الجمعة, مايو 15, 2026
20.8 C
Beirut

بطولة من تحت الأرض… ودولة يجب أن تستيقظ

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

حين يخرج أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم ليقول إننا أمام خيارين: “التحرير والعزة أو الاحتلال والذلة”، فهو لا يخاطب اللبنانيين بقدر ما يحاول أن يصادر قرارهم باسمهم. المشكلة لم تعد في الشعارات، بل في أن هذه الشعارات تُطلق من مخابئ تحت الأرض، فيما يدفع اللبنانيون فوق الأرض أثمانها بيوتهم وأرزاقهم وأعمارهم ومستقبل أولادهم.

من السهل جداً أن تُمارَس البطولات من خلف الشاشات، ومن داخل الملاجئ، ومن وراء خطاب تعبوي يطلب من الناس الصمود، بينما الناس هم الذين يُقتلون ويُهجّرون وتُدمّر قراهم. البطولة الحقيقية ليست أن ترفع الصوت وتفتح الجبهات ثم تترك الدولة والشعب يدفعان الفاتورة. البطولة الحقيقية أن تضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة، وأن تقبل بأن لا أحد، أيّاً كان حجمه أو سلاحه أو جمهوره، يملك حق جرّ بلد كامل إلى الخراب.

الشيخ قاسم يطلب من السلطة أن تلغي قرارها في 2 آذار، ويصفه بأنه يجرّم “المقاومة وشعبها”. لكن السؤال الأهم هو: من أعطى حزب الله حق اختصار الشعب اللبناني بنفسه؟ ومن قال إن الاعتراض على سلاح خارج الدولة هو تجريم لطائفة أو بيئة أو ناس؟ بل إن أكثر من ثلثي الشعب اللبناني لا يمنحون حزب الله حق التحدث باسمهم، ولا يقبلون أن تُصادر إرادتهم تحت عنوان المقاومة. هذه واحدة من أخطر المغالطات: تحويل نقد السلاح إلى اعتداء على الناس، وتحويل مساءلة حزب سياسي مسلح إلى اتهام بالخيانة أو خدمة العدو.

الدولة لا تجرّم الناس حين تطالب بحصرية السلاح. الدولة تقوم بواجبها. والسيادة لا تكون انتقائية. لا توجد دولة في العالم تقبل أن يقرر حزبٌ وحده متى يحارب، ومتى يفاوض، ومتى يهدد، ومتى يفتح جبهة، ثم يطلب من باقي اللبنانيين أن يصفقوا أو يصمتوا أو يدفعوا الثمن.

أما الكلام عن “هيهات منا الذلة”، فقد صار اللبنانيون يعرفون كلفته جيداً. الذلة الحقيقية ليست في أن نطالب بالدولة، بل في أن يعيش المواطن رهينة قرار لا يشارك في صنعه. الذلة أن ينام الجنوبي تحت القصف لأنه لا يملك قرار الحرب. الذلة أن يُهجّر الناس من بيوتهم، ثم يُطلب منهم أن يعتبروه نصراً. الذلة أن تنهار دولة بكاملها لأن هناك من قرر أن يكون فوقها.

لقد آن الأوان أن تتوقف الحكومة عن التعامل مع هذا التمرد كأنه رأي سياسي عادي. حين يخرج أي طرف مسلح ليهدد، ويتحدى قرارات الدولة، ويعلن أنه لا يعترف بمنطق حصرية القرار العسكري، فنحن لا نكون أمام خطاب سياسي، بل أمام تمرّد صريح على السلطة الشرعية. ومن واجب الحكومة، إذا كانت حكومة فعلاً، أن تطلب من القضاء المختص التحرّك، وأن تُصدر المذكرات القانونية بحق كل من يهدد حياة اللبنانيين، ويتمرد على الدولة، ويضع البلد تحت خطر الحرب والدمار.

لا يمكن أن تبقى الدولة متفرجة. لا يمكن أن يكون هناك جيش لبناني وقرار عسكري آخر. لا يمكن أن تكون هناك حكومة ودويلة. لا يمكن أن يدفع اللبنانيون الضرائب للدولة، ثم يدفعون دماءهم وأرزاقهم نتيجة قرارات حزب.

نحن لا نريد احتلالاً إسرائيلياً، ولا نقبل بقاء العدو على شبر من أرضنا. لكن رفض الاحتلال لا يعني تسليم لبنان إلى سلاح خارج الدولة. تحرير الأرض لا يكون بتدمير البلد. وحماية الجنوب لا تكون بتحويل أهله إلى دروع بشرية في معركة لا يقررونها. المقاومة، إن كانت وطنية فعلاً، يجب أن تكون تحت سقف الدولة، لا فوقها؛ تحت قيادة الجيش، لا موازية له؛ خاضعة للمحاسبة، لا محصّنة بالقداسة.

وما يقوله الشيخ قاسم عن أن إمكانات الحزب “لا تُقاس بالأشهر والسنين” هو بحد ذاته إنذار للبنانيين. أي أن البلاد مرشحة للبقاء رهينة زمن مفتوح، وحرب مفتوحة، وتهديد مفتوح، واقتصاد منهار، وقرى مدمرة، فقط لأن حزباً يعتبر نفسه أكبر من الدولة وأطول عمراً من مؤسساتها.

كفى.

كفى تحويل لبنان إلى صندوق بريد. كفى بيع الناس خطابات العزة بينما يعيشون الذل اليومي. كفى اختباءً تحت الأرض باسم البطولة. كفى تهديداً للبنانيين باسم تحريرهم. وكفى دولة صامتة أمام من يتمرد عليها في العلن.

المطلوب اليوم موقف واضح: قرار الحرب والسلم للدولة وحدها. السلاح للجيش وحده. الإعمار عبر الدولة وحدها. والمساءلة لكل من تسبب بتدمير البلد وتهجير أهله، مهما علا صوته ومهما اختبأ خلف الشعارات.

لبنان لا يُبنى بالمخابئ، ولا يُحمى بالخطب، ولا يتحرر بدويلة فوق الدولة. لبنان يُنقذ حين تعود الدولة دولة، وحين يعرف كل من يحمل السلاح خارج شرعيتها أن زمن الإفلات من الحساب يجب أن ينتهي.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

عباس إبراهيم: الهجمات ليست من فراغ… بين ملفات النفوذ وحلم المقعد النيابي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ليست الهجمات الأخيرة على اللواء عباس إبراهيم من فراغ،...

حزب الله: لبناني بالولادة، إيراني بالقرار، وخطره لا يُعالَج بتسليم لبنان لطهران!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هذا المقال هو نقاش مع الصديق أسامة وهبي حول...

حزب الله حزب لبناني وكتير لبناني، وهذا ما يصعّب حلّ معضلة السلاح!

أخباركم - أخبارنا / أسامة وهبي هناك لازمة يرددها بعض خصوم حزب الله، خاصةً...

هرمز والساعة الأخيرة: الجولة الثالثة قادمة

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم في المشهد الراهن، ثمة من يرى أن ما يجري...

More like this

عباس إبراهيم: الهجمات ليست من فراغ… بين ملفات النفوذ وحلم المقعد النيابي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ليست الهجمات الأخيرة على اللواء عباس إبراهيم من فراغ،...

لبنان بين لصّين: جيش جاء باسم الأخوّة وجيش جاء باسم الأمن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد لم يعرف لبنان الاحتلال كخريطة عسكرية فقط، بل...

نقاش السلاح بين الخيارات والألوان: حقيقة واحدة لا رمادية فيها

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد السؤال الذي لا يجوز الهروب منه في النقاش اللبناني...