الجمعة, مايو 15, 2026
20.8 C
Beirut

في عيد العمال… عمّال إيران يبحثون عن فؤاد سلطاني: القائد الذي ربط خبز الكادحين بحرية كردستان

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

في الأوّل من أيار، لا يبحث عمّال إيران عن احتفالٍ عابر، ولا عن خطابٍ رسميّ يمدح العمل بينما يترك العامل وحيدًا أمام الفقر والقمع والحرب. إنهم يبحثون عن معنى أعمق: عن العامل الذي لا ينحني، عن اليسار الذي لا يساوم على الخبز والحرية، وعن ذاكرةٍ تقول إن النضال من أجل الأجر لا ينفصل عن النضال من أجل الكرامة، وإن قضية العمال لا تنفصل عن قضية الشعوب المضطهَدة.

في هذه الذاكرة يبرز اسم فؤاد مصطفى سلطاني، المعروف كرديًا باسم كاك فؤاد: المناضل اليساري الكردي، وأحد مؤسسي كوملة، منظمة كادحي كردستان إيران، وأحد الرموز التي جمعت بين المسألة القومية الكردية والنضال الطبقي الاشتراكي.

لم يكن فؤاد سلطاني قائدًا حزبيًا بالمعنى البيروقراطي، ولا خطيبًا منفصلًا عن الناس. كان من ذلك النوع من المناضلين الذين ينزلون إلى الأرض، إلى القرية، إلى العامل، إلى الفلاح، إلى المرأة الكادحة، إلى السجين، وإلى كل من حوّلته الدولة والملكية والإقطاع والرأسمال إلى إنسانٍ مكسور. لذلك بقي اسمه، رغم قصر عمره السياسي، حاضرًا في ذاكرة اليسار الكردي الإيراني.

تذكر أغلب المصادر الفارسية أن فؤاد مصطفى سلطاني وُلد عام 1948 في قرية آلمانة التابعة لمنطقة مريوان، بينما تورد بعض المصادر الكردية سنة 1949. درس في مريوان وسنندج، ثم انتقل إلى طهران حيث درس في جامعة شريف الصناعية في مجال الهندسة الإلكترونية. هناك، في أجواء الطلبة واليسار والنقاشات السياسية ضد نظام الشاه، بدأت ملامح تجربته تتشكل. وفي أواخر الستينيات، شارك مع رفاقه في تأسيس نواة سرية ماركسية ستُعرف لاحقًا باسم كوملة.

اعتقله جهاز السافاك في عهد الشاه في منتصف السبعينيات، لكنه لم يخرج من السجن منكسرًا. تذكر مصادر كردية أن السجن زاد من صلابته، وأنه تحوّل داخله إلى أحد وجوه الاحتجاج والتنظيم بين المعتقلين. وبعد خروجه، ومع اشتداد الثورة ضد الشاه، لعب دورًا مهمًا في مريوان وسنندج، لا بوصفه منظّرًا فقط، بل بوصفه منظمًا ميدانيًا لحركة الجماهير.

أهم ما ميّز فؤاد سلطاني أنه لم يفصل بين تحرير كردستان وتحرير الكادحين. كان يرى أن القضية الكردية ليست مجرد مطلب قومي مجرّد، بل قضية أرض وفلاحين وفقراء وعمال ونساء ومحرومين. ولهذا ساهم في بناء اتحادات الفلاحين، وفي تنظيم الجماهير في مريوان، وفي تشكيل أولى مجموعات البيشمركة التابعة لكوملة.

في أحد خطاباته في صيف عام 1979، خلال حديثه عن تجربة فلاحي مريوان، قال فؤاد سلطاني ما معناه:

“إن حركة فلاحي مريوان تحمل تجارب مهمّة. لقد استطاع الفلاحون أن يتقدموا بسرعة نحو الاتحاد، لأن لهم تاريخًا من النضال ضد الإقطاعيين، ولأنهم تعلّموا من معاناتهم أن التنظيم هو طريقهم إلى القوة.”

هذه العبارة تكشف جوهر فكره: لم يكن يرى الفلاحين والعمال كضحايا ينتظرون الخلاص من قائد أو حزب، بل كقوة تاريخية قادرة على تنظيم نفسها. كان يؤمن بأن المضطهَدين لا يتحررون بالشفقة عليهم، بل عندما يتحولون إلى قوة واعية ومنظمة.

