أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
من مؤتمر وادي الحجير وعين إبل سنة 1920 إلى حروب حزب الله اليوم، تتكرر المأساة نفسها: عندما يغلب مشروع فوق وطني على الانتماء اللبناني، يدفع الجنوب ولبنان كله الثمن. ليست المشكلة في الناس كطائفة، ولا يجوز أن تتحول القراءة التاريخية إلى اتهام جماعي للشيعة كأفراد، بل المشكلة في الزعامات والتنظيمات المسلحة التي تختصر الطائفة، وتحوّلها إلى أداة في صراع إقليمي، ثم تطلب من سائر اللبنانيين أن يدفعوا ثمن خيارات لم يشاركوا في اتخاذها.
لبنان لا يُبنى بمن يجرّه مرة إلى سوريا ومرة إلى إيران. لبنان لا يُبنى بمن يستعمله ساحة، أو ورقة تفاوض، أو خاصرة جغرافية في مشروع أكبر منه. لبنان يُبنى بمن يضع الدولة اللبنانية فوق كل محور، وكل سلاح، وكل ولاء خارجي.
عند ولادة لبنان الكبير، لم يكن الخلاف مجرد خلاف حدود. كان صراعًا على هوية الكيان نفسه: هل يكون الجنوب وجبل عامل جزءًا من لبنان الكبير، أم يُربط بالمشروع السوري-الفيصلي؟ في تلك اللحظة، تحركت زعامات ومجموعات مسلحة في جبل عامل باتجاه رفض لبنان الكبير والارتباط بسوريا. تذكر مراجع تاريخية، منها كتاب فواز طرابلسي A History of Modern Lebanon، أن الحركة المسلحة في جبل عامل ارتبطت بالمشروع العربي-الفيصلي، وأن مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 أعلن جبل عامل منطقة مرتبطة بالاتحاد السوري. كما تذكر دراسات عن مؤتمر وادي الحجير، ومنها دراسة منذر جابر، أن قرى مسيحية في الجنوب، وفي مقدمتها عين إبل، تعرضت لهجوم مسلح في سياق الصراع بين المؤيدين للحكم الفيصلي والمعارضين له أو المتعاونين مع الفرنسيين.
في قلب تلك اللحظة جاء مؤتمر وادي الحجير في 24 نيسان 1920. لم يكن المؤتمر تفصيلًا محليًا عابرًا، بل كان لحظة إعلان سياسي. اجتمع وجهاء وعلماء ومسلحون من جبل عامل، وناقشوا السؤال المصيري: هل يكون جبل عامل جزءًا من لبنان الكبير أم يلتحق بسوريا الفيصلية؟ انتهى الاتجاه الغالب، ولا سيما بين المكوّن المسلح، إلى قبول الارتباط بمملكة فيصل في دمشق مع المطالبة بحكم ذاتي إداري لجبل عامل.
هنا تظهر أهمية المؤتمر: لقد سبق إعلان لبنان الكبير، وسبق هجوم عين إبل بأيام، وكشف أن جزءًا مؤثرًا من الزعامة العاملية لم يكن يرى مستقبله في لبنان، بل في مشروع إقليمي آخر. كان وادي الحجير أول إنذار كبير: قبل أن يولد لبنان الكبير رسميًا، كان جزء من الجنوب يُدفع إلى مشروع آخر.
لذلك لا يمكن قراءة عين إبل كحادثة أمنية منفصلة. لقد جاءت في مناخ صنعه مؤتمر وادي الحجير وما أحاط به من تعبئة ضد الفرنسيين وضد القرى المسيحية التي عُدّت موالية لهم. ومع أن المؤرخين لا يملكون محضرًا حرفيًا كاملًا لكل ما دار في المؤتمر، فإن دلالته السياسية واضحة: جبل عامل، أو على الأقل قياداته ومسلحوه المؤثرون، كان في تلك اللحظة ساحة صراع بين لبنان الكبير وسوريا الفيصلية.
هنا تبدأ العبرة. المسألة لم تكن فقط رفضًا لفرنسا، بل كانت أيضًا رفضًا لكيان لبناني ناشئ، ومحاولة لربط الجنوب بمشروع سياسي آخر. قد يكون ذلك الولاء في حينه باسم العروبة أو فيصل أو سوريا، لكنه في النتيجة وضع جزءًا من لبنان في مشروع خارج الدولة اللبنانية قبل أن تولد هذه الدولة مكتملة.
