أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
نشر بطرس معوض عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي منشوراً جاء فيه:
“إلى كل موظفي القطاع العام شاهدوا أين تذهب الأموال.
هذا ما تحدثنا عنه سابقاً بأن وزير المال في موازنة العام ٢٠٢٦ تم دفع رواتب لعائلات المقاتلين في الحزب والحركة الذين توفوا أثناء الحرب، ووزير المال ينفذ تعليمات وتوجيهات نبيه بري، وباسم مساعدات من مجلس الجنوب تم دفع هذه الأموال لكل عائلة وورثة أي حزبي ينتمي إلى حركة أمل أو حزب الله.
وهذا القرار تم إقراره في حكومة نجيب ميقاتي عام ٢٠٢٤، وتم دفعه في العامين ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، ولكن المفاجئ في الموضوع أنه تم تنفيذ هذا القرار ورُصدت له أموال في حكومة نواف سلام، وتم إقراره في موازنة عام ٢٠٢٦.
وبالمقابل لم تُقرّ الحكومة الحالية في الموازنة أي قرش للموظفين في القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين.
هل عرفتم أين تذهب الأموال، ولماذا يتمسك الأستاذ بوزارة المال؟”
هذا المنشور لا يمكن قراءته كتعليق عابر على بند مالي في الموازنة. هو يفتح باباً واسعاً على سؤال أكبر وأعمق: كيف تُدار الأولويات في الدولة اللبنانية؟ ومن يقرر أين تُصرف الأموال العامة؟ ولماذا تصبح الخزينة قادرة على الدفع في مكان، وعاجزة تماماً حين يصل الدور إلى موظفي القطاع العام، والعسكريين، والمتقاعدين، وكل الذين يعيشون اليوم على حافة الإذلال المعيشي؟
في لبنان، لم تعد المشكلة فقط في قلّة المال. المشكلة الأعمق صارت في السؤال: لمن يُصرف المال؟ وبأي منطق؟ وتحت أي رقابة؟
حين يقرأ موظف القطاع العام، أو العسكري، أو المتقاعد، أرقام الموازنة والاعتمادات، يشعر أن الدولة التي تطلب منه الصبر والتقشف والتحمّل، تجد دائماً منفذاً حين يتعلق الأمر بصناديق ومجالس وهيئات تدور في فلك النفوذ السياسي والطائفي. أما حين يصل الدور إلى راتبه، ودوائه، وتعويضه، وحقه في حياة كريمة، تتحول الدولة فجأة إلى واعظة مالية تتحدث عن العجز، والواقعية، وضيق الإمكانات.
من هنا تأتي أهمية ما أثاره بطرس معوض في منشوره. ليس لأن كل تفصيل فيه يجب أن يُؤخذ بمعزل عن التدقيق والمساءلة، بل لأنه يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: هل الموازنة في لبنان وثيقة مالية للدولة، أم دفتر توزيع نفوذ بين القوى؟
والأكثر إثارة للاستغراب أن تُصرف الأموال في حكومة الرئيس نواف سلام بالمنطق نفسه الذي سارت عليه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهي الحكومة التي وُصفت سياسياً من خصومها بأنها حكومة حزب الله. كان يفترض أن يشكّل الانتقال إلى حكومة جديدة فرصة لكسر هذا النمط، أو على الأقل لإعادة النظر في آليات الصرف، ومعايير الاستفادة، وطريقة إدراج هذه الاعتمادات في الموازنة. لكن استمرار المسار نفسه يطرح سؤالاً مشروعاً: هل تغيّرت الحكومة فعلاً، أم بقي منطق إدارة المال العام أسير الموازين السياسية ذاتها؟
القضية لا تتعلق فقط بمساعدة عائلات متضررة أو عائلات فقدت أبناءها. فلا أحد يعترض على مساعدة المدنيين، ولا على الوقوف إلى جانب العائلات المنكوبة، ولا على تعويض من تهدم بيته أو خسر ابنه أو مصدر رزقه. هذه مسؤولية إنسانية ووطنية. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: هل تُدار المساعدات بمنطق الدولة الواحدة، أم بمنطق البيئة السياسية الواحدة؟ هل تخضع للوائح شفافة وتدقيق علني، أم تمر عبر قنوات اعتادت أن تكون منطقة رمادية بين الدولة والحزب والطائفة؟
حين يصبح مجلس الجنوب بوابة أساسية لتوزيع التعويضات، يصبح السؤال مشروعاً. وحين تُرصد اعتمادات لهذا المسار في الموازنة، فيما يعيش موظفو الدولة والعسكريون والمتقاعدون على حافة الانهيار اليومي، يصبح السؤال أكثر من مشروع: يصبح واجباً وطنياً وأخلاقياً.
