أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
ليست الصورتان المتداولتان على وسائل التواصل مجرد مشهدين منفصلين، ولا مجرد حادثتين عابرتين في زمن الفوضى الرقمية والسياسية. إنهما تكشفان، كل واحدة بطريقتها، وجهاً عارياً من وجوه التطرّف: تطرّف يشوّه الرمز الديني بالكذب والتحريض، وتطرّف يعتدي على الرمز الديني بالعنف الجسدي المباشر. وبين الصورة المفبركة التي تستهدف بطريرك الموارنة مار بشارة بطرس الراعي، وصورة الاعتداء على راهبة في القدس، يظهر سؤال أبعد من الحدثين: هل هناك من يريد مهد المسيح بلا مسيحيين؟
الصورة الأولى، التي جرى تداولها على نطاق واسع، تُظهر البطريرك الراعي بلباس حاخام إلى جانب بنيامين نتنياهو. وبصرف النظر عن الجهة التي صنعتها أو روّجتها، فإن معناها واضح: محاولة تلطيخ موقع ديني ووطني مسيحي كبير بتهمة سياسية جاهزة. المقصود ليس فقط الإساءة إلى شخص البطريرك، بل ضرب رمزيته، وتحويل أي موقف وطني أو سيادي يصدر عنه إلى شبهة خيانة أو عمالة أو خروج عن “الخط المسموح”. هنا لا يعود الخلاف سياسياً، بل يتحول إلى عملية اغتيال معنوي، وإلى محاولة لإسكات صوت مسيحي لبناني تاريخي له موقعه في الدفاع عن الحرية والسيادة والعيش المشترك.
خطورة هذه الصورة أنها لا تستخدم فقط خصومة سياسية، بل تستخدم الدين نفسه كأداة شتيمة. فهي تجعل من اللباس الديني اليهودي وسيلة للإهانة، ومن العلاقة المتخيلة مع إسرائيل وسيلة للتخوين، ومن البطريرك هدفاً لتحريض جمهوره عليه. إنها صورة تختصر عقلية ترى في الرمز المسيحي المستقل خطراً يجب كسره، لا محاورته. فحين يُراد للبطريرك أن يصمت، يُتهم. وحين يطالب بدولة، يُخوَّن. وحين يتكلم باسم دور مسيحي حر في لبنان، يُدفع إلى خانة العدو.
أما الصورة الثانية، فهي أكثر مباشرة وقسوة: اعتداء على راهبة في القدس. هنا لا نكون أمام تركيب رقمي أو إهانة افتراضية، بل أمام عنف جسدي ضد امرأة دين أعزل، في مدينة يفترض أنها حاضنة للديانات الثلاث. الراهبة لا تحمل سلاحاً، ولا تخوض معركة سياسية، ولا تهدد أحداً. لكنها تحمل رمزاً: حضوراً مسيحياً في أرض مقدسة. وهذا وحده يكفي، في عين المتطرف، لتحويلها إلى هدف.
بين الصورتين فارق في الشكل: الأولى اعتداء رمزي، والثانية اعتداء جسدي. لكن الجوهر واحد: استهداف المسيحي بوصفه رمزاً ووجوداً ودوراً. في لبنان يُستهدف البطريرك بالتشويه والتخوين، وفي القدس تُستهدف الراهبة بالضرب والترهيب. في الحالتين، الرسالة ليست للفرد وحده، بل للجماعة كلها: اخافوا، اصمتوا، تراجعوا، أو ارحلوا.
من هنا، لا يمكن قراءة هاتين الصورتين خارج السياق الأوسع الذي عاشه مسيحيو المشرق خلال العقود الأخيرة. ففي العراق، لم يكن ما جرى لمسيحيي الموصل وسهل نينوى مجرد نزوح بسبب الحرب، بل محاولة اقتلاع من الأرض والذاكرة. مع تمدد داعش، وُضع المسيحيون أمام خيارات مرعبة: الرحيل، أو الخضوع، أو الموت. بيوت وكنائس أُفرغت، عائلات هُجّرت، مدن فقدت جزءاً أصيلاً من روحها، وحضور عمره قرون دُفع إلى حافة الزوال.
وفي سوريا أيضاً، لم تكن الكنائس والقرى المسيحية خارج دائرة الاستهداف. التفجيرات التي ضربت كنائس، والاعتداءات على رجال دين، والخطف والتهجير، كلها شكّلت جزءاً من مشهد إقليمي يريد تحويل المسيحيين من شركاء أصليين في الأرض إلى جماعات خائفة تبحث عن ملجأ. وحين تُستهدف كنيسة أثناء الصلاة، لا يكون الهدف قتل أفراد فقط، بل قتل الطمأنينة، وضرب معنى الوجود المسيحي في المكان.
