أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
أن تكون يساريًا يعني، قبل أي شيء آخر، أن تكون ضد القهر: ضد قهر العامل والفقير، ضد قهر المرأة، ضد قهر الطائفة للفرد، ضد قهر الدولة الأمنية للمجتمع، ضد قهر الاحتلال للشعوب، وضد قهر السلاح للحياة السياسية.
لذلك تبدو المفارقة صارخة حين يعلن بعض اليساريين تأييدهم لحزب الله: حزب إسلامي شيعي مسلح، مرتبط عقائديًا وسياسيًا بإيران، ويمتلك قرارًا عسكريًا خارج الدولة اللبنانية.
ليست المشكلة أن يقف اليساري ضد إسرائيل. هذا واجبه إذا كان مع الحرية وحق الشعوب. وليست المشكلة أن يقف مع فلسطين. هذا أيضًا واجبه إذا كان مع العدالة. المشكلة تبدأ حين يختزل اليساري كل معنى اليسار في العداء لأميركا وإسرائيل، ثم يصمت أمام سلطة دينية مسلحة، أو نظام أمني قاتل، أو وصاية إقليمية، فقط لأنها ترفع شعار “الممانعة”.
هنا لا يعود اليسار يسارًا. يصبح اصطفافًا محوريًا بلغة يسارية.
ماركس، الذي لا يمكن لأي يساري أن يتجاهله، لم يتعامل مع الدين بوصفه مشروع سلطة تحريرية، بل بوصفه تعبيرًا عن بؤس حقيقي وتعويضًا رمزيًا عنه. كتب في نقد فلسفة الحق عند هيغل: «الدين زفرة الكائن المضطهد، وقلب عالم بلا قلب، وروح أوضاع بلا روح. إنه أفيون الشعب». المعنى ليس شتيمة للمتدينين، بل نقد لتحويل الألم الاجتماعي إلى عزاء ديني بدل تغييره سياسيًا. فكيف يصبح دعم حزب ديني مسلح، يخلط العقيدة بالسلاح وبالقرار السياسي، موقفًا يساريًا؟
ولينين، في نصه «الاشتراكية والدين»، كان أكثر وضوحًا في العلاقة بين الاشتراكية والدولة الدينية، إذ كتب أن ما تطالب به البروليتاريا الاشتراكية هو «الفصل التام بين الكنيسة والدولة». وبالمعنى اللبناني والعربي، هذا يعني الفصل بين المسجد والدولة، وبين الفقيه وقرار الحرب، وبين العقيدة الدينية والسيادة العامة. لذلك لا يمكن لليساري أن يدعو إلى الدولة المدنية، ثم يبرر حزبًا يربط شرعيته بولاية الفقيه.
المشكلة ليست في تديّن الناس. اليسار الحقيقي لا يفتش في ضمائر الأفراد. المشكلة تبدأ حين يتحول الدين إلى سلطة سياسية مسلحة، وحين تصبح الطائفة قاعدة تعبئة، وحين يصبح الفقيه مرجعية في قرار الحرب، وحين تتحول المقاومة من فعل دفاعي إلى نظام حكم موازٍ للدولة.
وحزب الله، هنا، ليس مجرد حزب سياسي له رأي في الصراع مع إسرائيل. في رسالته المفتوحة سنة 1985، قدّم نفسه صراحة ضمن أفق عقائدي يتجاوز الدولة اللبنانية، فقال: «إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم». ثم أضاف في العبارة الأوضح دلالة على مرجعيته: «نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط»، وأن كل فرد يتولى مهمته «وفقًا لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد».
هذه ليست لغة حزب مدني لبناني، ولا لغة يسار، ولا لغة دولة وطنية. إنها لغة حزب ديني عابر للحدود، يربط شرعيته العليا بمرجعية فقهية وسياسية خارج الدولة اللبنانية. وهنا يصبح السؤال اليساري بديهيًا: كيف يمكن لمن يقول إنه مع الدولة المدنية والعلمانية والسيادة الشعبية أن يبرر حزبًا يعلن التزامه بولاية الفقيه؟
اليساري المؤيد لحزب الله يجيب غالبًا: لأنه يقاوم إسرائيل.
