أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
قال النائب حسن فضل الله، عضو كتلة حزب الله، إن “المقاومة في لبنان اليوم هي الخيار الوطني الذي لا بديل عنه”، وإنها ستبقى مستمرة حتى إجبار إسرائيل على الخروج ووقف اعتداءاتها، كما قال إن نتائج المفاوضات “لا تعنينا ولن نطبقها ولن نسمح بأن تمرّر”.
هذا الكلام يفتح السؤال الأهم: عن أي مقاومة نتحدث؟ هل نتحدث عن مقاومة وطنية تحت سقف الدولة وقرارها، أم عن مقاومة مرتهنة لإيران، قررت الحرب وحدها، وربطت مصير لبنان بحسابات إقليمية، ثم تسببت بإعادة احتلال أجزاء من الجنوب وتدمير قرى وتهجير أهلها؟
في المقابل، كثر الكلام عن صورة قد تجمع الرئيس جوزاف عون ببنيامين نتنياهو. هذه الصورة، إن حصلت، لن تكون تفصيلاً بروتوكولياً، بل زلزالاً سياسياً. لكنها أيضاً قد تكون التعبير الأكثر قسوة عن واقع لبناني لم يعد يحتمل المراوحة: دولة منهارة، جنوب مدمّر، اقتصاد ينزف، شعب يهاجر، وسلاح يقرر الحرب باسم اللبنانيين من دون أن يسألهم.
هنا لا يعود السؤال: هل نحب صورة رئيس لبناني مع رئيس حكومة إسرائيل؟ بطبيعة الحال، لا أحد يتعامل مع إسرائيل ببراءة أو عاطفة أو نسيان. تاريخ العلاقة معها مثقل بالاحتلال والاعتداءات والدمار والأسرى والقرى المدمرة. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يبقى لبنان رهينة مقاومة لا تعترف بقرار الدولة، أم يبحث رئيس الجمهورية عن مخرج، ولو كان مراً وصادماً، لوقف الانهيار والحرب؟
المقاومة، في معناها الوطني، لا تكون فوق الدولة. لا تختصر الشعب، ولا تصادر قرار الحرب والسلم، ولا تربط البلد بمحور خارجي. المقاومة التي تحمي لبنان يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية دولة، لا بديلاً عنها. أما المقاومة التي تفتح الجبهة بقرار إيراني، ثم تترك اللبنانيين يدفعون الثمن، فهي لم تعد مقاومة تحرير بقدر ما أصبحت أداة في صراع أكبر من لبنان.
حزب الله دخل حرب “إسناد غزة” من دون تفويض لبناني جامع. لم يسأل الدولة، ولا البرلمان، ولا الحكومة، ولا اللبنانيين الذين خسروا بيوتهم وأرزاقهم. ثم عندما بدأت كلفة الحرب تظهر، رفع شعار السيادة في وجه أي تفاوض. هذه هي المفارقة: عندما يقرر الحزب الحرب، يصبح قراره مقدساً؛ وعندما تفكر الدولة بالسياسة، يصبح ذلك خيانة. أي منطق هذا؟ وأي وطن يمكن أن يعيش إذا كانت الحرب حقاً لحزب، والتفاوض ممنوعاً على الدولة؟
الرئيس جوزاف عون يبدو أمام خيارات ضيقة وقاسية. هو لا يتحرك من موقع الترف السياسي، بل من موقع من وجد كرة نار بين يديه: الجنوب، السلاح، الحرب، الاقتصاد، إعادة الإعمار، العلاقة مع واشنطن، والضغط الداخلي. قناعتي أن عون قد يراهن، في لحظة دراماتيكية، على حسن نية الولايات المتحدة أو على الأقل على قدرتها على فرض ضمانات على إسرائيل. قد يرى أن واشنطن، رغم كل الحسابات والمخاطر، هي الجهة الوحيدة القادرة على تحويل أي تفاوض إلى مكاسب ملموسة: وقف الاعتداءات، انسحاب، إطلاق أسرى، ضمانات حدودية، دعم للجيش، وإعادة إعمار.
هذا الرهان خطر، نعم. فالولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، ولا تتحرك إلا وفق مصالحها. لكنها في ميزان القوة الحالي قد تكون الممر الوحيد المتاح أمام رئيس يريد إنقاذ ما تبقى من البلد. لذلك، إذا أقدم عون على خطوة صادمة، فقد لا يفعل ذلك حباً بصورة مع نتنياهو، بل لأنه يعتقد أن البديل أسوأ: بقاء لبنان رهينة حرب مفتوحة، واقتصاد منهار، وجنوب مدمّر، وسلاح خارج الدولة.
لكن نجاح هذه الخطوة مشروط بألا تكون صورة مجانية. أي لقاء أو تفاوض يجب أن يكون بثمن واضح: وقف كامل للاعتداءات الإسرائيلية، انسحاب من الأراضي والنقاط المحتلة، معالجة ملف الأسرى، تثبيت الحدود، ضمانات دولية، إعادة إعمار الجنوب، وبسط سلطة الجيش اللبناني وحده. من دون هذه الشروط، تصبح الصورة عبئاً على عون وعلى لبنان. أما إذا جاءت ضمن صفقة تحفظ الحد الأدنى من الحقوق والسيادة، فقد تتحول من فضيحة سياسية في نظر البعض إلى لحظة تأسيسية في نظر آخرين.
