أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لبنان، بتركيبته العميقة وتاريخه المركّب، لا يحتمل عزل طائفة، ولا إلغاء طائفة، ولا تهجير طائفة. هذه ليست عبارة وجدانية، بل قانون لبناني صارم أثبتته الحروب والتجارب والانكسارات: كل من حاول إخراج جماعة من المعادلة، لم يُسقط تلك الجماعة وحدها، بل فتح باب سقوط الدولة نفسها.
في عام 1976، وسط انهيار الدولة وبدايات الحرب الأهلية، دخل اسم الموفد الأميركي دين براون الذاكرة السياسية اللبنانية من باب الخوف المسيحي. يومها انتشرت رواية تقول إن براون جاء ليطرح على القيادات المسيحية فكرة الخروج من لبنان، وإن السفن جاهزة لنقل المسيحيين إلى الخارج. الوثائق الأميركية لا تثبت هذه الرواية بصيغتها الشعبية المتداولة، بل تشير إلى أن واشنطن أرسلت براون لمحاولة وقف الانهيار، والتواصل مع الأطراف اللبنانية، ومنع توسّع الحرب، وأن الاستعداد البحري الأميركي كان مرتبطاً بإمكان إجلاء الرعايا الأميركيين لا بترحيل المسيحيين اللبنانيين.
لكن الأهم من الوثيقة هو الأثر السياسي الذي تركته تلك الرواية. فقد تحوّل دين براون، في الوجدان المسيحي، إلى رمز لفكرة خطيرة: أن هناك من يتعامل مع المسيحيين كجماعة قابلة للنقل، وكأنهم جالية طارئة لا شعب مؤسس في هذا البلد. وهنا برز موقف بشير الجميل كما تناقلته الذاكرة السياسية اللبنانية، حين نُسب إليه أنه رفض الفكرة من أساسها، مؤكداً أن المسيحيين لن يغادروا أرضهم، وأن لبنان ليس محطة عبور، ولا أرضاً مؤقتة، ولا فندقاً سياسياً تخرج منه جماعة حين تشتد الحرب.
كان جواب بشير، في معناه السياسي العميق، أبعد من موقف زعيم مسيحي في لحظة حرب. كان إعلاناً بأن المسيحيين ليسوا فائضاً ديموغرافياً يمكن شحنه بالسفن، ولا ورقة تفاوض في يد العواصم، ولا تفصيلاً في تسوية إقليمية. كان يقول، بلغة تلك المرحلة، إن من يريد حلّ أزمة لبنان عبر اقتلاع مسيحييه لا يفهم لبنان، ولا يعرف تركيبته، ولا يدرك أن سقوط أحد أعمدته يعني سقوط السقف على الجميع.
والتاريخ أجاب بعد ذلك بوضوح: المسيحيون لم يرحلوا. نعم، هاجر كثيرون. نعم، خسروا نفوذاً ومواقع واطمئناناً. نعم، دخل الخوف إلى بيوتهم، وتبدلت خرائط القوة حولهم. لكنهم لم يتحولوا إلى طائفة منفية. لا السفن حملتهم، ولا الحرب ألغتهم، ولا الخارج صنع لهم وطناً بديلاً. بقوا، لأنهم جزء أصيل من فكرة لبنان، لا ملحقاً بها.
واليوم، يتكرر المنطق نفسه بصيغة أخرى. يكثر الكلام عن نقل بعض الشيعة، أو مقاتلي حزب الله وعائلاتهم، إلى العراق. صحيح أن عائلات لبنانية كثيرة نزحت إلى العراق خلال الحرب، هرباً من القصف والدمار والخوف. وصحيح أن العراق، بحكم القرب المذهبي والسياسي والإنساني، فتح أبوابه لبعض اللبنانيين، خصوصاً في النجف وكربلاء وبغداد. لكن تحويل النزوح إلى رواية تهجير، وتحويل اللجوء المؤقت إلى مشروع اقتلاع، أمر يحتاج إلى دليل لا إلى أمنيات سياسية.
فالشيعة في لبنان ليسوا جسماً عابراً، ولا فائضاً سكانياً، ولا ملحقاً جغرافياً بإيران أو العراق. هم جماعة لبنانية مؤسسة، لها أرضها وقراها وذاكرتها ودمها في الجنوب والبقاع والضاحية وبيروت والجبل. قد يُختلف مع حزب الله، وقد يُرفض سلاحه، وقد تُنتقد خياراته وحروبه وارتباطاته الإقليمية، لكن الخلط بين حزب وطائفة خطيئة سياسية ووطنية. فإسقاط حزب لا يعني اقتلاع بيئة، ومواجهة مشروع مسلح لا تعني شيطنة جماعة كاملة، وبناء الدولة لا يمر عبر كسر طائفة.