لكن هذه إجابة ناقصة. فاليسار لا يمنح شيكًا على بياض لأي قوة لأنها تواجه عدوًا حقيقيًا. مقاومة الاحتلال لا تبرر بناء سلطة فوق الدولة. لا تبرر ربط لبنان بإيران. لا تبرر تحويل الطائفة إلى خندق. لا تبرر تخوين المعارضين. ولا تبرر فرض قرار الحرب على مجتمع كامل.
روزا لوكسمبورغ كتبت في نقدها للتجربة البلشفية: «الحرية فقط لأنصار الحكومة، أو لأعضاء حزب واحد، ليست حرية إطلاقًا. الحرية هي دائمًا حرية من يفكر بطريقة مختلفة». هذا القول يضرب في الصميم كل يسار يبرر إسكات المخالفين باسم القضية الكبرى. فإذا كان كل نقد لسلاح حزب الله يتحول إلى خيانة، وكل مطالبة بالدولة تصبح خدمة لإسرائيل، فأي يسار هذا الذي يقبل إلغاء حرية المختلف؟
اليسار الحقيقي لا يخاف من السؤال. لا يخوّن المختلف. لا يقول للمواطن: اصمت الآن لأن المعركة أكبر منك. لأن الاستبداد دائمًا يبدأ بهذه الجملة: ليس الآن وقت الحرية.
إدوارد سعيد، وهو من أهم المثقفين العرب الذين دافعوا عن فلسطين، لم يكن مثقفًا عند باب سلطة. كان يرى أن دور المثقف هو قول الحقيقة في وجه السلطة. لم يقل سعيد: قل الحقيقة في وجه السلطة التي تكرهها فقط، واصمت أمام السلطة التي ترفع شعارًا يعجبك. من يستعمل إدوارد سعيد وفلسطين لتبرير حزب الله يسيء إلى سعيد وفلسطين معًا. سعيد دافع عن فلسطين كقضية حرية وعدالة، لا كذريعة لتقديس السلاح أو إلغاء النقد أو تحويل بلد آخر إلى ساحة.
أما مهدي عامل، المفكر الماركسي اللبناني، فقد كتب عبارة تصلح اليوم لمحاكمة كثير من اليسار اللبناني: «شرط النقد أن يكون بين الفكر المنقود والفكر الناقد اختلاف… إذا اختفى، انتفى النقد». فإذا صار اليساري يكرر لغة حزب الله عن المقاومة والخيانة والبيئة والمحور، فأين بقي الاختلاف؟ وإذا فقد المسافة النقدية عن الحزب المسلح، فهل بقي ناقدًا أم صار ملحقًا؟
هنا يصبح السؤال مباشرًا: كيف تكون يساريًا وتدعم حزبًا دينيًا؟ كيف تكون علمانيًا وتبرر حزبًا عقائديًا تابعًا لمرجعية فقهية؟ كيف تكون ضد الطائفية وتدعم أقوى تنظيم طائفي مسلح في لبنان؟ كيف تكون مع الدولة وتبرر سلاحًا خارج الدولة؟ كيف تكون مع حرية الشعوب وتبرر ربط لبنان بإيران؟
الجواب عند كثيرين هو: لأن حزب الله ضد إسرائيل.
لكن اليسار الحقيقي ليس تعريفه “من ضد إسرائيل؟” فقط. اليسار الحقيقي يسأل أيضًا: من مع الحرية؟ من مع الدولة المدنية؟ من مع العدالة؟ من مع حق الناس في تقرير الحرب والسلم؟ من ضد الطائفية؟ من ضد الاستبداد؟ من ضد الوصاية الخارجية، أيًا كان اسمها؟
المسألة الوطنية: اليسار لا يسلّم الوطن للمحور
ليست الوطنية نقيضًا لليسار. هذا خطأ شائع عند بعض اليساريين الذين يتعاملون مع كل حديث عن السيادة والحدود والدولة كأنه خطاب يميني أو انعزالي. في التراث الماركسي نفسه، كانت المسألة الوطنية مركزية. لينين دافع عن حق الأمم في تقرير مصيرها، لا لأن القومية بذاتها فضيلة مطلقة، بل لأن شعبًا لا يملك قراره لا يستطيع أن يبني حرية ولا ديمقراطية ولا اشتراكية.