وفي حديثه عن إحدى القرى التي قاومت الإقطاعيين، أشار إلى أن الناس استخدموا كل الطرق القانونية، وحين صودرت أرضهم وواجهوا القمع، ذهبوا إلى الأرض لحراثتها. وعندما كان الرجال يُعتقلون، كانت النساء يذهبن إلى الحقول. هذه الصورة تختصر فهمه للنضال: الشعب ليس جمهورًا صامتًا، بل هو الفاعل الحقيقي في التاريخ.

ومن العبارات التي ارتبطت بتجربة مريوان التاريخية، في معسكر كاني ميران خلال الهجرة الاحتجاجية الجماعية ضد دخول قوات النظام إلى المدينة، الشعار الذي رفعه الناس والمناضلون هناك:

“لسنا دعاة حرب مع أحد، لكننا لن نستسلم لبلطجة النظام.”

هذا الشعار يلخّص لحظة كاملة من تاريخ كردستان إيران: شعبٌ لا يبحث عن الحرب، لكنه يرفض الخضوع. جماهير لا تريد الدم، لكنها لا تقبل أن تتحول إلى ضحية صامتة أمام سلطة عسكرية ودينية وأمنية.

وقد خُتم أحد خطاباته في تلك المرحلة بنداء إنساني واضح:

“عاشت أخوّتنا!”

لم تكن الأخوّة عند فؤاد سلطاني أخوّة شكلية بين القوي والضعيف، ولا مصالحة زائفة بين الجلاد والضحية، بل أخوّة الكادحين والمضطهَدين في مواجهة السلطة، والإقطاع، والقمع، والاستغلال.

قُتل فؤاد سلطاني في 31 آب/أغسطس 1979، الموافق 9 شهريور 1358، في منطقة بين مريوان وبانة، في اشتباك مع قوات الجمهورية الإسلامية، بعد أسابيع من التصعيد ضد كردستان. وكان مقتله جزءًا من لحظة دامية شهدت إعدامات وقمعًا واسعًا في المناطق الكردية بعد الثورة الإيرانية. قبل أيام من مقتله، أُعدم عدد من مناضلي مريوان، بينهم اثنان من إخوته، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ المنطقة.

لم يكن رحيله مجرد خسارة تنظيمية لكوملة. كان رحيلًا مبكرًا لقائد كان يحاول أن يفتح طريقًا مختلفًا: طريقًا لا يجعل القومية الكردية مشروع سلطة فوق الناس، ولا يجعل الاشتراكية خطابًا مركزيًا يتجاهل اضطهاد القوميات. كان يريد أن يقول إن كردستان لا تتحرر من دون فقرائها، وإن الفقراء لا يتحررون من دون تنظيم، وإن التنظيم لا معنى له إذا انفصل عن الناس.

وقد كُتب عنه لاحقًا، في شهادات يسارية فارسية، كلام بالغ الدلالة:

“لم يكن كاك فؤاد إنسانًا يكتفي بتفسير الأحداث والظواهر، ولم يكن مراقبًا للعالم من حوله، بل كان مناضلًا يعمل أساسًا من أجل تغييره.”

وهذه شهادة دقيقة في فهم شخصيته. ففؤاد لم يكن مثقفًا يتأمل المجتمع من بعيد، بل ماركسيًا عمليًا يرى أن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى تنظيم، وأن النظرية لا قيمة لها إذا لم تلمس حياة العمال والفلاحين والنساء والكادحين.

وجاء في شهادة أخرى عنه:

“في فكر وممارسة كاك فؤاد، لم يكن الإنسان كائنًا سلبيًا أسيرًا للعلاقات الاجتماعية، بل عنصرًا فاعلًا قادرًا على تغيير العالم من حوله.”

وهذا هو جوهر اليسار الحيّ: أن يرى في الإنسان المضطهَد طاقة تغيير، لا مجرد ضحية. وأن يرى في العامل والفلاح والمرأة والمحرومين قوة بناء عالم جديد، لا مادة للاستغلال أو الشفقة.

ومن هنا كان فؤاد سلطاني قريبًا من فكرة ماركس العميقة: أن العمال يُستغلون فرادى، لكنهم لا يتحررون إلا جماعيًا. التنظيم، عنده، لم يكن رفاهية سياسية، بل شرطًا للتحرر. ولهذا لم تكن كوملة، في بداياتها، مجرد تنظيم كردي، بل محاولة لبناء يسار اجتماعي متجذر في القرى والجبال والمدن والطبقات الفقيرة.

