أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
لا أستعيد أنطونيو غرامشي اليوم بوصفه مفكراً سياسياً فقط، بل بوصفه واحداً من أولئك الذين جعلوا من الألم معرفة، ومن السجن مدرسة، ومن الهزيمة الظاهرة شكلاً آخر من أشكال المقاومة. أستعيده لأن سيرته لا تشبه سيرة رجل كتب أفكاراً باردة عن السلطة والمجتمع، بل سيرة إنسان عاش القهر في جسده، والفقر في طفولته، والمنفى الداخلي في وطنه، ثم حوّل ذلك كله إلى فكر قادر على أن يوقظ الأسئلة في ضمير العالم.
كان غرامشي يقول:
“لا أريد أن يُشفق عليّ أحد. كنت مقاتلاً لم تُتح له الفرصة للنضال المباشر، والمقاتلون لا يمكن ولا يجب أن يكونوا موضع شفقة من أي كان. فهم حين حاربوا لم يكونوا مجبرين على ذلك.”
هذه العبارة تكشف جوهر غرامشي كما أفهمه: رجل لا يتوسل التعاطف، ولا يقدّم ألمه بوصفه بطاقة عبور إلى قلوب الناس، بل يرفض الشفقة لأنها قد تحوّل المناضل إلى ضحية، بينما هو أراد أن يبقى شاهداً ومقاتلاً وصاحب موقف. هناك فرق كبير بين أن نتألم، وبين أن نسمح للألم أن يصير هوية نهائية لنا. غرامشي تألم كثيراً، لكنه لم يرد أن يُختصر في مرضه أو سجنه أو ضعفه الجسدي. أراد أن يُقرأ بوصفه عقلاً يقاوم، لا جسداً يُرثى.
ولد أنطونيو غرامشي في سردينيا، في بيئة فقيرة ومهمشة، وعرف منذ طفولته معنى الحرمان. لم يأتِ إلى الفكر من صالونات الرفاهية، بل من قسوة الحياة. كان المرض يرافقه، والفقر يطارده، والإحساس بالهامش الجنوبي الإيطالي يسكن وعيه. لذلك لم يكن حديثه عن العدالة الاجتماعية حديثاً نظرياً مجرداً، بل كان حديث من رأى بأم عينيه كيف يُسحق الإنسان حين تجتمع عليه السلطة والفقر والجهل والتهميش.
وحين انتقل إلى تورينو، وجد نفسه أمام عالم آخر: المصانع، العمال، النقابات، والصراع الاجتماعي الحاد. هناك تشكل وعيه السياسي، وهناك أدرك أن الإنسان لا يُستعبد بالقوة وحدها، بل قد يُستعبد أيضاً بالأفكار التي تُزرع في داخله، وباللغة التي يتكلم بها، وبالعادات التي يظنها طبيعية، وبالثقافة التي تقنعه بأن مكانه في الهامش قدر لا يتغير.
لذلك كانت واحدة من أهم أفكار غرامشي هي فكرة “الهيمنة الثقافية”. لقد فهم أن السلطة لا تحكم بالعسكر والشرطة والقانون فقط، بل تحكم أيضاً بالمدرسة والصحافة والدين واللغة والفن والعادات اليومية. السلطة الذكية لا تكتفي بأن تقمع الناس، بل تجعلهم يوافقون على العالم كما هو. تجعل المظلوم يعتقد أن ظلمه طبيعي، والفقير يصدق أن فقره نتيجة كسله وحده، والمقهور يظن أن الخضوع حكمة، وأن الحلم بالتغيير تهور.
وهنا تكمن خطورة غرامشي وعبقريته. لقد نقل السؤال من: من يملك القوة؟ إلى سؤال أعمق: من يصنع الوعي؟ من يحدد للناس ما هو الممكن وما هو المستحيل؟ من يزرع في عقولهم معنى النجاح والفشل، ومعنى الوطن، ومعنى الطاعة، ومعنى الحرية؟
ومن هنا أيضاً نفهم قوله الشهير:
“كل الناس مثقفون، لكن ليس كل الناس يؤدون وظيفة المثقف في المجتمع.”