هنا يصبح السؤال مؤلماً ومشروعاً: هل هناك من يريد مهد المسيح بلا مسيحيين؟
الجواب لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة واحدة ولا إلى افتراض غرفة عمليات واحدة تدير كل شيء. فالوقائع تكفي. قد لا يكون الفاعلون في لبنان وفلسطين والعراق وسوريا جزءاً من تنظيم واحد أو خطة واحدة، لكن مصلحتهم العملية تلتقي في النتيجة نفسها: إفراغ الشرق من تعدديته، وإضعاف المسيحيين، ودفعهم إلى الصمت أو الهجرة أو الارتهان. فالمتطرف الذي يشوّه صورة بطريرك، والمتطرف الذي يعتدي على راهبة، والمتطرف الذي فجّر كنيسة، والمتطرف الذي هجّر مسيحيي العراق، كلهم يلتقون عند هدف واحد، حتى لو اختلفت شعاراتهم: ضرب الدور المسيحي الحر في المشرق.
وهذا الدور ليس تفصيلاً عددياً ولا زينة فولكلورية. المسيحيون في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ليسوا ضيوفاً على هذه الأرض، ولا جالية طارئة، ولا بقايا تاريخ. هم من صلب تكوين المنطقة، ومن صلب لغاتها وثقافاتها ومدارسها وصحافتها ونهضتها وفكرها ومقاومتها للاستبداد والتطرف. وجودهم لم يكن يوماً مجرد وجود كنسي، بل كان دوراً حضارياً وسياسياً وثقافياً، دوراً يربط الشرق بالعالم، ويمنع تحوّله إلى ساحة لون واحد وصوت واحد وسلاح واحد.
لذلك، فإن استهدافهم يخدم مشروعاً أكبر: خلق دويلات عرقية وطائفية ذات لون ديني أو مذهبي أو قومي مغلق. مشروع يريد لكل جماعة أن تخاف من الأخرى، ولكل طائفة أن تبحث عن حاميها، ولكل أقلية أن تختار بين الهجرة أو الاحتماء بزعيم أو محور أو سلاح. في هذا المشروع لا يعود الإنسان مواطناً، بل رقماً في جماعة. ولا تعود الدولة بيتاً مشتركاً، بل حدوداً بين خنادق طائفية.
هذا هو الخطر الحقيقي: تحويل المشرق من فضاء حضاري مختلط إلى كانتونات خائفة. مسيحيون هنا، سنّة هناك، شيعة هناك، أكراد في زاوية، دروز في جبل، يهود خلف جدار، وإيزيديون في جرح مفتوح. كل جماعة تُدفع إلى الانغلاق، وكل انغلاق ينتج خوفاً، وكل خوف يحتاج إلى زعيم، وكل زعيم يحتاج إلى عدو كي يبرر سلطته. هكذا تُصنع الدويلات الطائفية: لا بالخرائط فقط، بل بالخوف اليومي، وبالتحريض، وبالإهانات، وبالتفجيرات، وبإقناع الناس أن العيش المشترك مستحيل.
لكن الدويلات الطائفية لا تحمي أحداً. هي لا تحمي المسيحي، ولا المسلم، ولا اليهودي، ولا الدرزي، ولا الإيزيدي، ولا أي إنسان حر. إنها تحوّل الجميع إلى أسرى داخل هويات مغلقة. المسيحي في كانتون طائفي لا يصبح أكثر حرية، بل أقل أفقاً. والمسلم المعتدل في بيئة متطرفة لا يصبح أكثر أماناً، بل أكثر عرضة للابتزاز. واليهودي أو الدرزي أو الكردي أو الإيزيدي لا يتحول إلى مواطن، بل إلى ملف أمني أو ورقة تفاوض. الطائفية لا تبني أوطاناً؛ إنها تبني أسواراً، ثم تسجن الناس داخلها.
من هنا، يصبح الدفاع عن الوجود المسيحي في الشرق دفاعاً عن فكرة الدولة نفسها. ليس المطلوب كانتوناً مسيحياً مقابل كانتون آخر، ولا خوفاً مسيحياً في مواجهة خوف إسلامي أو يهودي، بل دولة عادلة قوية تحمي الجميع. دولة لا تسمح بتخوين البطريرك لأنه تكلم، ولا تسمح بضرب راهبة لأنها مختلفة، ولا تسمح بتفجير كنيسة، ولا تسمح بتهجير قرية أو مدينة على أساس الدين. الدولة الحقيقية هي التي تجعل المواطن أكبر من طائفته، والقانون أقوى من السلاح، والكرامة حقاً لا منّة.
