أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
كتب أسامة وهبي عبر صفحته للتواصل الإجتماعي : “هيدا الشتلة اسمو علي سبيتي، عمل سرد تاريخي من ١٩٦٧ لليوم(مبين قاري)، وقال انو لبنان عرف أربع مقاومات هني: المقاو.مة الفلسطينية، المقاو.مة المسيحية، أفواج المقاو.مة اللبنانية(امل)، والمقاو.مة الإسلامية(حزباللله)، وقال إنو ثلاث مقاومات منن اصطدمت مع الدولة ومع الجيش وكل مرة كانت تخسر الدولة، ما عدا المقاو.مة الإسلامية، لأن حزبالله هو الأذكى، وقال: صار في احتكاكات بين حزبالله والجيش من ١٩٩٣ لليوم، بس ولا مرة قاتل الجيش.
المشكلة إنو الدكتور علي سبيتي ماسح من مخو تجربة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية #جمول، لأنو بيشتغل مسّيح جوخ عند الثنائي الشيعي!!! هو اكيد بيعرفا منيح لهالتجربة المشرّفة، بس لأنو منافق وعندو ميول سياسية مقنعة، ولأنو طائفي حتى النخاع، حاول يطمس اشرف وانبل مقاو.مة عرفها لبنان، وهيدي المقاو.مة الوطنية لم تحتك بالجيش ولم تقاتله، ولم يخرج من صفوفها عميل واحد، كانت مهمتها الأسياسية هي مقاو.مة المحتل وتحرير الأرض. تنكرك لهذه المقاو.مة لا يضيرها بشيء، بل يكشف حقدك وطائفيتك ووضاعة مهمتك.”
المسألة هنا ليست تفصيلاً تاريخياً سقط سهواً من نقاش تلفزيوني أو من سردية سياسية مرتجلة. حذف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، أو المرور فوقها كأنها لم تكن، هو جزء من معركة أعمق على الذاكرة اللبنانية. فهذه الجبهة لم تكن هامشاً في تاريخ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، بل كانت واحدة من أوضح التجارب الوطنية العابرة للطوائف والمناطق، وواحدة من أكثر التجارب إزعاجاً لكل من يريد اختصار المقاومة بهوية مذهبية واحدة وبسلاح واحد وبحزب واحد.
وأهم نموذج قدّمته جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ومعها الحزب الشيوعي اللبناني، لم يكن فقط وطنيتها أو تنوّعها أو شجاعتها في مواجهة الاحتلال. النموذج الأهم أنها قاومت لتحرير الأرض كي تقوم عليها دولة، لا كي تلغي دور الدولة. قاتلت الاحتلال من موقع وطني، ثم سلّمت سلاحها للدولة، ولم تحوّل السلاح إلى امتياز دائم، ولا إلى سلطة موازية، ولا إلى حق حصري فوق الدستور والمؤسسات.
وهنا يكمن التناقض الأساسي، لا الثانوي، مع تجربة المقاومة الإسلامية. فالمقاومة الوطنية رأت في تحرير الأرض مدخلاً لاستعادة الدولة، أما المقاومة الإسلامية فتحوّلت تدريجياً إلى قوة تستعمل شعار التحرير لتبرير بقاء السلاح خارج الدولة. الأولى قاومت كي تعود السيادة إلى المؤسسات الشرعية، والثانية أبقت السيادة مجتزأة ومعلّقة على قرار حزب. الأولى لم تطلب من اللبنانيين أن يخضعوا لها لأنها قاومت، والثانية أرادت أن تجعل فعل المقاومة تفويضاً مفتوحاً لإلغاء قرار الدولة.
لهذا تحديداً يتم دائماً حذف “جمّول” من السردية. وجودها يفضح الرواية التي يريدها الثنائي الشيعي. فهي تقول للبنانيين إن المقاومة ليست حكراً على طائفة، ولا على حزب، ولا على بيئة مذهبية، ولا على مشروع إقليمي. تقول إن مقاومة الاحتلال يمكن أن تكون وطنية، مدنية، عابرة للطوائف، وأن تنتهي بتسليم السلاح للدولة لا بتعليق الدولة على السلاح.
ولهذا كان حقد الثنائي على جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية دفيناً. لم يكن المطلوب فقط تجاهل اسمها، بل حذف معناها. وجود “جمّول” يفضحهم لأنها وطنية من كل الوطن لكل الوطن، بينما مقاومتهم الإسلامية طائفية في بنيتها وخطابها ومرجعيتها السياسية. هم يريدون مقاومة تشبههم وتخدم روايتهم، لا مقاومة تكشف أن لبنان عرف نموذجاً آخر: نموذجاً يقاتل المحتل من دون أن يصادر الدولة، ويدفع الشهداء من دون أن يطلب من الناس تسليم قرارهم السياسي والعسكري إلى حزب واحد.