لكن اليسار الجدي كان يعرف أيضًا خطر القومية حين تتحول إلى أداة طبقة أو طائفة أو سلطة. روزا لوكسمبورغ حذّرت من أن شعار تقرير المصير قد يصبح فارغًا إذا لم يُترجم إلى سياسة ملموسة تخدم حرية الناس لا سلطة النخب. وهذا بالضبط ما نحتاجه في لبنان: وطنية لا تكون قناعًا لليمين، ولا قناعًا للممانعة، بل شرطًا لقيام دولة المواطنين.
وفي الفكر العربي، يقدّم ياسين الحافظ مثالًا مهمًا على يسار لم يفصل المسألة الوطنية عن الديمقراطية والحداثة. فبعد هزيمة 1967، لم يكتفِ بإدانة إسرائيل أو الإمبريالية، بل ذهب إلى نقد البنية العربية نفسها: الاستبداد، التأخر، ضعف المجتمع المدني، والشعارات الكبرى التي تخفي عجز الدولة والمجتمع. وهذا مهم جدًا اليوم، لأن اليسار الذي يفسّر كل شيء بالمؤامرة الخارجية، ولا يرى الاستبداد والسلاح والطائفية في الداخل، يكرر العجز نفسه الذي نقده الحافظ.
من هنا، لا يستطيع اليساري أن يقول: أنا مع التحرر الوطني، ثم يقبل أن يكون قرار الحرب والسلم في يد حزب مرتبط بإيران. هذا ليس تحررًا وطنيًا. هذا استبدال وصاية بوصاية. ولا يستطيع أن يقول: أنا ضد الإمبريالية، ثم يصمت أمام وصاية إقليمية مسلحة تصادر الدولة. فالمسألة الوطنية في لبنان اليوم تعني أولًا: من يملك القرار اللبناني؟ الشعب عبر دولته، أم حزب عبر محوره؟
اليسار الحقيقي لا يفرّط بالوطن باسم الأممية، ولا يفرّط بالدولة باسم المقاومة، ولا يفرّط بالسيادة باسم فلسطين. الأممية اليسارية لا تعني أن يصبح لبنان ساحة للآخرين. والتضامن مع فلسطين لا يعني تعليق حق اللبنانيين في الدولة. ومواجهة إسرائيل لا تعني تسليم القرار الوطني لإيران.
هنا تصبح المسألة الوطنية امتحانًا لليسار اللبناني: هل يقف مع حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم؟ هل يقف مع دولة تحتكر السلاح والقرار؟ هل يقف مع سيادة لا تخضع لا لإسرائيل ولا لإيران ولا لسوريا ولا لأميركا؟ أم يختزل الوطنية في “محور مقاومة” يقرر عن الناس باسمهم؟
اليسار الذي يرفض الاحتلال الإسرائيلي لكنه يقبل وصاية السلاح الإيراني لم يحل المسألة الوطنية؛ لقد خانها. واليسار الذي يرفض الانعزال المسيحي لكنه يبرر اختطاف الدولة باسم المقاومة لم يتجاوز الطائفية؛ لقد غيّر طائفتها. واليسار الذي يتحدث عن فلسطين لكنه يصمت عن حق اللبنانيين في الدولة يضع قضية عادلة فوق مجتمع لا يحتمل أن يكون ساحة دائمة.
لذلك، من داخل التراث اليساري نفسه، يمكن القول إن حصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلبًا يمينيًا. إنها شرط وطني وديمقراطي. وحق اللبنانيين في قرار الحرب والسلم ليس ترفًا سياديًا. إنه جوهر المسألة الوطنية.
