أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
هذا النص ليس هجومًا على الكاتب زياد ماجد، بل حوار مع صديق أحترمه وأقدّر تجربته وكتاباته وموقعه الأخلاقي والسياسي في قضايا كثيرة. الاختلاف معه هنا ليس اختلافًا على رفض العدوان الإسرائيلي، ولا على حق الفلسطينيين، ولا على ضرورة حماية لبنان من التطبيع المجاني مع دولة تمارس القتل والاحتلال. الاختلاف معه هو في مكان آخر: في تعريف “الخيار الثالث”، وفي السؤال عمّا إذا كان هذا الخيار قادرًا فعلًا على مواجهة أصل المأزق اللبناني، أي وجود سلاح خارج الدولة يقرر الحرب والسلم باسم اللبنانيين جميعًا.
في مقاله المعنون «اصطفاف ثنائي… وخطاب من خارجه»، يحاول زياد ماجد أن يرسم موقعًا سياسيًا خارج الثنائية اللبنانية القاتلة: ثنائية من يؤيد حزب الله بلا مساءلة، ومن يرى أن الخلاص يكون عبر الرهان على إسرائيل أو عبر سلام سريع معها. في الشكل، هذا المسعى ضروري. وفي المبدأ، لا يجوز حصر اللبنانيين بين ممانعة مسلحة مرتبطة بإيران وبين تطبيع مع دولة عدوة ترتكب جرائم وتحتل وتعتدي.
لكن المشكلة أن “الخيار الثالث” الذي يطرحه ماجد، رغم لغته الأخلاقية العالية، يبقى ناقصًا إذا لم يضع في مركزه سؤالًا واحدًا لا يمكن الهروب منه: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
زياد ماجد يبدأ مقاله من تشخيص انقسام البلد بين خطابين. يقول إن الخطاب الأول “يؤيّد حزب الله بلا مساءلة”، ولا يرى مشكلة في “ولائه لإيران” ولا في استمرار سلاحه. وهذا توصيف صحيح. فهناك فعلًا بيئة سياسية وإعلامية تتعامل مع حزب الله كأنه فوق المحاسبة، وتحوّل كل نقاش في سلاحه أو توقيت عملياته أو ارتباطه بإيران إلى خيانة أو خدمة لإسرائيل.
لكنه في المقابل يصف الخطاب الثاني بأنه “يعدّ حزب الله مسؤولاً لوحده عن جميع الفظائع الإسرائيلية”، ويرى في “المفاوضات وصولاً إلى السلام مع تل أبيب الحلّ الوحيد”. هنا يبدأ الخلل. نعم، هناك من يبالغ، وهناك من يراهن على إسرائيل، وهناك من يظن أن سقوط حزب الله بيد إسرائيل هو خلاص للبنان. هذا موقف مرفوض وخطير. لكن ليس كل من يحمّل حزب الله مسؤولية فتح الجبهة وخطف قرار الدولة هو متطرف أو تطبيعي أو متمنٍّ لانتصار إسرائيل.
هناك لبنانيون يقولون ببساطة: إسرائيل مسؤولة عن جرائمها، لكن حزب الله مسؤول عن قراره. إسرائيل مسؤولة عن القصف والقتل والتدمير، لكن حزب الله مسؤول عن إدخال لبنان في حرب لم تقررها الدولة. لا يجوز أن نلغي مسؤولية إسرائيل، لكن لا يجوز أيضًا أن نجعل إجرام إسرائيل غطاءً سياسيًا لمسؤولية حزب الله.
وهنا يجب أن تكون العبارة واضحة: رفض حزب الله لا يعني تبرئة إسرائيل. ورفض إسرائيل لا يعني تسليم لبنان لحزب الله.
زياد ماجد يطرح ما يسميه خطابًا خارج الاصطفاف، ويقول إن هذا الخطاب يقوم على ثلاث ثوابت: أولها “ضرورة وقف الحرب الإسرائيلية”، وثانيها التفاوض مع إسرائيل “للوصول إلى اتفاق وقف نار وترسيم حدود وانسحاب” من دون الحديث عن سلام وتطبيع، وثالثها السعي إلى “تسليم سلاح الحزب للجيش اللبناني” وبسط سلطة الدولة.