كما لم يرحل المسيحيون حين قيل إن السفن تنتظرهم، لن يرحل الشيعة اليوم لأن الحرب دفعت بعض عائلاتهم إلى العراق. النزوح ليس تهجيراً، والخوف ليس نهاية الوجود، والدمار لا يلغي الجذور. قد تترك عائلة بيتها مؤقتاً، وقد تبحث عن أمان في بلد قريب، وقد تطول الإقامة بسبب الفقر أو الخراب أو غياب الإعمار، لكن هذا لا يعني أن طائفة تُقتلع من وطنها.
لبنان ليس بلداً قابلاً للتنظيف الطائفي. ليس ساحة يمكن أن يُقال فيها: فلنُخرج هؤلاء كي يستريح الآخرون. كل محاولة من هذا النوع كانت وصفة لحرب جديدة. من ظن أن إضعاف المسيحيين يبني لبناناً أقوى أخطأ. ومن ظن أن عزل السنّة يحمي الدولة أخطأ. ومن ظن أن كسر الشيعة يحرر الجمهورية أخطأ. ومن ظن أن تحجيم الدروز يلغي دورهم أخطأ. لبنان لا يقوم على فائض طائفة ونقصان أخرى، بل على توازن صعب، متعب، لكنه شرط بقائه.
المشكلة في لبنان ليست في وجود الطوائف، بل في تحويل الطوائف إلى جبهات. المشكلة ليست في المسيحي لأنه مسيحي، ولا في الشيعي لأنه شيعي، ولا في السني لأنه سني، ولا في الدرزي لأنه درزي. المشكلة في السلاح خارج الدولة، وفي الارتهان للخارج، وفي غياب العدالة، وفي سقوط المؤسسات، وفي استخدام الخوف وقوداً للزعامة. لذلك لا يكون الحل بترحيل الشيعة، ولا بتخويف المسيحيين، ولا بعزل السنّة، ولا بمحاصرة الدروز. الحل الوحيد هو إعادة الجميع إلى الدولة، لا إخراج أحد من الوطن.
دين براون صار رمزاً لخوف المسيحيين من أن يكونوا مطروحين على الهجرة. والكلام اليوم عن العراق صار رمزاً لخوف الشيعة من أن يصبحوا مطروحين على الإبعاد أو الحصار. وبين الرمزين حقيقة لبنانية واحدة: لا أحد يستطيع إخراج أحد من لبنان من دون أن يُخرج لبنان من نفسه.
لبنان ليس وطناً للأقوى وحده، ولا للأكثر عدداً، ولا للأكثر سلاحاً، ولا للأقرب إلى الخارج. لبنان وطن الشراكة الصعبة. وكل مشروع يريد تحويله إلى وطن لون واحد هو مشروع حرب، حتى لو رفع شعار الإنقاذ. وكل خطاب يفرح باحتمال رحيل طائفة هو خطاب انتحاري، حتى لو تزيّن بلغة السيادة. فسيادة لبنان لا تُبنى على أنقاض جماعة لبنانية، بل على حصر السلاح بالدولة، واستعادة القرار الوطني، وحماية كل مواطن من الحاجة إلى طائفته كي يشعر بالأمان.
الخلاصة واضحة: حينها لم يرحل المسيحيون، واليوم لن يرحل الشيعة. قد تسقط أحزاب، وقد تتبدل موازين، وقد تنكسر مشاريع، وقد تُفتح تسويات، وقد يدفع الناس أثماناً قاسية، لكن الطوائف المؤسسة لا تُشحن بالسفن ولا بالحافلات ولا بالطائرات. لبنان لا يُحكم بالغلبة، ولا يُنقذ بالإلغاء، ولا يستقر بالخوف. لبنان يبقى فقط حين يفهم أبناؤه أن الشراكة ليست مجاملة سياسية، بل شرط الوجود، وأن الدولة لا تولد من هزيمة طائفة، بل من عودة الجميع إلى سقف واحد، وسلاح واحد، وقرار واحد، ووطن واحد.