وهنا تبدأ المراجعة الأعمق: اليسار اللبناني والعربي لا يحتاج فقط إلى مراجعة موقفه من حزب الله اليوم، بل إلى مراجعة تجربته منذ الحرب الأهلية.
اليسار والسلاح الفلسطيني: فلسطين حق، لكن لبنان ليس ساحة مفتوحة
على اليساري الحقيقي في لبنان أن يعترف أن خطأه لم يبدأ مع حزب الله. سبقه خطأ أكبر في السبعينيات: التعامل مع السلاح الفلسطيني في لبنان وكأنه امتداد طبيعي للثورة، من دون حساب كلفة ذلك على الدولة والمجتمع والسلم الأهلي.
هذا لا يعني تبرئة إسرائيل. ولا يعني التنكر لفلسطين. ولا يعني إنكار معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. لكنه يعني الاعتراف بأن تحويل لبنان إلى قاعدة عسكرية مفتوحة لمنظمة التحرير كان أكبر من قدرة البلد على الاحتمال.
اتفاق القاهرة سنة 1969 نظّم الوجود المدني والعسكري الفلسطيني في لبنان، ونقل عمليًا جزءًا من إدارة المخيمات إلى بنية فلسطينية مسلحة، في سياق سمح لاحقًا بتوسع العمل العسكري الفلسطيني انطلاقًا من لبنان. هذا الترتيب كان أحد العوامل التي أضعفت سلطة الدولة وعمّقت الانقسام الداخلي حول معنى السيادة.
في السبعينيات، تحالفت الحركة الوطنية اللبنانية، وهي ائتلاف يساري وعروبي وإصلاحي، مع منظمة التحرير الفلسطينية. كان في ذلك التحالف جانب مفهوم: النظام اللبناني كان طائفيًا ومختلًا، والفلسطينيون كانوا ضحايا تهجير وقمع، وإسرائيل كانت عدوًا فعليًا. لكن التحالف حمل أيضًا لبنان فوق طاقته، لأن السلاح الفلسطيني كان قرارًا غير لبناني داخل دولة هشة.
المراجعة هنا لا تقول إن اليسار وحده سبب الحرب. هذا غير صحيح. اليمين المسيحي المسلح، النظام الطائفي، التدخلات الخارجية، إسرائيل، سوريا، السلاح الفلسطيني، الانقسامات الاجتماعية، وكل بنية الدولة اللبنانية، كلها عوامل صنعت الحرب. لكن اليسار أخطأ حين ظن أن نصرة فلسطين تعني قبول سلاح غير لبناني فوق لبنان.
أخطأ حين لم يفهم خوف جزء واسع من اللبنانيين، خصوصًا المسيحيين، من اختلال الكيان والدولة، واعتبر هذا الخوف مجرد انعزال أو رجعية. وأخطأ حين ظن أن إسقاط الطائفية يمكن أن يتم عبر تحالفات مسلحة تزيد الطوائف خوفًا. وأخطأ حين عامل لبنان كأنه يحتمل أن يكون مسرحًا لكل قضايا المنطقة.
فلسطين حق. لكن لبنان ليس بديلًا عن فلسطين.
نصرة الفلسطينيين واجب. لكن تحويل لبنان إلى ساحة حرب دائمة جريمة سياسية.
مقاومة إسرائيل مشروعة. لكن السلاح غير الخاضع للدولة وصفة لحرب أهلية.
فرانتز فانون، الذي ألهم حركات تحرر كثيرة، حذّر في «معذبو الأرض» من انحطاط الوعي الوطني حين لا يتحول إلى مشروع دولة ومواطنة، وكتب أن الوعي الوطني قد يصبح «قشرة فجة فارغة وهشة» تسمح بالانحدار من الأمة إلى العرق والقبيلة والطائفة. هذا التحذير ينطبق على لبنان بقسوة: حين لا تُبنى الدولة، تتحول القضايا الكبرى إلى وقود للهويات الصغيرة.