ثم جاءت عين إبل. كانت عين إبل قرية مسيحية جنوبية، يغلب عليها الطابع الماروني والكاثوليكي، واتخذت موقفًا قريبًا من الفرنسيين ومن فكرة لبنان الكبير. لذلك صارت هدفًا في صراع أكبر منها. تذكر دراسة منذر جابر حول مؤتمر وادي الحجير أن اجتماعًا مسلحًا عُقد في كونين في 5 أيار 1920، وأن قرار الهجوم على عين إبل اتخذ هناك، وأن مسلحين من قرى محيطة شاركوا في الهجوم بقيادة شخصيات محلية. وتورد الدراسة، نقلًا عن مصادر معاصرة مثل مجلة المشرق وجريدة البشير ومراجع محلية، أن المهاجمين دخلوا البلدة بعد ساعات، وأن أعمال قتل ونهب وحرق وقعت داخلها، وأن عدد الضحايا يختلف بين الروايات، بين نحو خمسين قتيلًا في بعض المراجع، وعدد يقارب المئة في روايات أخرى.
الأرقام تختلف، والتفسيرات تختلف، لكن الثابت أن هجومًا وقع، وأن قرية مسيحية جنوبية دُفعت ثمنًا لصراع سياسي أكبر منها، وأن السلاح المحلي حين ربط نفسه بمشروع خارجي حوّل أهل القرى إلى وقود.
نعم، من قام بذلك لم يكونوا غرباء عن الجنوب. كانوا من بيئة جبل عامل، ومن زعامات ومجموعات مسلحة شيعية في تلك المرحلة. لكن الدقة واجبة: ليس كل شيعي كان قاتلًا، وليس كل شيعي كان موافقًا، وليس كل شيعي اليوم وارثًا لخطيئة أحد. إنما الصحيح أيضًا أن نخاف من تكرار النمط: حين تنجح زعامة مسلحة في أن تقدم نفسها ناطقًا باسم الطائفة، يصبح البلد كله رهينة خياراتها.
بعد قرن تقريبًا، يعود السؤال نفسه بصورة أخطر. اليوم لا نقف أمام صادق حمزة أو أدهم خنجر أو مؤتمر الحجير، بل أمام حزب الله: حزب لبناني شيعي مسلح، يمتلك قرارًا عسكريًا يتجاوز الدولة، ويعلن في ممارسته السياسية والعسكرية أن لبنان جزء من محور إقليمي تقوده إيران.
حزب الله ليس حزبًا عاديًا يملك رأيًا في السياسة الخارجية مثل غيره. هو قوة عسكرية وسياسية تملك السلاح والتنظيم والقرار، وتتمتع بقدرة على فرض وقائع تتجاوز الحكومة والجيش والمؤسسات الدستورية. مراجع دولية مثل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي تصفه بأنه تنظيم سياسي وعسكري شيعي لبناني مدعوم من إيران، وبأنه يملك وضعًا شبيهًا بـ”دولة داخل الدولة”. كما أن أدبيات الحزب الأولى، ومنها رسالته المفتوحة سنة 1985، تظهر بوضوح ارتباطه الفكري والسياسي بالثورة الإسلامية الإيرانية وبنظرية ولاية الفقيه.
أي دولة يمكن أن تعيش بهذا الشكل؟ أي وطن يمكن أن يبني سيادة بينما قرار الحرب والسلم ليس في مجلس الوزراء، ولا في مجلس النواب، ولا في قيادة الجيش، بل في يد تنظيم مسلح يقول عمليًا إن معركته تتجاوز الحدود اللبنانية؟
القرار 1701 بعد حرب 2006 لم يأتِ من فراغ. لقد جاء بعد حرب دفع لبنان ثمنها دمارًا ونزوحًا وانهيارًا إضافيًا، ودعا إلى وقف الأعمال العدائية، وإلى منع وجود أي سلاح أو سلطة في لبنان خارج الدولة اللبنانية. ومع ذلك بقي السلاح خارج الدولة، وبقي الجنوب ساحة مفتوحة كلما قرر المحور الإقليمي فتحها.
وفي السنوات الأخيرة عادت القضية إلى نقطة الصفر: هل السلاح للدولة أم للحزب؟ عندما تتحدث الدولة عن حصر السلاح بيد مؤسساتها، يرد حزب الله كأن قرار الدولة غير موجود. الدولة تقول إن السلاح الشرعي هو سلاح الجيش، والحزب يقول إن سلاحه فوق القرار. الدولة تحاول أن تنقذ البلد من منطق الساحات، والحزب يرد بمنطق المحور.
