي يصبح “ثانوياً”، كل فساد أو استبداد أو مغامرة عسكرية يصبح بنداً صغيراً في معركة كونية مفتوحة. هنا لا يعود التاريخ وسيلة للفهم، بل يصبح مخبأً أخلاقياً. ومن يختبئ في التاريخ لا يختلف كثيراً عمّن يقتطع التاريخ؛ كلاهما يهرب من لحظة السؤال.

قيمة ما كتبه عمار عبود أنه يرفض هذين الشكلين من الخداع معاً: خداع البداية المتأخرة وخداع البداية البعيدة جداً. الأول يقول: لا تنظروا إلا إلى الجريمة التي وقعت علينا الآن. والثاني يقول: لا تسألونا عن جريمتنا الآن لأن هناك جريمة أقدم. وبينهما تضيع الحقيقة. الحقيقة تحتاج إلى الاثنين: ذاكرة لا تنسى، وعدالة لا تؤجل.

لذلك تبدو عبارته المركزية شديدة الأهمية:

“كلّ الأفعال خاضعة للمساءلة، وهي محددة بزمان ومكان. السياق التاريخي ضروري للفهم، لكنه لا يُعفي هذه الأفعال أبداً من تلك المساءلة.”

هذه ليست عبارة سياسية فقط، بل قاعدة أخلاقية. فالفعل لا يُحاسَب في الفراغ، لكنه أيضاً لا يذوب في المحيط. من حقنا أن نسأل عن الظروف، عن الأسباب، عن التراكمات، عن الاحتلال، عن القمع، عن الخوف، عن المصالح، عن التحريض. لكن بعد كل ذلك يبقى السؤال قائماً: ماذا فعلت؟ بمن فعلت؟ متى؟ ولماذا؟ وهل كان يمكن تجنّب ذلك؟ ومن دفع الثمن؟

السياق يشرح، لكنه لا يطهّر.
والتاريخ يفسّر، لكنه لا يبرّئ.
والذاكرة تمنع التبسيط، لكنها لا تمنح صك غفران.

من هنا، فإن المقالة التي يفتحها نص عمار عبود ليست عن روي كوهن وحده، ولا عن صورة قديمة في جلسة أمريكية، بل عن واحدة من أخطر آليات الدعاية: إدارة زاوية النظر. فالمتلاعب لا يقول لك دائماً “صدّق كذبة”، بل يقول لك: “انظر من هنا فقط”. وحين تنظر من زاوية واحدة، قد ترى شيئاً صحيحاً، لكنك لن ترى الحقيقة.

ولهذا فإن واجب القارئ والمواطن والصحفي والمثقف ليس أن يرفض السياق، بل أن يطالب بالصورة الكاملة. لا صورة تبدأ في 7 أكتوبر فقط، ولا صورة تنتهي عند 1948 فقط، ولا صورة تُستخدم لتبرير قتل المدنيين، أو تبرير القمع، أو تبرير الإفلات من الحساب. الصورة الكاملة لا تعني الحياد البارد أمام الظلم، بل تعني أن نعرف أين بدأ الظلم، وكيف تراكم، ومن ارتكبه، ومن يستعمله اليوم ليغطي ظلماً آخر.

ما قاله عمار عبود صحيح في جوهره: كل سرد سياسي يهرب من المساءلة هو صورة مقصوصة. مرة يُقصّ الماضي، ومرة يُقصّ الحاضر. ومهمتنا ألا نقبل القصّتين؛ لأن العدالة لا تولد من الصورة المبتورة، بل من الصورة الكاملة، مهما كانت مؤلمة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

عباس إبراهيم: الهجمات ليست من فراغ… بين ملفات النفوذ وحلم المقعد النيابي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ليست الهجمات الأخيرة على اللواء عباس إبراهيم من فراغ،...

حزب الله: لبناني بالولادة، إيراني بالقرار، وخطره لا يُعالَج بتسليم لبنان لطهران!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هذا المقال هو نقاش مع الصديق أسامة وهبي حول...

حزب الله حزب لبناني وكتير لبناني، وهذا ما يصعّب حلّ معضلة السلاح!

أخباركم - أخبارنا / أسامة وهبي هناك لازمة يرددها بعض خصوم حزب الله، خاصةً...

هرمز والساعة الأخيرة: الجولة الثالثة قادمة

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم في المشهد الراهن، ثمة من يرى أن ما يجري...

More like this

حزب الله: لبناني بالولادة، إيراني بالقرار، وخطره لا يُعالَج بتسليم لبنان لطهران!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هذا المقال هو نقاش مع الصديق أسامة وهبي حول...

حزب الله حزب لبناني وكتير لبناني، وهذا ما يصعّب حلّ معضلة السلاح!

أخباركم - أخبارنا / أسامة وهبي هناك لازمة يرددها بعض خصوم حزب الله، خاصةً...

هرمز والساعة الأخيرة: الجولة الثالثة قادمة

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم في المشهد الراهن، ثمة من يرى أن ما يجري...