وهذا ما حصل. باسم فلسطين، انكسر جزء من الدولة. وباسم الخوف من السلاح الفلسطيني، تصاعد سلاح مقابل. وباسم الثورة، غرقت البلاد في الطوائف. وباسم إسقاط النظام الطائفي، ازدادت الطائفية تسلحًا ودمًا.
لذلك على اليساري أن يقول اليوم: كنت مع فلسطين، وما زلت. لكنني أخطأت إذا ظننت أن السلاح غير اللبناني داخل لبنان يمكن أن يصنع عدالة. أخطأت إذا ظننت أن الدولة يمكن أن تُعلّق لمصلحة “القضية”. أخطأت إذا لم أرَ أن حماية فلسطين لا تكون بتدمير لبنان.
اليسار والأسد: لا حرية في بيروت مع الصمت عن سجون دمشق
الخطيئة الثانية كانت العلاقة مع نظام الأسد. صحيح أن سوريا تدخلت سنة 1976 في وجه الحركة الوطنية ومنظمة التحرير، وصحيح أن كمال جنبلاط دخل في صدام سياسي مع حافظ الأسد قبل اغتياله. لكن لاحقًا، قبلت قوى يسارية وقومية كثيرة بالوصاية السورية أو بررتها أو سكتت عنها باسم العروبة والمقاومة والتوازن مع إسرائيل.
وهنا سقط جزء كبير من اليسار في تناقضه الأخلاقي: كيف تكون يساريًا وتساند نظامًا أمنيًا استبداديًا؟ كيف ترفع شعار الحرية في بيروت وتصمت عن السجون في دمشق؟ كيف تهاجم الطائفية اللبنانية وتغض النظر عن نظام استخدم الطائفية والمخابرات والحزب الواحد والجيش لسحق المجتمع؟
تدخل الجيش السوري في لبنان سنة 1976 تحوّل لاحقًا إلى وصاية طويلة، تحت غطاء عربي ودولي، ثم صار جزءًا من بنية الحكم اللبناني بعد الحرب. اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب، نصّ على حلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها للدولة اللبنانية، لكنه أتى أيضًا في ظل نفوذ سوري مباشر في لبنان.
هنا يجب أن تكون المراجعة صارمة: اليسار الذي لم يراجع موقفه من الأسد لا يحق له أن يعطي دروسًا في الحرية. لا يمكن أن تكون مع حرية الفلسطيني وضد حرية السوري. لا يمكن أن ترفض قصف إسرائيل للمدنيين ثم تبرر قتل النظام السوري للمدنيين لأنه “ممانع”. لا يمكن أن ترى الاحتلال الخارجي وتعمى عن الاستبداد الداخلي.
هذا هو مرض “اليسار الممانع”: يقيس الأخلاق بالموقع الجيوسياسي. إذا كان القاتل ضد أميركا، خفّف عنه. إذا كان السجان ضد إسرائيل، وجد له أعذارًا. إذا كان الطاغية يقول “فلسطين”، صار نقده خدمة للعدو.
وهذا عكس اليسار تمامًا.
جورج أورويل، الاشتراكي الديمقراطي المناهض للتوتاليتارية، اختصر معنى الحرية بقوله: «إذا كان للحرية أي معنى، فهي حق قول ما لا يريد الناس سماعه». والقول الذي لا يريد اليسار الممانع سماعه هو: الأسد لم يكن حليف حرية، وحزب الله ليس حزب تحرر، وإيران ليست بديلًا تقدميًا عن أميركا.
صادق جلال العظم بنى مشروعًا كاملًا على ضرورة «النقد الذاتي بعد الهزيمة». جوهر درسه كان أن الهزيمة ليست دائمًا مؤامرة خارجية، بل نتاج بنى داخلية من الاستبداد والخرافة والعجز وتبرير الذات. لذلك، فإن يسارًا يفسر كل خراب بإسرائيل وأميركا فقط، ولا يراجع مسؤوليته عن السلاح الفلسطيني والأسد وحزب الله، هو يسار يرفض النقد الذاتي الذي دعا إليه العظم.