هذه النقاط الثلاث، بحد ذاتها، يمكن أن تكون أساسًا وطنيًا مقبولًا. لا أحد عاقل يرفض وقف الحرب. ولا أحد وطني يرفض انسحاب إسرائيل وترسيم الحدود. ولا أحد مؤمن بالدولة يرفض حصرية السلاح بيد الجيش. لكن المشكلة ليست في العناوين، بل في ترتيب الأولويات وفي الحسم السياسي.
إذا كان الهدف هو تسليم سلاح حزب الله للجيش، فلماذا تبدو المطالبة الجذرية بذلك وكأنها تطرف؟ وإذا كان المطلوب استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم، فلماذا يُعامل من يطالب بذلك فورًا كأنه من جماعة السلام مع إسرائيل؟ وإذا كان حزب الله نفسه، كما يقول ماجد، يهدد أحيانًا بصدام أهلي “على نحوٍ ابتزازيّ وغير مسؤول”، فكيف يكون الرد على هذا الابتزاز؟ بالصمت؟ بالتأجيل؟ بالحوار المفتوح إلى ما لا نهاية؟
هنا جوهر الخلاف مع المقال. زياد ماجد يريد خيارًا ثالثًا يرفض الحرب الإسرائيلية ويرفض سلاح حزب الله. هذا جيد. لكن الخيار الثالث لا يكون حقيقيًا إذا لم يقل بوضوح إن الخلل الداخلي الأساسي هو وجود قوة مسلحة فوق الدولة. لا يكفي أن نقول إننا نريد تسليم السلاح للجيش في مسار طويل وغامض. يجب أن نقول إن سلاح حزب الله، في ذاته، أصبح نقيضًا للدولة ونقيضًا للشراكة ونقيضًا لفكرة لبنان الواحد.
المقال يرفض منطق التطبيع، وهذا صحيح. لكنه يقع أحيانًا في خلط بين التفاوض والتطبيع. التفاوض مع عدو لا يعني محبته، ولا يعني السلام معه، ولا يعني مصافحته سياسيًا أو أخلاقيًا. الدول تتفاوض مع أعدائها لتوقف حربًا، وتستعيد أرضًا، وتثبت حدودًا، وتحمي شعبها. لبنان فاوض سابقًا ضمن اتفاقات هدنة وترتيبات أمنية من دون أن يعني ذلك سلامًا أو تطبيعًا.
لذلك، عندما يرفض البعض أن يفاوض رئيس الجمهورية أو الدولة اللبنانية من أجل وقف الحرب، بحجة أن ذلك تطبيع أو تنازل، فهم لا يحمون لبنان. هم يمنعون الدولة من ممارسة وظيفتها. من غير المقبول أن يُسمح لحزب مسلح بأن يقرر الحرب، ثم يُحرّم على رئيس الجمهورية أن يبحث عن وقفها. من غير المقبول أن يفتح طرف الجبهة باسم لبنان، ثم يمنع الدولة من التفاوض باسم لبنان.
زياد ماجد ينتقد من يدفعون نحو لقاء أو مصافحة مع نتنياهو “حتى قبل أن يتوقّف جيشه عن تفجير بيوت وأملاك ومدارس لبنانيين جنوبيين”. هذا الانتقاد في مكانه. لا يجوز تحويل آلام الجنوبيين واللبنانيين إلى منصة لتطبيع مجاني أو استعراض سياسي. لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا تحويل هذه الآلام نفسها إلى ذريعة لمنع الدولة من التفاوض على وقف النار والانسحاب وحماية الحدود. التفاوض ليس احتفالًا، وليس تطبيعًا، وليس اعترافًا أخلاقيًا بالعدو. التفاوض أداة دولة عندما يكون البلد تحت النار.
المقال يدعو أيضًا إلى الادعاء على إسرائيل أمام المحاكم الدولية ومطالبتها بالتعويضات عن التدمير والقتل واستهداف المدنيين والصحافيين والمسعفين. هذا مطلب محق تمامًا. لا يجوز أن تمر جرائم إسرائيل بلا محاسبة. ولا يجوز أن يتنازل لبنان عن حقه القانوني والديبلوماسي في ملاحقة من دمّر بلداته وقتل مدنييه.