وهنا يظهر ابتزاز جديد: هناك من يريد استدراج اللبنانيين عاطفيًا إلى الصمت. يقولون لنا: لا ترفعوا الصوت حتى لا تنفجر الحرب الأهلية. لا تنتقدوا السلاح حتى لا يقع الانقسام. لا تسألوا من أخذ قرار الحرب حتى لا تتوتر البلاد. لا تطالبوا الدولة بالتفاوض ولا تطالبوا رئيس الجمهورية بأن يمارس صلاحياته، لأن ذلك يغضب من استدرج لبنان إلى الحرب ثم يريد احتكار قرار وقفها.
هذا الابتزاز يجب أن ينتهي. لا يجوز أن يصبح الخوف من الحرب الأهلية ذريعة لإسكات اللبنانيين. ولا يجوز أن يتحول السلم الأهلي إلى سلاح بيد من يهدد به. فالأخطر من الحرب الأهلية نفسها هو أن يعيش الناس في ظل تهديد دائم بها، وأن يصبح المطلوب منهم أن يصمتوا كلما قررت فئة مسلحة جر البلد إلى مواجهة، ثم صادرت حق الدولة في المعالجة والتفاوض والإنقاذ.
من غير المقبول أن يُحرَّم على رئيس الجمهورية أو الدولة اللبنانية التفاوض باسم لبنان، بينما يُسمح لحزب مسلح بأن يقرر الحرب باسم لبنان. من غير المقبول أن يجرّ طرف البلاد إلى النار، ثم يمنع الدولة من البحث عن مخرج. من غير المقبول أن تُختزل السيادة في خطاب، بينما القرار الفعلي مرهون لحسابات الخارج.
لا يجوز الصمت بعد اليوم. ولا يجوز أن نقبل جرّ كل لبنان بجريرة حماقة فئة رهنت قرارها ومصيرها، وبالتالي مصير لبنان، للخارج. من اختار أن يكون جزءًا من محور إقليمي لا يملك الحق في فرض كلفة هذا الخيار على من اختاروا أن يكونوا لبنانيين فقط. ومن قرر الحرب خارج المؤسسات لا يحق له أن يمنع الدولة من التفاوض داخل المؤسسات. ومن صادر قرار السلم والحرب لا يحق له أن يعطي اللبنانيين دروسًا في الوحدة الوطنية.
هذا هو جوهر الأزمة اللبنانية اليوم: ليست الأزمة أن هناك طائفة اسمها الشيعة، بل أن هناك حزبًا مسلحًا يختصر شريحة واسعة من الشيعة، ويمنع الدولة من أن تكون دولة، ثم يطلب من اللبنانيين جميعًا أن يتعاملوا مع هذا الخلل كأنه قدر مقدس لا يجوز الاقتراب منه.
من هنا يصبح الربط بين 1920 واليوم مشروعًا. في الحالتين، هناك لبنانيون ربطوا مصير جزء من البلد بمشروع خارج الدولة. في 1920 كان العنوان سوريا الفيصلية والحركة العربية في مواجهة لبنان الكبير وفرنسا. اليوم العنوان إيران ومحورها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة والمنطقة. في الحالتين، كان الجنوب هو الساحة. وفي الحالتين، كان المدنيون هم الضحايا. وفي الحالتين، جرى تقديم الولاء الخارجي كأنه خلاص، فإذا به يتحول إلى خراب.
لكن يجب أن نقولها بوضوح: لا يجوز أن تتحول هذه القراءة إلى كراهية ضد الشيعة. فهذا ظلم وخطأ. الشيعة في لبنان ليسوا حزب الله وحده، وليسوا زعماء 1920 وحدهم. فيهم مواطنون يريدون الدولة، وفيهم من دفع أثمانًا باهظة من حروب الحزب وخياراته، وفيهم من يعترض، وفيهم من يخاف، وفيهم من لا يملك حرية القول داخل بيئة يهيمن عليها السلاح والضغط السياسي والاجتماعي.