من منظمة التحرير إلى حزب الله: الخطأ نفسه بأسماء جديدة
المشكلة اليوم أن جزءًا من اليسار يعيد إنتاج خطئه القديم. بالأمس قال: السلاح الفلسطيني ضرورة ثورية. ثم قال: النظام السوري ضرورة ممانعة. واليوم يقول: سلاح حزب الله ضرورة مقاومة.
في الحالات الثلاث، المنطق واحد:
القضية أكبر من الدولة.
المحور أهم من المواطن.
السلاح أسبق من السياسة.
والنقد خيانة في زمن المعركة.
لكن النتيجة واحدة أيضًا: دولة أضعف، مجتمع أكثر خوفًا، طوائف أكثر تسلحًا، ولبنان أقل قدرة على الحياة.
حزب الله يعيد إنتاج مشكلة السلاح الفلسطيني بصيغة لبنانية-إيرانية. في السبعينيات كان هناك قرار عسكري فلسطيني فوق الدولة اللبنانية. اليوم هناك قرار عسكري حزبي مرتبط بإيران فوق الدولة اللبنانية. في الحالتين يُطلب من اللبنانيين أن يصمتوا لأن القضية أكبر منهم. في الحالتين يُخوّن من يسأل عن الدولة. وفي الحالتين يدفع لبنان الثمن.
لكن الفارق أن حزب الله أخطر تعقيدًا لأنه لبناني اجتماعيًا وطائفيًا، لكنه خارجي استراتيجيًا. ليس جسمًا فلسطينيًا وافدًا، بل حزب لبناني متجذر في طائفة لبنانية، وفي الوقت نفسه مرتبط عقائديًا وسياسيًا بإيران. لذلك، نقده لا يجوز أن يتحول إلى عداء للشيعة. الشيعة ليسوا حزب الله، وكثيرون منهم دفعوا ويدفعون ثمن احتكاره لقرارهم ومصيرهم. لكن رفض التعميم لا يعني الصمت عن الحزب.
اليساري الحقيقي يجب أن يرى هذا بوضوح: دعم حزب الله ليس وقوفًا مع الفقراء، ولا مع الطبقة العاملة، ولا مع الدولة المدنية، ولا مع التحرر الوطني الكامل. هو وقوف مع حزب ديني مسلح داخل منظومة سلطة طائفية، مرتبط بمحور خارجي، ويمنع الدولة من احتكار السلاح.
ما الذي تعنيه اليسارية اليوم في لبنان؟
السؤال لم يعد: هل يكون اليساري مع فلسطين أم ضدها؟ هذا سؤال زائف. اليساري، إذا بقي وفيًا لفكرة التحرر، لا يستطيع إلا أن يكون مع حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير، وضد الاحتلال الإسرائيلي والعنصرية والاستيطان. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يجوز باسم فلسطين أن تُعلَّق المسألة الوطنية اللبنانية؟ وهل يجوز باسم مقاومة إسرائيل أن يصبح قرار الحرب والسلم في يد حزب ديني مسلح مرتبط بمحور خارجي؟
هنا يصبح امتحان اليسار اللبناني لا في شعاراته، بل في قدرته على التمييز بين القضية العادلة والأداة التي تدّعي تمثيلها. فلسطين قضية عادلة، لكن السلاح الفلسطيني فوق الدولة اللبنانية لم يكن عادلًا للبنان. مقاومة الاحتلال حق، لكن احتكار حزب الله للمقاومة وتحويلها إلى سلطة فوق الدولة ليس حقًا. العداء للإمبريالية مشروع، لكن استبدال النفوذ الأميركي أو الإسرائيلي بوصاية إيرانية أو سورية ليس تحررًا وطنيًا.