ومما يلفت في هذا المقام أن صرف الأموال يتم لفئات محددة، فيما تُترك فئات أخرى ناضلت وقدّمت تضحياتها بلا تعويضات ولا اعتراف مادي ولا إنصاف معنوي. وهنا تحديداً يبرز اسم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي قدّم مقاتلوها وشهداؤها تضحيات كبيرة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. فإذا كانت الدولة قد قررت أن تعتمد مبدأ التعويض لعائلات من سقطوا في الحرب أو المقاومة، فالسؤال يصبح مباشراً وواضحاً: لماذا لا يُفتح الباب أيضاً أمام الدفع لشهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية أسوة بالآخرين؟
هنا يصبح التمييز واضحاً وبارزاً. هناك من تُفتح له أبواب الدولة والصناديق والمجالس، وهناك من يُترك في ذاكرة النسيان، كأن نضاله لم يكن جزءاً من تاريخ البلد، وكأن شهداءه لا يستحقون أن تُعامل عائلاتهم بالمعيار نفسه. وهذا لا يمس فقط بالعدالة المالية، بل يمس بالعدالة التاريخية والرمزية أيضاً.
وهذا هو جوهر الخلل: ليست المشكلة فقط في التعويض، بل في الانتقائية. عندما تكافئ الدولة ذاكرة سياسية واحدة، وتتجاهل ذاكرات مقاومة أخرى، فهي لا تمارس العدالة، بل تعيد كتابة التاريخ بمنطق موازين القوى. وعندما يصبح الاعتراف مرتبطاً بالقرب من السلطة لا بحجم التضحية، فإن المال العام يتحول من أداة إنصاف إلى أداة فرز وتمييز.
فالقطاع العام في لبنان ليس كتلة أرقام باردة. خلف كل راتب موظف بيت ينتظر، ودواء مؤجل، وقسط مدرسة، وفاتورة مولد، وكرامة مهددة. العسكري الذي يُطلب منه حماية البلد لا يستطيع أن يحمي عائلته من الفقر. المتقاعد الذي خدم الدولة عقوداً يجد نفسه في نهاية العمر يستجدي حقه. الأستاذ، والممرض، والموظف الإداري، والعنصر الأمني، كلهم يدفعون ثمن انهيار لم يصنعوه، وفساد لم يشاركوا فيه، وحروب لم يقرروا توقيتها ولا كلفتها.
لذلك، حين تُفتح خزينة الدولة لبعض البنود وتُغلق أمام حقوق الناس، لا يعود النقاش مالياً فقط، بل يصبح نقاشاً أخلاقياً وسيادياً.
المشكلة ليست في مساعدة الجنوب. الجنوب جزء من لبنان، وأهله أهلنا، ومعاناتهم حقيقية، والاعتداءات الإسرائيلية حقيقة لا يجوز تمييعها أو تجاهلها. المشكلة في أن الدولة اللبنانية تتصرف أحياناً كأنها صندوق دفع لفواتير قرارات لا تملك حق اتخاذها. هناك من يقرر الحرب خارج المؤسسات، ثم تأتي الدولة لتدفع. هناك من يصادر قرار السلم والحرب، ثم تُستدعى الخزينة العامة لتغطية النتائج. وهكذا يصبح المواطن اللبناني، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ممولاً إلزامياً لسياسات لم يُستشر بها.
وهذا تحديداً ما يجعل التمسك بوزارة المال مسألة سياسية لا تقنية. فوزارة المال في لبنان ليست مجرد وزارة أرقام وجداول. إنها مفتاح الصرف، وممر الاعتمادات، وبوابة الإمساك بإيقاع الدولة. من يملك القدرة على التحكم بالتدفقات المالية، يملك قدرة هائلة على تحويل الموازنة من أداة إصلاح إلى أداة نفوذ.