تاريخ اليسار الكردي الإيراني أقدم من فؤاد، لكنه يجد فيه واحدة من لحظاته الحاسمة. فمنذ أربعينيات القرن العشرين ظهرت تنظيمات كردية في شرق كردستان، ثم جاءت تجربة مهاباد، وصعود الأحزاب القومية، ثم جيل الطلبة والماركسيين في الستينيات والسبعينيات. لكن كوملة مثّلت انعطافة خاصة لأنها حاولت الجمع بين حق الشعب الكردي في الحرية وبين العدالة الاجتماعية، بين رفض الدولة المركزية القامعة وبين رفض الإقطاع والرأسمالية والتمييز الطبقي داخل المجتمع نفسه.

تميّزت كوملة في بداياتها بأنها لم تنظر إلى كردستان باعتبارها قضية قومية فقط، بل باعتبارها أرضًا للفلاحين الفقراء والعمال والكسبة والنساء المهمشات. لذلك كان خطابها يساريًا جذريًا، يرى أن اضطهاد الكرد لا ينفصل عن بنية الدولة المركزية، وأن الفقر لا ينفصل عن ملكية الأرض، وأن التحرر القومي لا يكتمل من دون عدالة اجتماعية.

في عيد العمال، يعود اسم فؤاد سلطاني لأن عمّال إيران اليوم يعيشون سؤالًا يشبه جوهر السؤال الذي حمله جيله: كيف يمكن للعامل أن يدافع عن حياته حين تصير الحرب ذريعة لإسكات صوته؟ وكيف يمكن للكادحين أن يرفعوا مطالبهم في بلد تُستخدم فيه القومية والدين والأمن لتأجيل الخبز والحرية معًا؟

لقد عانى عمّال إيران تاريخيًا من الحرب بوصفها آلة مزدوجة: تدمّر الاقتصاد من جهة، وتمنح السلطة ذريعة لقمع التنظيمات العمالية واليسارية من جهة أخرى. خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، جرى تعبئة المجتمع كله تحت خطاب قومي وديني، بينما تراجعت مساحة التنظيم العمالي المستقل، وتعرضت قطاعات واسعة من العمال، خصوصًا في الغرب والجنوب وصناعة النفط، للضغط والتشرد والقمع.

واليوم، حتى في غياب حرب شاملة معلنة، يعيش العامل الإيراني تحت ظل حرب دائمة بأشكال مختلفة: عقوبات، تهديدات، عسكرة، اقتصاد مأزوم، تضخم، انهيار في قيمة الأجور، تأخر الرواتب، بطالة، وغلاء يلتهم حياة الناس. الحرب لا تعني دائمًا القصف فقط؛ أحيانًا تعني أن يتحول كل شيء إلى ذريعة: لا ترفع صوتك لأن البلاد في خطر، لا تطالب بحقك لأن العدو يتربص، لا تضرب عن العمل لأن الأمن القومي أهم من الخبز.

لكن العامل يعرف الحقيقة: من يدفع ثمن الحرب ليس أصحاب الثروات، ولا أبناء السلطة، ولا كبار التجار. من يدفع الثمن هو العامل الذي يفقد أجره، والمرأة التي تبحث عن دواء لأطفالها، والكاسب الصغير الذي يغلق دكانه، والكولبر الكردي الذي يصعد الجبل ليحمل على ظهره ما عجزت الدولة عن توفيره من حياة كريمة.

في كردستان إيران، تتضاعف المعاناة. فالعامل الكردي لا يواجه الفقر فقط، بل يواجه التهميش القومي، والحضور الأمني، والبطالة، وضعف التنمية، وخطورة العمل الحدودي، وتحول آلاف الكادحين إلى كولبرية، يحملون البضائع على ظهورهم في الجبال والثلوج والرصاص. هنا يصبح الخبز محفوفًا بالموت، ويصبح العمل نفسه رحلة بين الجوع والخطر.