من هذا المنظور، لا يستطيع اليساري اللبناني أن يهرب من سؤال الدولة. فالدولة في لبنان ليست ترفًا برجوازيًا يمكن الاستغناء عنه بسهولة. في بلد تعددي هش، الدولة هي الشرط الأدنى لمنع الاحتراب الأهلي، ولحماية التعدد، ولمنع كل طائفة من أن تتحول إلى جيش، وكل حزب إلى حدود، وكل قضية خارجية إلى حرب داخلية.
لذلك، حصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلبًا يمينيًا. إنها شرط ديمقراطي ووطني لأي سياسة يسارية ممكنة. فاليسار الذي لا يملك دولة لا يستطيع أن يحقق عدالة اجتماعية. واليسار الذي يعيش تحت سلاح حزب لا يستطيع أن يبني ديمقراطية. واليسار الذي يبرر وصاية الخارج لا يستطيع أن يتحدث عن تحرر وطني.
ما يجب أن يقوله اليساري اليوم ليس بيانًا عاطفيًا، بل موقفًا فكريًا وسياسيًا مركبًا:
أن يقول إن فلسطين قضية تحرر، لكنها لا تمنح أي تنظيم حق استعمال لبنان كساحة.
وأن يقول إن إسرائيل عدوة ومعتدية، لكن عداء إسرائيل لا يعطي حزب الله شرعية فوق الدولة.
وأن يقول إن الإمبريالية مرفوضة، لكن مقاومة الإمبريالية لا تكون بالخضوع لمحور إقليمي آخر.
وأن يقول إن الدولة اللبنانية تحتاج إلى تغيير جذري وعدالة اجتماعية ومحاسبة للمصارف والطبقة السياسية، لكن هذا الإصلاح مستحيل إذا بقي السلاح خارج الدولة.
وأن يقول إن الشيعة ليسوا حزب الله، كما أن الفلسطينيين لم يكونوا اختزالًا لمنظمة مسلحة، وكما أن السوريين لم يكونوا اختزالًا لنظام الأسد.
وأن يقول إن الدفاع عن الجنوب لا يعني تسليمه لمحور، بل حمايته بدولة وجيش وسياسة وطنية لا بقرار حزبي.
هكذا فقط يصبح اليسار يسارًا: حين يرفض إسرائيل من موقع الحرية، ويرفض حزب الله من موقع الدولة، ويرفض الأسد من موقع كرامة الإنسان، ويرفض المصارف من موقع العدالة الاجتماعية، ويرفض الطائفية من موقع المواطنة.
خاتمة: اليسار بين النقد والتحرر أو الموت داخل المحور
أزمة اليسار اللبناني ليست فقط في موقفه من حزب الله. أزمته الأعمق أنه لم ينجز بعد مراجعة فكرية وسياسية كافية لتجربته مع المسألة الوطنية. فقد تعامل، في مراحل مختلفة، مع لبنان كأنه تفصيل داخل قضايا أكبر منه: فلسطين، العروبة، الممانعة، الصراع مع إسرائيل، الصراع مع أميركا. وفي كل مرة كان لبنان يُطلب منه أن ينتظر، أن يصمت، أن يتحمل، وأن يؤجل سؤال الدولة بحجة المعركة الكبرى.
لكن ماركس علّم أن النقد يجب أن يطال البنى التي تنتج القهر، لا أن يبررها بشعارات كبرى. ولينين ربط تحرر الشعوب بحقها في تقرير مصيرها، لا بتسليم قرارها لقوة خارجية جديدة. وروزا لوكسمبورغ جعلت حرية المختلف معيارًا لكل حرية سياسية. وإدوارد سعيد وضع المثقف في موقع المواجهة مع السلطة لا في موقع التبرير لها. ومهدي عامل جعل النقد مستحيلًا إذا ذاب الناقد في لغة المنقود. وياسين الحافظ وصادق جلال العظم ذكّرا بأن الهزيمة لا تُفهم إذا اكتفينا بلعن العدو ورفضنا نقد الذات.
من هنا، لا يسار بلا نقد. ولا نقد بلا مسافة من السلطة. ولا تحرر وطني بلا قرار وطني. ولا قرار وطني مع سلاح خارج الدولة. ولا عدالة اجتماعية في بلد تتحكم فيه المصارف والميليشيات والطوائف والمحاور في الوقت نفسه.