غير أن رفض التعميم لا يعني الصمت. لا يعني أن نلغي المسؤولية. ولا يعني أن نتظاهر أن المشكلة غير موجودة. هناك حقيقة يجب قولها بلا خوف: منذ لحظة التأسيس، كان جزء مؤثر من الزعامة الشيعية العاملية ضد لبنان الكبير ومع مشروع خارجي. واليوم، يمارس حزب الله، بصفته القوة الشيعية المسلحة الأكبر، الدور نفسه ولكن بصيغة إيرانية. هذا ليس اتهامًا مذهبيًا، بل وصف سياسي لمسار متكرر: زعامة مسلحة تربط طائفتها ومحورها ومناطقها بمشروع يتجاوز لبنان، ثم تطلب من اللبنانيين جميعًا دفع الثمن.
بعد قرن من التجارب، يحق للمسيحي في لبنان أن يطرح السؤال الذي يتهرب منه الجميع: إذا كان العيش المشترك يعني أن أعيش تحت قرار حرب لا أشارك فيه، وسلاح لا سلطة لي عليه، ومحور إقليمي لا أنتمي إليه، فما الذي بقي من الشراكة؟
ويحق له أن يسأل: ألم يتعظ بعض الشيعة في لبنان، أو بالأدق بعض الزعامات التي تتحدث باسمهم، من كل هذه التجارب؟ ألم يكن لبنان الكبير، بكل عيوبه، هو الإطار الذي أعطى الشيعة اعترافًا سياسيًا ومؤسساتيًا لم يكن مضمونًا لهم لو ذابوا في كيان سوري أوسع؟ أليس في لبنان، لا في سوريا ولا في إيران، نشأ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سنة 1967 بقيادة الإمام موسى الصدر، بوصفه مؤسسة رسمية أعطت الشيعة تمثيلًا مستقلًا وصوتًا طائفيًا واضحًا داخل الدولة اللبنانية؟
هذه ليست نقطة هامشية. لبنان الذي قاومه بعض زعماء جبل عامل سنة 1920 هو نفسه لبنان الذي فتح لاحقًا المجال أمام تمثيل شيعي مستقل. في هذا الكيان، صار للشيعة مجلس إسلامي شيعي أعلى، وصار لهم تمثيل نيابي ووزاري، وصارت رئاسة مجلس النواب عرفًا سياسيًا ثابتًا في يد شخصية شيعية، وصار لهم حضور أساسي في الدولة. لم يكن هذا المسار مضمونًا بهذه الصورة داخل سوريا ذات الغالبية السنية الواسعة، حيث كان الشيعة سيصبحون أقلية مذهبية أصغر داخل فضاء ديموغرافي وسياسي أكبر.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: لبنان الذي أعطى الشيعة الاعتراف والمؤسسات والحصة والتمثيل، يأتي اليوم حزب شيعي مسلح ليضع قراره الاستراتيجي خارج الدولة اللبنانية، ويربط البلد بمحور تقوده إيران. لبنان الذي حمى التعدد، وسمح للطوائف بأن تكون شريكة لا ذائبة، يُكافأ اليوم بمنطق يقول إن السلاح فوق الدولة، والمحور فوق الدستور، وقرار الحرب فوق إرادة اللبنانيين.
من هنا يصبح طرح الفيدرالية مفهومًا. لا كترف فكري، ولا كحلم انعزالي، بل كرد فعل على فشل الدولة المركزية في حماية مواطنيها من سلاح خارجها. عندما تعجز الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم، وعندما تصبح الحكومة شاهد زور، وعندما يدفع اللبنانيون ثمن قرار يتخذه حزب مسلح، يصبح السؤال الفيدرالي مشروعًا: كيف نحمي الجماعات اللبنانية من أن تُساق كلها إلى مصير لم تختره؟
من حق المسيحي أن يطرح الفيدرالية. ومن حق السني أن يطرحها. ومن حق الدرزي أن يطرحها. ومن حق الشيعي المعارض لحزب الله أن يطرحها أيضًا. لأن الفيدرالية، في أصلها، ليست شتيمة، وليست خيانة، وليست بالضرورة تقسيمًا. الفيدرالية قد تكون محاولة لإعادة توزيع السلطة داخل دولة واحدة، بحيث لا يستطيع مركز مشلول أو مخطوف أن يفرض مصيرًا واحدًا على جماعات لا تملك القرار نفسه ولا السلاح نفسه.
لكن الفيدرالية شيء والتقسيم شيء آخر. الفيدرالية تعني إعادة تنظيم الدولة ضمن وحدة سياسية واحدة. أما التقسيم فيعني نهاية لبنان كما نعرفه، ويفتح أبوابًا خطيرة: فرز سكاني، نزوح، حدود داخلية، صراعات على الموارد، ومواجهات جديدة. كما أن الدستور اللبناني نفسه يرفض التجزئة والتقسيم والفرز، وينص في مقدمته على أن لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين.