في الدول الطبيعية، الموازنة تكشف فلسفة الحكم. أما في لبنان، فكثيراً ما تكشف الموازنة شبكة الولاءات. أين تذهب الأموال؟ إلى الرواتب؟ إلى المدارس الرسمية؟ إلى المستشفيات؟ إلى الجيش؟ إلى المتقاعدين؟ إلى خطة إنقاذ؟ أم إلى صناديق ومجالس وهيئات لا يرى المواطن نتائجها إلا في موسم الحاجة السياسية والانتخابية؟
الأخطر أن الموازنة، بدل أن تكون مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات بعد سنوات الانهيار، تبدو في كثير من الأحيان استمراراً للمنطق نفسه: توزيع اعتمادات، ترضيات، ترقيع، غياب خطة شاملة لإصلاح القطاع العام، وغياب رؤية حقيقية لكيفية إنقاذ الموظف والعسكري والمتقاعد من الفقر المقنّع.
قد تقول الحكومة إن هناك بنوداً أو زيادات أو اعتمادات موزعة هنا وهناك. لكن السؤال ليس فقط: هل وُجد بند في الموازنة؟ السؤال الحقيقي هو: هل استُعيدت كرامة الراتب؟ هل عاد الراتب يكفي؟ هل وُضعت سياسة عادلة ومستدامة للأجور؟ هل جرت مراجعة شاملة للإنفاق؟ هل فُصلت المساعدات الإنسانية عن الزبائنية السياسية؟ هل عُرفت أسماء المستفيدين ومعايير الاستفادة؟ هل خضعت الأموال لتدقيق مستقل؟ وهل يمكن لأي مواطن أن يعرف، بوضوح وشفافية، أين تذهب أموال الدولة؟
من دون هذه الأسئلة، تصبح كل موازنة مجرد تمرين محاسبي فوق ركام دولة منهكة.
ما يقوله هذا الملف لموظفي القطاع العام واضح: مشكلتكم ليست فقط مع الأزمة المالية، بل مع بنية سياسية تعرف كيف تجد المال عندما تريد، وتعرف كيف تعتذر عندما يصل الدور إلى حقوقكم. الدولة التي لا تستطيع إنصاف موظفيها، لكنها تستطيع تمرير اعتمادات عبر قنوات نفوذ، ليست دولة فقيرة فقط؛ إنها دولة مختطفة الأولويات.
المطلوب اليوم ليس التحريض على أهل الجنوب، ولا حرمان المتضررين، ولا تحويل المأساة إلى صراع بين اللبنانيين. المطلوب هو العكس تماماً: أن تعود المساعدات إلى منطق الدولة، وأن تُدفع التعويضات وفق معايير شفافة تشمل المدنيين والمتضررين الحقيقيين، لا وفق لوائح حزبية أو قنوات مغلقة. المطلوب أن يعرف اللبنانيون أين تذهب أموالهم، ومن يقرر صرفها، وعلى أي أساس.
والمطلوب أيضاً أن يُفتح ملف الإنصاف الوطني كاملاً، لا انتقائياً. فإذا كان معيار الدولة هو التضحية، فليكن معياراً عاماً لا حزبياً. وإذا كان معيارها مساعدة عائلات من سقطوا في الحرب أو المقاومة، فليُطبّق هذا المعيار على الجميع، وفي المقدمة عائلات شهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، لا على من يملك قناة سياسية أقوى داخل الدولة. أما أن تُعطى فئة وتُهمَل أخرى، فهذا ليس إنصافاً، بل تثبيت لميزان سياسي داخل المال العام.
وعلى موظفي القطاع العام أن يفهموا أن معركتهم ليست مع رقم في الموازنة فقط، بل مع منظومة كاملة تعتبر حقوقهم بنداً قابلاً للتأجيل، فيما تعتبر نفوذها بنداً مقدساً لا يُمس.
في النهاية، السؤال ليس: هل نساعد الناس المنكوبين؟ طبعاً نعم.
السؤال هو: هل نساعدهم كدولة عادلة، أم كسلطة توزع المال العام عبر ممرات النفوذ؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة استعادة المال العام من منطق المحاصصة، واستعادة الدولة من الذين يريدونها خزينة بلا سيادة، وموازنة بلا عدالة، ووزارة مال بلا مساءلة.