لذلك، حين يبحث عمّال إيران عن فؤاد سلطاني في عيدهم، فهم لا يبحثون عن صورة شهيد معلقة على جدار حزب. إنهم يبحثون عن سؤال حيّ: أين هو اليسار الذي يقف مع العامل لا مع الدولة؟ أين هو التنظيم الذي يرى في الكردي الفقير، والفارسي العامل، والآذري الكادح، والعربي في الأحواز، والبلوشي المحروم، والمرأة المضطهدة، أجزاء من معركة واحدة ضد الاستغلال والقمع؟ وأين هي السياسة التي تقول إن الحرب لا تحرر الشعوب، بل تسحق العمال وتعيد إنتاج سلطة الجنرالات ورجال الأمن والرأسماليين؟

فؤاد سلطاني يمثّل في الذاكرة الكردية اليسارية ذلك الربط الضروري بين التحرر القومي والتحرر الطبقي. لم يكن كافيًا عنده أن نقول إن الكرد مظلومون فقط؛ كان السؤال الأعمق: أي كردستان نريد؟ كردستان للزعماء والملاكين والأحزاب السلطوية، أم كردستان للعمال والفلاحين والنساء والكادحين؟

وهذا هو السؤال نفسه الذي يحتاجه عيد العمال في إيران اليوم: أي إيران نريد؟ إيران الحرب والعسكرة والخصخصة والقمع؟ أم إيران الخبز والحرية والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟

في الأول من أيار، لا يكون الوفاء لفؤاد سلطاني بالبكاء عليه، بل بإعادة طرح قضيته بلغة الحاضر: لا حرية لشعب يضطهد شعوبًا أخرى، ولا عدالة اجتماعية في دولة تسحق تنظيم العمال، ولا اشتراكية بلا حق القوميات المضطهَدة، ولا تحرر كردي بلا انحياز للفقراء والكادحين.

إن فؤاد سلطاني ليس مجرد اسم من تاريخ كوملة، بل علامة في تاريخ اليسار الكردي الإيراني: علامة على أن القضية القومية إذا انفصلت عن الطبقة قد تتحول إلى مشروع سلطة، وأن القضية الطبقية إذا تجاهلت القوميات المضطهدة قد تتحول إلى أممية جوفاء. بين الاثنين، حاول كاك فؤاد أن يرسم طريقًا ثالثًا: طريق العامل والفلاح والكردي والمرأة والمضطهد، في مواجهة الشاه أولًا، ثم في مواجهة الجمهورية الإسلامية حين أعادت إنتاج القمع بثوب جديد.

في عيد العمال، يبحث عمال إيران عن هذا المعنى:
عن يسار لا يبيعهم في سوق الحرب.
عن نقابة لا تخاف من الدولة.
عن كردستان لا تنسى الفقراء.
عن إيران لا تسحق شعوبها.
عن تنظيم يعرف أن العامل لا يحتاج إلى خطبة، بل إلى قوة.
وعن فؤاد سلطاني لا كذكرى حزبية ضيقة، بل كرمز لذلك الحلم القديم والمتجدد: أن يكون ما يصنعه العمال للعمال، وأن تكون الأرض لمن يزرعها، والحرية لمن حُرم منها، والوطن لكل شعوبه لا لسجّانيه.

في الأول من أيار، لا يعود فؤاد سلطاني من الماضي بوصفه ذكرى، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا في وجه الحاضر: من يقف مع العمال حين تصير الحرب قانونًا، والفقر سياسة، والقمع وطنًا؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

عباس إبراهيم: الهجمات ليست من فراغ… بين ملفات النفوذ وحلم المقعد النيابي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ليست الهجمات الأخيرة على اللواء عباس إبراهيم من فراغ،...

حزب الله: لبناني بالولادة، إيراني بالقرار، وخطره لا يُعالَج بتسليم لبنان لطهران!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هذا المقال هو نقاش مع الصديق أسامة وهبي حول...

حزب الله حزب لبناني وكتير لبناني، وهذا ما يصعّب حلّ معضلة السلاح!

أخباركم - أخبارنا / أسامة وهبي هناك لازمة يرددها بعض خصوم حزب الله، خاصةً...

هرمز والساعة الأخيرة: الجولة الثالثة قادمة

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم في المشهد الراهن، ثمة من يرى أن ما يجري...

More like this

كرد سوريا بين خدعة الحقوق وطبقة سياسية أهدرت القضية!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في قصر العدل بالحسكة لا يمكن التعامل...

محررون بوجوه الغزاة: عن الفاشية الصغيرة داخل الجندي المنتصر!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد «مع الألمان كنّا نُخفي رجالنا؛ ومع الأمريكيين صرنا...

اعتداءات على الراهبات والصلبان: مؤشرات مقلقة على تصاعد خط ديني متطرف ورافض للآخر

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد لم يعد ممكناً التعامل مع الاعتداءات المتكررة على...