هذه العبارة من أعظم ما قاله غرامشي، لأنها تكسر صورة المثقف المتعالي على الناس. فالمثقف عنده ليس بالضرورة من يحمل شهادة أو يجلس خلف مكتب أو يكتب بلغة معقدة. المثقف الحقيقي هو من يساعد جماعته على فهم موقعها في العالم، ومن يحوّل التجربة اليومية إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى فعل. قد يكون المثقف عاملاً، أو معلماً، أو كاتباً، أو فناناً، أو نقابياً، أو إنساناً عادياً يمتلك شجاعة التفكير وشجاعة الكلام.
ولذلك أحب فكرة “المثقف العضوي” عند غرامشي. إنها فكرة تمنح الثقافة معنى نضالياً. المثقف العضوي ليس زينة للسلطة، ولا شاهداً محايداً على خراب المجتمع، بل هو جزء من معركة الوعي. لا يكتب لكي يبدو عميقاً، بل لكي يضيء طريقاً. لا يتكلم من فوق الناس، بل من داخل وجعهم وأحلامهم وتناقضاتهم.
كان غرامشي يعرف أن التغيير لا يحدث بمجرد الغضب. الغضب بداية، لكنه ليس مشروعاً. لذلك تحدث عن “حرب المواقع”، أي ذلك النضال الطويل داخل المجتمع، في الثقافة والتعليم والإعلام والتنظيم والنقابات واللغة والحياة اليومية. فالمجتمع لا يتغير بضربة واحدة، بل بتراكم طويل، وبصبر، وببناء وعي جديد قادر على أن ينافس وعي السلطة.
وهذا ما يجعل فكره حاضراً اليوم بقوة. نحن نعيش في زمن تُصنع فيه العقول كما تُصنع السلع. تُباع لنا الصور والرغبات والأوهام، ويُعاد تشكيل وعينا من خلال الإعلام والشاشات والخطاب اليومي. كثيرون يظنون أنهم يفكرون بحرية، بينما هم يكررون ما صُنع لهم بعناية. هنا يعود غرامشي ليقول لنا إن معركة الحرية تبدأ من الوعي، وإن تحرير الإنسان لا يكون فقط بتغيير القوانين، بل بتغيير المعاني التي يعيش داخلها.
ومن أقوى عباراته التي تلخص موقفه من الحياة والسياسة:
“تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة.”
ما أجمل هذه العبارة وما أقساها في الوقت نفسه. إنها لا تدعونا إلى التفاؤل الساذج، ولا إلى الأمل الفارغ، بل إلى رؤية الواقع كما هو: صعباً، قاسياً، مليئاً بالهزائم والاختلالات. لكن بعد أن يرى العقل كل ذلك، لا يجوز للإرادة أن تستسلم. العقل قد يرى الظلام، لكن الإرادة تبحث عن ثقب الضوء. العقل قد يحسب موازين القوة، لكن الإرادة تصر على أن التاريخ لا ينتهي عند لحظة الهزيمة.
وقال أيضاً:
“أنا أكره اللامبالين.”
هذه ليست عبارة غضب عابر، بل موقف أخلاقي كامل. فاللامبالاة عند غرامشي ليست حياداً، بل مشاركة صامتة في صناعة الخراب. حين نقول إننا لا علاقة لنا بما يحدث، نكون في الحقيقة قد تركنا العالم لمن يملكون القوة الأعلى والصوت الأعلى والمصلحة الأشرس. اللامبالي لا يقتل بيده، لكنه يترك القتل يحدث. لا يظلم مباشرة، لكنه ينسحب من مواجهة الظلم. ولهذا كان غرامشي يرى أن الحياة موقف، وأن الإنسان الحي لا يستطيع أن يكون خارج مسؤوليته تجاه زمنه.
ومن مقولاته العميقة أيضاً:
“الحقيقة دائماً ثورية.”
لأن الكذب يحمي السلطة، أما الحقيقة فتكشفها. الحقيقة لا تكون مريحة دائماً، لكنها تفتح العين. وقد تكون الحقيقة أحياناً موجعة لأنها تجرّدنا من أوهامنا، لكنها وحدها تجعلنا أحراراً. لذلك كان غرامشي مفكراً خطيراً على الفاشية، ليس لأنه كان يحمل سلاحاً، بل لأنه كان يحمل وعياً قادراً على تفكيك الخداع.