حزب الله سيخوض معركة تخوين شرسة. هذا شبه مؤكد. سيصوّر أي خطوة باتجاه التفاوض كاستسلام، وسيحاول إقناع جمهوره بأن الدولة تبيع المقاومة. لكنه سيواجه سؤالاً لا يستطيع الهروب منه: ماذا قدّمت معادلتك للبنان اليوم؟ هل حررت الأرض أم أعادت الاحتلال؟ هل حمت الجنوب أم حولته إلى ركام؟ هل منعت الحرب أم استدرجتها؟ هل جعلت لبنان أقوى أم جعلته ساحة مستباحة؟
المشكلة أن حزب الله يريد من اللبنانيين أن يختاروا بين خيارين مزيفين: إما مقاومته كما هي، بكل ارتباطاتها وكلفتها، وإما الخيانة. لكن الحقيقة أن هناك خياراً ثالثاً: دولة قوية، جيش واحد، قرار حرب وسلم واحد، تفاوض من موقع المصلحة اللبنانية، لا من موقع التبعية لإيران ولا من موقع الخضوع لإسرائيل. هذا هو الخيار الذي يجب أن يُطرح اليوم بجرأة.
النتائج المحتملة لأي خطوة من عون ستكون كبيرة. داخلياً، قد ينفجر الانقسام السياسي والمذهبي، وقد يحاول حزب الله وحلفاؤه شل العهد واتهامه بالتفريط. لكن في المقابل، قد يلتف حوله جزء واسع من اللبنانيين إذا رأوا أن الخطوة تؤدي إلى وقف الحرب وعودة الناس إلى قراهم وفتح باب إعادة الإعمار. عندها يصبح السؤال الشعبي بسيطاً: من يريد إنقاذ لبنان، ومن يريد إبقاءه ورقة في يد إيران؟
أما على مستوى حزب الله، فستكون الخطوة اختباراً وجودياً. إذا رفض أي اتفاق يوقف الاعتداءات ويعيد الأرض ويثبت سلطة الدولة، فسيظهر أكثر فأكثر كقوة تضع مصلحة المحور فوق مصلحة لبنان. وإذا قبل، ولو تحت الضغط، فسيكون قد دخل مرحلة جديدة عنوانها تراجع وظيفة السلاح خارج الدولة. في الحالتين، لن يعود الحزب قادراً على احتكار معنى المقاومة كما كان يفعل سابقاً.
وعلى مستوى رئاسة عون، ستكون المغامرة إما لحظة صعود تاريخي أو لحظة انكشاف خطيرة. إن نجح في انتزاع ضمانات حقيقية، سيقال إنه الرئيس الذي تجرأ على كسر الحلقة المفرغة وأنقذ الدولة من الاستنزاف. وإن فشل، أو خدعته إسرائيل، أو تراجعت واشنطن عن ضماناتها، فسيدفع ثمناً سياسياً كبيراً. لذلك عليه أن يدخل أي مسار بعقل بارد وشروط مكتوبة، لا بثقة عمياء ولا بحسابات إعلامية.
في النهاية، لبنان لا يملك ترف الشعارات. البلد ليس بخير. الجنوب ليس بخير. الاقتصاد ليس بخير. الدولة ليست بخير. واللبنانيون تعبوا من خطابات البطولة التي تنتهي بتهجيرهم ودفنهم تحت الركام. لذلك لا بد من طرح السؤال بلا مواربة: ما بين مقاومة تريد الانتحار لصالح إيران، ورئيس يبحث عن إنقاذ بلد، ماذا يكون خيارنا؟
الخيار يجب أن يكون لبنان. لا إيران، ولا إسرائيل، ولا أميركا. لبنان أولاً. لبنان الدولة، لا لبنان الساحة. لبنان الجيش، لا لبنان الميليشيا. لبنان التفاوض الذكي، لا لبنان الحرب العبثية. لبنان الذي يحفظ حقه وأرضه وكرامة شعبه، لا لبنان الذي يُستخدم كورقة ثم يُترك وحيداً أمام الدمار.
إذا كانت المقاومة تعني الدفاع عن لبنان، فليكن قرارها لبنانياً وتحت سقف الدولة. أما إذا كانت تعني الانتحار من أجل إيران، فهذه ليست مقاومة وطنية، بل مشروع يأخذ البلد إلى الهاوية. ومن هنا، فإن خيارنا لا يجب أن يكون بين صورة موجعة وحرب مدمرة، بل بين استمرار الانهيار أو محاولة إنقاذ شجاعة. وفي هذه اللحظة، قد يكون المطلوب من اللبنانيين أن يسألوا أنفسهم: هل نريد وطناً يعيش، أم ساحة تموت باسم الآخرين؟