لكن السؤال الناقص هو: ماذا عن المسؤولية اللبنانية الداخلية؟ من يحاسب من استدرج لبنان إلى الحرب بلا قرار من الدولة؟ من يحاسب من جعل الجنوب والضاحية والبقاع رهائن لحسابات محور خارجي؟ من يحاسب من يفتح النار ثم يطلب من الدولة والمجتمع والناس والمغتربين أن يدفعوا ثمن الإعمار والدمار والانهيار؟
لا يكفي أن نطالب إسرائيل بالتعويضات. يجب أيضًا أن نمنع تكرار السبب الداخلي الذي يجعل لبنان قابلًا للاشتعال. هذا السبب هو وجود قرار عسكري خارج الدولة.
من هنا، يصبح “الخيار الثالث” الذي يطرحه ماجد مهددًا بأن يتحول إلى توازن لفظي: إدانة إسرائيل بقوة، وانتقاد حزب الله بلغة ناعمة، ثم الدعوة إلى مسارات طويلة ومعقدة من الحوار والتوافق. لكن لبنان لم يعد يملك ترف الغموض. البلد دُمّر أكثر من مرة. الناس هُجّروا أكثر من مرة. الدولة شُلّت أكثر من مرة. وفي كل مرة يُطلب من اللبنانيين ألا يطرحوا السؤال الحقيقي الآن، لأن اللحظة حساسة.
متى تصبح اللحظة غير حساسة؟
بعد الحرب؟ يقولون: الآن وقت الإعمار.
قبل الحرب؟ يقولون: لا تثيروا الفتنة.
أثناء الحرب؟ يقولون: لا تخدموا إسرائيل.
بعد كل تسوية؟ يقولون: السلاح موضوع إقليمي.
بهذه الطريقة يصبح السلاح دائمًا، وتصبح الدولة مؤجلة دائمًا.
زياد ماجد يرفض اتهام خياره بـ”النيو ممانعة”، ويعتبر أن هذا الاتهام يشبه اتهامات التخوين المقابلة. جزئيًا، معه حق. ليس كل من يرفض التطبيع هو “نيو ممانعة”. وليس كل من يرفض الرهان على إسرائيل هو حليف لحزب الله. لكن المشكلة ليست في رفض التطبيع. المشكلة في أن بعض خطاب “الخيار الثالث” يخاف من تسمية حزب الله كخطر داخلي مباشر، فيستبدل الحسم السياسي بلغة أخلاقية متوازنة.
الخيار الثالث الحقيقي لا يكون وسطًا بين حزب الله وإسرائيل. الخيار الثالث الحقيقي هو الدولة اللبنانية. والدولة لا تكون دولة إذا لم تحتكر السلاح. الدولة لا تكون دولة إذا كان رئيسها ينتظر إذن حزب للتفاوض. الدولة لا تكون دولة إذا كان جيشها ينتشر حيث يسمح الحزب، ويتراجع حيث يريد الحزب، ويصمت عندما يقرر الحزب.
في المقال، ينتقد ماجد من يظنون أن “نتائج الحرب ومقاربات ترامب قد تعيد لهم يوماً مجداً ضائعاً”، ويتحدث عن حنين بعضهم إلى لبنان ما قبل الحرب و”ما قبل الغريب”. هذا نقد مفهوم لبعض الخطابات اليمينية أو الانعزالية. لكن لا يجوز استعمال نقد الحنين المسيحي أو الليبرالي أو السيادي القديم لتخفيف مسؤولية حزب الله اليوم. صحيح أن لبنان ما قبل الحرب لم يكن جنة. صحيح أن النظام القديم ساهم في إنتاج الحرب. صحيح أن المصارف والنخب والفساد والانقسامات صنعت الانهيار. لكن كل ذلك لا يغير حقيقة أن حزب الله اليوم هو القوة الوحيدة التي تملك سلاحًا عابرًا للدولة وتقرر الحرب خارج المؤسسات.
الحديث عن المصارف والانهيار المالي مهم، لكن لا يجوز أن يتحول إلى خلط للملفات بطريقة تميّع الأولويات. نعم، المصارف مسؤولة عن جريمة مالية. نعم، الطبقة السياسية مسؤولة عن الانهيار. نعم، هناك فاسدون في كل المعسكرات. لكن أي إصلاح مالي أو اقتصادي أو قضائي يمكن أن ينجح إذا بقيت الدولة بلا سيادة كاملة؟ كيف تُبنى دولة قانون تحت ظل سلاح حزبي؟ كيف تُحاسب المصارف والزعماء إذا كانت الدولة نفسها مخطوفة أو مرعوبة أو مشلولة؟
لا دولة مالية بلا دولة أمنية. لا إصلاح بلا سيادة. لا قضاء مستقل إذا كانت هناك قوة مسلحة فوق المؤسسات.