وحين سجنه الفاشيون، كانوا يظنون أنهم يعزلونه عن العالم. لكنهم لم يدركوا أن السجن قد يعزل الجسد، لكنه لا يستطيع دائماً أن يعزل الفكرة. في سجنه كتب غرامشي “دفاتر السجن”، وهي من أكثر النصوص الفكرية تأثيراً في القرن العشرين. كتب عن الدولة، والمجتمع المدني، واللغة، والثقافة، والتاريخ، والدين، والتعليم، والمثقفين. كتب وهو مريض، متعب، محاصر، لكنه لم يتوقف عن التفكير. كأن الكتابة عنده لم تكن مجرد عمل ذهني، بل طريقة للبقاء.
أحياناً أتأمل هذه المفارقة: رجل محاصر في زنزانة، لكنه يفكر في المجتمع كله. جسده محدود بين الجدران، لكن عقله يتحرك في التاريخ والثقافة والسياسة والإنسان. الفاشية أرادت أن تصمت صوته، فإذا بصمته القسري يتحول إلى كتابة مدوية. أرادت أن توقف عقله، فإذا بعقله يصبح واحداً من أكثر العقول حضوراً بعد موته.
لم يكن غرامشي قديساً، ولا ينبغي أن نحوله إلى تمثال بلا أخطاء. عظمة المفكر لا تكون في تقديسه، بل في القدرة على محاورته. وغرامشي يستحق أن نقرأه لا لكي نردّد كلماته، بل لكي نستخدم أدواته في فهم واقعنا. ما زال سؤال الهيمنة الثقافية حياً. ما زال سؤال المثقف العضوي حياً. ما زال سؤال اللامبالاة حياً. وما زال سؤال الإرادة في زمن الانكسار حياً أكثر من أي وقت مضى.
إن ما يلهمني في غرامشي ليس أنه انتصر بالمعنى البسيط للكلمة. هو لم يخرج من السجن قائداً منتصراً، ولم يرَ أفكاره تتحول إلى واقع في حياته، ولم يُنصفه زمنه. لكن هناك نوعاً آخر من الانتصار: أن يترك الإنسان وراءه وعياً لا يموت. أن يتحول جسده المكسور إلى فكرة تسافر. أن يصبح صمته المفروض لغة للأجيال.
في ذكرى رحيله، لا أريد أن أرثيه كما تُرثى الضحايا. هو نفسه لم يكن يحب الشفقة. أريد أن أقرأه كما يُقرأ المقاتلون: بكثير من الاحترام، وكثير من النقد، وكثير من الإصغاء. فقد علّمنا أن المعركة ليست دائماً في الشوارع وحدها، بل في المدارس، والكتب، والجرائد، والمفاهيم، واللغة، والذاكرة، وفي ذلك المكان الخفي الذي تتشكل فيه قناعة الإنسان عن نفسه وعن العالم.
غرامشي لم يترك لنا وصفة جاهزة للخلاص، لكنه ترك لنا ما هو أهم: طريقة في النظر. علّمنا أن نسأل من يصنع وعينا، ومن يستفيد من صمتنا، ومن يحوّل الظلم إلى أمر طبيعي، ومن يريد لنا أن نكتفي بالفرجة. وعلّمنا قبل ذلك كله أن الإنسان يستطيع أن يكون ضعيف الجسد وقوي المعنى، محاصراً في المكان وحراً في الفكر، مهزوماً في اللحظة ومنتصراً في التاريخ.
لذلك، في ذكرى رحيله، أقول: ليس غرامشي ماضياً نعود إليه للحنين، بل سؤالاً نحتاجه لنفهم حاضرنا. وكلما ازدادت اللامبالاة، وكلما تزيّن القهر بلغة العقلانية، وكلما صارت الثقافة أداة تخدير، عاد غرامشي ليهمس لنا: لا يكفي أن نرى العالم، علينا أن نفهم كيف صُنع هذا العالم، وكيف يمكن تغييره.