لذلك، فإن المراجعة المطلوبة من اليسار ليست ترفًا فكريًا. إنها شرط بقائه. فاليسار الذي لا يراجع موقفه من السلاح الفلسطيني، ومن وصاية الأسد، ومن سلاح حزب الله، سيبقى يسارًا مأزومًا، عاجزًا عن مخاطبة اللبنانيين الذين دفعوا أثمانًا هائلة باسم قضايا لم يكونوا دائمًا شركاء في قرارها.
ليس المطلوب أن يتخلى اليسار عن فلسطين. المطلوب أن يحرر فلسطين من استعمالها كذريعة لتدمير لبنان. وليس المطلوب أن يتصالح مع إسرائيل. المطلوب أن يرفض إسرائيل من دون أن يسلّم لبنان لإيران. وليس المطلوب أن يصبح يمينيًا أو انعزاليًا. المطلوب أن يفهم أن المسألة الوطنية ليست ترفًا برجوازيًا، بل شرطًا لأي مشروع ديمقراطي واجتماعي.
اليسار الذي نحتاجه ليس يسار الممانعة، ولا يسار التطبيع، ولا يسار الحنين إلى الحرب الأهلية، ولا يسار البيانات الأخلاقية العامة. نحتاج يسارًا يملك شجاعة القول إن التحرر الوطني لا يعني ذوبان الوطن في محور، وإن العدالة الاجتماعية لا تقوم تحت السلاح، وإن العلمانية لا تتعايش مع ولاية الفقيه، وإن فلسطين لا تُخدم بإلغاء الدولة اللبنانية، وإن مواجهة إسرائيل لا تبرر تسليم قرار اللبنانيين لحزب مسلح.
بهذا المعنى، يصبح الموقف اليساري الحقيقي في لبنان اليوم موقفًا مزدوجًا ومتكاملًا: ضد إسرائيل لأنها تحتل وتعتدي، وضد حزب الله لأنه يصادر الدولة؛ مع فلسطين كقضية حق، ومع لبنان كدولة لا كساحة؛ مع العدالة الاجتماعية ضد المصارف والفساد، ومع السيادة ضد الميليشيا والمحور؛ مع إسقاط الطائفية، لا مع تسليح طائفة باسم المقاومة.
أما اليسار الذي لا يستطيع أن يقول ذلك، فليس يسارًا نقديًا. إنه يسار فقد استقلاله وتحول إلى لغة تبرير. واليسار حين يتخلى عن النقد، يتخلى عن نفسه.
المراجع المعتمدة
كارل ماركس، «مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل»، 1843–1844.
فلاديمير لينين، «الاشتراكية والدين»، 1905.
فلاديمير لينين، «حق الأمم في تقرير مصيرها»، وكتاباته في المسألة الوطنية.
روزا لوكسمبورغ، «الثورة الروسية»، 1918.
روزا لوكسمبورغ، كتاباتها في المسألة القومية وتقرير المصير.
إدوارد سعيد، «صور المثقف» / محاضرات ريث، 1993.
مهدي عامل، «في الدولة الطائفية» وكتاباته في نقد الفكر الطائفي.
ياسين الحافظ، «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة» وكتاباته في نقد الوعي القومي العربي والمسألة الوطنية والديمقراطية.
فرانتز فانون، «معذبو الأرض»، 1961.
جورج أورويل، مقدمة «مزرعة الحيوان» وكتاباته ضد الشمولية.
صادق جلال العظم، «النقد الذاتي بعد الهزيمة».
الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم، 16 شباط/فبراير 1985.
اتفاق القاهرة بين السلطات اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، 1969.
اتفاق الطائف، 1989، خصوصًا البنود المتعلقة بحلّ الميليشيات وبسط سلطة الدولة اللبنانية.
مراجع تاريخية عن الحرب الأهلية اللبنانية والحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية والتدخل السوري في لبنان.