زياد ماجد يربط خياره بجيل لبناني خرج من الاصطفافات الطائفية، وتكوّن وعيه السياسي والقانوني على وقع الإبادة في غزة، ويرى في هذا الجيل أملًا للبنان. هذا كلام جميل ومهم. لكن هذا الجيل نفسه يجب ألا يُطلب منه أن يختار بين التعاطف مع فلسطين والصمت عن حزب الله. يستطيع هذا الجيل أن يكون مع غزة وضد الاحتلال، وفي الوقت نفسه ضد تحويل لبنان إلى جبهة يديرها حزب مرتبط بإيران. يستطيع أن يرفض نتنياهو ونصرالله كمنطقين مختلفين للخراب: واحد يدمّر من الخارج، وآخر يصادر الداخل باسم المواجهة.
أن تكون مع فلسطين لا يعني أن تقبل تدمير لبنان.
أن تكون ضد إسرائيل لا يعني أن تسكت عن السلاح الإيراني.
أن تكون ضد التطبيع لا يعني أن تمنع الدولة من التفاوض.
أن تكون ضد الحرب الأهلية لا يعني أن تستسلم لمن يهدد بها.
وهنا يجب تفكيك أخطر ابتزاز في النقاش اللبناني: ابتزاز الخوف من الحرب الأهلية. ماجد نفسه يكتب أن حزب الله ومن خلفه إيران يهددان أحيانًا بصدام أهلي “على نحوٍ ابتزازيّ وغير مسؤول”. إذا كان الأمر كذلك، فالمطلوب ليس الالتفاف حول هذا الابتزاز بل مواجهته سياسيًا. من يلوّح بالحرب الأهلية كي يحتفظ بسلاحه لا يحق له أن يقدّم نفسه ضامنًا للسلم الأهلي. ومن يمنع الدولة من فرض سيادتها خوفًا من رد فعل المسلح، لا يحمي البلد، بل يشرّع الخضوع.
لا أحد عاقل يريد حربًا أهلية. لكن السلم الأهلي لا يعني أن تصمت الأكثرية الساحقة من اللبنانيين لأن أقلية مسلحة تملك القدرة على التخريب. السلم الأهلي الحقيقي يقوم على سلاح واحد، وجيش واحد، وقرار واحد. أما السلم القائم على الخوف فهو هدنة داخلية لا وطن.
من هنا، يجب أن يُعاد تعريف الخيار الثالث بوضوح أكبر من تعريف زياد ماجد. الخيار الثالث ليس: لا للممانعة ولا للتطبيع فقط. هذه صيغة ناقصة. الخيار الثالث هو:
لا لإسرائيل المعتدية.
لا للتطبيع المجاني.
لا لاستعمال فلسطين ذريعة لتدمير لبنان.
لا لحزب الله فوق الدولة.
لا لسلاح خارج الجيش.
لا لتهديد اللبنانيين بالحرب الأهلية.
نعم للتفاوض الرسمي لا الحزبي.
نعم للجيش اللبناني لا لمحاور الخارج.
نعم لمحاسبة إسرائيل قانونيًا.
ونعم لمحاسبة من صادر قرار الحرب داخليًا.
أما إذا رفض الخيار الثالث التطبيع، ورفض أيضًا تسمية سلاح حزب الله كأولوية سيادية غير قابلة للتأجيل، فهو لا يعود خيارًا ثالثًا. يصبح خيارًا مؤجلًا. خيارًا ينتظر الظروف. خيارًا يطلب من اللبنانيين أن يصبروا على السلاح إلى أن تنضج التسويات. لكن اللبنانيين جرّبوا هذا الانتظار منذ الطائف، ومنذ 2000، ومنذ 2006، ومنذ 8 تشرين الأول 2023. وفي كل مرة كانت النتيجة أن الحزب أقوى، والدولة أضعف، والبلد أفقر، والناس أكثر خوفًا.