إن مصلحة الفاعلين في الصورتين تلتقي، موضوعياً، عند إجهاض الدور المسيحي في لبنان والمنطقة. في الصورة الأولى، يُراد للمسيحي أن يُسكت سياسياً عبر تخوين رمزه الأعلى. وفي الصورة الثانية، يُراد له أن يخاف وجودياً عبر الاعتداء على رمز ديني أعزل في القدس. وفي العراق وسوريا، رأينا المستوى الأكثر دموية: التهجير والتفجير والاقتلاع. كلها حلقات في سلسلة واحدة، وإن اختلفت الأدوات: مرة بالصورة، مرة بالضربة، مرة بالعبوة، ومرة بفتوى القتل والتهجير.
والأخطر أن كل تطرّف يبرر التطرّف الآخر. من يشوّه البطريرك بحجة المقاومة يمنح المتطرف المقابل ذريعة للقول إن العيش المشترك مستحيل. ومن يعتدي على راهبة بحجة التعصب القومي أو الديني يمنح متطرفاً آخر مادة جديدة للتحريض والكراهية. هكذا يخدم التطرّف بعضه بعضاً. كل طرف يدّعي أنه يحارب عدوه، لكنه في الحقيقة يمدّه بالأكسجين. وكل إهانة لرجل دين، وكل اعتداء على امرأة دين، وكل تفجير لكنيسة أو مسجد أو كنيس، لا ينتج نصراً لأحد، بل يوسع المقبرة المشتركة.
لذلك، فإن السؤال “هل يريدون مهد المسيح بلا مسيحيين؟” ليس سؤالاً خطابياً فقط. إنه صرخة سياسية وأخلاقية. فمن يدفع المسيحيين إلى الهجرة، ومن يخوّن رموزهم، ومن يعتدي على رهبانهم وراهباتهم، ومن يفرغ مدنهم وقراهم من سكانها الأصليين، يقول بالفعل لا بالبيان: نعم، يريد شرقاً بلا مسيحيين أحرار، أو يريد مسيحيين بلا دور، بلا صوت، بلا أمان، وبلا قدرة على الشراكة.
لكن مهد المسيح بلا مسيحيين لا يكون أكثر استقراراً، بل أكثر خراباً. والشرق بلا مسيحيين لا يكون أكثر وحدة، بل أكثر انغلاقاً وفقراً وتوحشاً. ولبنان بلا دور مسيحي حر لا يبقى لبنان الذي عرفناه، بل يتحول إلى ساحة إضافية في صراعات الآخرين. وفلسطين وسوريا والعراق بلا مسيحييها تفقد جزءاً من ذاكرتها وروحها وتاريخها ووجهها الحضاري.
الخلاصة أن المعركة ليست بين أديان، بل بين منطقين: منطق الدولة والمواطنة والتعدد والكرامة، ومنطق الدويلات والخوف والفرز الطائفي والعنصري. التطرّف الذي يشوّه صورة بطريرك، والتطرّف الذي يعتدي على راهبة، والتطرّف الذي هجّر مسيحيي العراق، والتطرّف الذي فجّر كنائس سوريا، قد يرفع شعارات مختلفة، لكنه يلتقي عند النتيجة نفسها: إجهاض الدور المسيحي في المشرق، وضرب العيش المشترك، وتحويل الأرض التي وُلدت فيها المسيحية إلى مكان يضيق بأبنائها.
والرد لا يكون بتطرّف مضاد، ولا بانعزال مسيحي، ولا باستدعاء حماية خارجية تجعل المسيحي رهينة لعبة الأمم. الرد يكون بتثبيت الحضور المسيحي الحر: حضور وطني، مشرقي، عربي، لبناني، فلسطيني، سوري، عراقي؛ حضور شريك لا تابع، صاحب أرض لا ضيف، جسر تلاقٍ لا مادة ابتزاز. فالذي يدافع عن المسيحيين في الشرق لا يدافع عن طائفة وحدها، بل يدافع عن آخر ما تبقى من فكرة الشرق المتعدد، وعن حق كل إنسان في أن يعيش إيمانه وهويته وكرامته من دون خوف.
مهد المسيح ليس فراغاً. ولن يكون.