لذلك، السؤال المسيحي المشروع ليس بالضرورة: كيف ننفصل؟
بل: كيف نمنع أن نُحكم بسلاح غيرنا؟
كيف نعيش معًا من دون أن يملك طرف واحد حق توريط الجميع؟
كيف يكون لبنان وطنًا نهائيًا لا ساحة إيرانية ولا سورية ولا إسرائيلية ولا غربية؟
إذا كان حزب الله يريد لبنان دولة واحدة، فليقبل بشرط الدولة الواحدة: سلاح واحد، جيش واحد، قرار حرب وسلم واحد، وسياسة خارجية واحدة. أما إذا أراد أن يحتفظ بسلاحه ومحوره وحربه، فعليه ألا يستغرب أن يطرح الآخرون الفيدرالية، بل أن يطرحوا ما هو أبعد منها. لأن من لا يقبل بدولة واحدة فعلية لا يحق له أن يطالب الآخرين بوحدة شكلية.
الشراكة لا تعني أن أصفق لمن يجرّني إلى الهاوية.
والعيش المشترك لا يعني أن أعيش تحت رحمة بندقية لا أعترف بشرعيتها.
والوحدة لا تكون وحدة إذا كان طرف فيها يملك حق القرار، والباقون يملكون فقط حق دفع الثمن.
لبنان لا يستطيع أن يبقى ساحة. لا يستطيع أن يعيش إذا كان لكل طائفة باب خارجي، ولكل حزب جيش، ولكل محور وكيل. لقد دفعنا ثمن ذلك مرة بعد مرة: في تأسيس الكيان، في الحرب الأهلية، في حروب الجنوب، في عزلة الدولة، وفي انهيار الاقتصاد. وكل مرة يكون الشعار كبيرًا: عروبة، مقاومة، تحرير، ممانعة. لكن النتيجة واحدة: دولة أضعف، شعب أفقر، سيادة منقوصة، وبلد ينتظر قرارًا يأتيه من خارج حدوده.
العبرة من وادي الحجير ليست شتم التاريخ، بل فهمه. والعبرة من عين إبل ليست نبش أحقاد الماضي، بل إدراك أن من يضع مشروعًا خارجيًا فوق لبنان سيصطدم حتمًا بلبنانيين آخرين، ثم يتحول الصدام إلى دم. والعبرة من حزب الله ليست أن نكره طائفة، بل أن نرفض اختصار طائفة بحزب مسلح، ونرفض اختصار وطن بمحور إقليمي.
لبنان لا يحتاج إلى طائفة تنتصر على طائفة. لبنان يحتاج إلى دولة تنتصر على كل السلاح الخارج عنها. يحتاج إلى شيعة وسنة وموارنة ودروز وأرثوذكس وكاثوليك وأرمن يقولون الشيء نفسه: لا سوريا، لا إيران، لا إسرائيل، لا أي وصاية أخرى. لبنان أولًا، والجيش أولًا، والدستور أولًا، وقرار الحرب والسلم في الدولة فقط.
ومن لا يقبل بهذه القاعدة، أيًا كان اسمه أو مذهبه أو شعاره، لا يبني وطنًا. إنه يستعمل الوطن.
المراجع المعتمدة
فواز طرابلسي، A History of Modern Lebanon، Pluto Press.
تمارا شلبي، The Shi‘is of Jabal ‘Amil and the New Lebanon: Community and Nation-State, 1918–1943.
منذر جابر، دراسة حول مؤتمر وادي الحجير وآثاره.
مجلة المشرق، سنة 1920، مواد عن حوادث عين إبل.
جريدة البشير، أيار 1920، مواد عن عين إبل وموقف المسيحيين من الحماية الفرنسية ولبنان الكبير.
الياس صادر، ثورة جبل عامل 1920.
نص الرسالة المفتوحة لحزب الله، 1985.
مجلس الأمن الدولي، القرار 1701، 2006.
الدستور اللبناني، مقدمة الدستور، ولا سيما مبدأ وحدة الأرض ورفض التقسيم والفرز.
مراجع تعريفية وبحثية عن حزب الله، منها Council on Foreign Relations، ودراسات عن علاقة حزب الله بإيران وولاية الفقيه.