المطلوب ليس حربًا على الشيعة. هذا خط أحمر وطني وأخلاقي. الشيعة ليسوا حزب الله، وكثيرون منهم يدفعون ثمن سلاحه قبل غيرهم. المطلوب ليس إذلال بيئة ولا الانتقام من طائفة ولا الرهان على إسرائيل لتغيير ميزان داخلي. المطلوب هو تحرير الدولة من سلاح حزب، وتحرير الطائفة نفسها من احتكار الحزب لقرارها ومصيرها.
والمطلوب أيضًا رفض تحويل نقد حزب الله إلى خطاب تطبيعي أو إسرائيلي أو انتقامي. لأن هذا يخدم حزب الله. كلما ظهر من يراهن على إسرائيل، أعطى الحزب حجة للاستمرار. وكلما ظهر من يريد سلامًا فوق الدم والركام، أعطى الممانعة فرصة لتخوين كل السياديين. لذلك يجب أن يكون الخط واضحًا: لا خلاص للبنان بإسرائيل، ولا خلاص للبنان بحزب الله. الخلاص بالدولة فقط.
مشكلة مقال زياد ماجد أنه يرى جيدًا خطر التطبيع، ويرى جيدًا جرائم إسرائيل، ويرى جزئيًا خطر حزب الله، لكنه لا يضع السلاح في موضعه الصحيح: أصل الخلل الداخلي. لا يمكن بناء خيار ثالث حقيقي إذا بقيت حصرية السلاح مطلبًا مؤجلًا إلى توافقات معقدة لا نهاية لها. ولا يمكن بناء دولة إذا كان الطرف المسلح يملك حق الفيتو على معنى الدولة نفسها.
التحاور الداخلي ضروري، نعم. لكن الحوار ليس بديلًا عن السيادة. الحوار لا يعني أن يبقى السلاح بيد حزب إلى أن يقتنع الحزب بالتخلي عنه. الحوار الحقيقي يجب أن يبدأ من مسلمة لا تفاوض عليها: لا شرعية لأي سلاح خارج الجيش. أما التفاصيل، الضمانات، المهل، الآليات، الرعاية العربية والدولية، فهذه تُبحث بعد تثبيت المبدأ، لا بدلًا منه.
في النهاية، يمكن القول إن مقال زياد ماجد ينجح في نقد الاصطفافين، لكنه لا ينجح تمامًا في إنتاج خيار ثالث حاسم. هو يرفض تأييد حزب الله، ويرفض التطبيع مع إسرائيل، لكنه يبقى حذرًا أكثر مما يجب أمام سؤال السلاح. والحذر هنا لم يعد فضيلة. بعد الدمار والتهجير والانهيار، الحذر الزائد يصبح شراكة في التأجيل.
الخيار الثالث الحقيقي لا يقول فقط: لا للحرب الإسرائيلية ولا للتطبيع.
بل يقول أيضًا: لا لحرب حزب الله، ولا لسلاح حزب الله، ولا لحق حزب الله في تقرير مصير لبنان.
الخيار الثالث الحقيقي لا يطلب من الدولة أن تنتظر.
بل يطلب منها أن تستعيد وظيفتها.
الخيار الثالث الحقيقي لا يخاف من القول إن إسرائيل عدوة، وإن حزب الله مشكلة داخلية كبرى.
ولا يخاف من القول إن الجريمتين لا تتساويان في الطبيعة، لكنهما تلتقيان في النتيجة: تدمير لبنان ومنع قيام الدولة.
لذلك، نعم، نحتاج إلى خيار ثالث. لكن ليس خيارًا ثالثًا يكتفي بالوقوف بين الاصطفافين. نحتاج إلى خيار ثالث يقف فوقهما، باسم لبنان الدولة.
خيار يقول لنتنياهو: لن نطبّع مع دمك واحتلالك وعدوانك.
ويقول لحزب الله: لن نسلّم لك قرارنا وحربنا وحدودنا ومستقبلنا.
ويقول للفلسطينيين: نحن مع حقكم، لا مع استعمال لبنان بدلًا عن دولتكم.
ويقول للبنانيين: لا خلاص إلا بدولة واحدة، جيش واحد، قرار واحد.
أما كل خطاب لا ينتهي إلى هذه الجملة — السلاح للجيش وحده، والقرار للدولة وحدها — فسيبقى، مهما بدا أخلاقيًا ومتوازنًا، خطابًا ناقصًا أمام مأساة كاملة.