الفارق الجوهري أن جبهة المقاومة الوطنية لم تقل للبنانيين: نحن الطائفة التي تحميكم. قالت عملياً: هذه أرض محتلة، وهذه معركة وطنية. أما المقاومة الإسلامية، كما بناها حزب الله في الوعي السياسي اللبناني، فقد تحولت من مقاومة ضد الاحتلال إلى سلطة فوق الدولة، ومن فعل تحرير إلى ذريعة دائمة لاحتكار قرار الحرب والسلم. وهنا لم يعد النقاش عن “من أطلق النار على الجيش ومن لم يطلق”، بل عن سؤال أخطر: من ألغى الدولة؟ ومن جعل الجيش مؤسسة ثانوية أمام قرار عسكري لا يخضع لمجلس وزراء ولا لقيادة وطنية جامعة؟
القول إن المقاومة الإسلامية لم تصطدم بالجيش نظرية ناقصة وفاشلة سياسياً، حتى لو جرى تسويقها بذكاء. فالصدام مع الدولة لا يكون فقط بإطلاق النار على الجيش. الصدام الأكبر هو أن تفرض على الدولة حدود دورها، وأن تمنعها من احتكار السلاح، وأن تجعل قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها. قد لا تطلق النار على الجيش، لكنك تسلبه وظيفته حين تمنعه من أن يكون صاحب القرار العسكري الأخير. قد لا تخوض حرباً مباشرة مع الدولة، لكنك تلغيها حين تقرر عنها متى تشتعل الحرب ومتى تنتهي، ومتى تفاوض ومتى تصمت.
بهذا المعنى، فإن حزب الله لم يكن “أذكى” لأنه لم يخض حرباً مباشرة مع الجيش؛ بل لأنه وجد صيغة أخطر: أن يبقي الجيش موجوداً، لكن بلا قرار نهائي في القضايا المصيرية. أن تبقى الدولة قائمة بالشكل، لكن منزوعة السيادة في الجوهر. أن يبقى مجلس الوزراء مجتمعاً، لكن قرار الحرب والسلم يُتخذ خارجه. هذه ليست علاقة صحية بين مقاومة ودولة، بل علاقة هيمنة مقنّعة بين قوة مسلحة ومؤسسات عاجزة.
ولا يمكن القفز فوق محطة 7 أيار 2008، لأنها كشفت أن السلاح الذي قيل إنه مخصص لمواجهة إسرائيل يمكن أن يُستخدم في الداخل عندما يشعر الحزب أن بنيته الأمنية أو السياسية مهددة. يومها لم تكن المشكلة فقط في الشارع والسلاح والاشتباكات، بل في الرسالة السياسية: هناك قوة قادرة على فرض قرارها بالقوة متى اعتبرت أن الدولة اقتربت من مناطق نفوذها. هذا وحده يكفي لإسقاط نظرية “عدم الصدام مع الدولة”.
العيب، إذاً، ليس عيب من قال هذا الكلام وحده. العيب أيضاً على من كان يحاوره ولم يوقفه عند هذه الفجوة الفاضحة. كيف يمرّ سرد تاريخي عن المقاومات في لبنان من دون ذكر جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية؟ كيف يُسمح بتعداد مقاومات لبنان وكأن “جمّول” لم توجد، وكأن شهداءها وأسراها وعملياتها وتضحياتها تفصيل زائد؟ هذا ليس نقاشاً بريئاً، بل إعادة كتابة للتاريخ وفق ميزان القوة الحالي.
المطلوب ليس تقديس أي تجربة ولا منع النقد عنها. “جمّول” كأي تجربة سياسية وعسكرية قابلة للنقاش والمراجعة. لكن شطبها شيء آخر. شطبها يعني شطب فكرة أن المقاومة يمكن أن تكون وطنية، علمانية، عابرة للطوائف، وغير تابعة لمنطق الغلبة المذهبية. شطبها يعني تكريس رواية تقول إن المقاومة لا تكون مقاومة إلا إذا مرّت عبر الثنائية الشيعية، وإلا إذا حملت الختم العقائدي والسياسي نفسه.
هنا تكمن الخطورة: حين تتحول المقاومة من فعل وطني إلى ملكية حزبية، ومن ذاكرة جامعة إلى ذاكرة انتقائية، ومن مواجهة للاحتلال إلى أداة داخلية لإخضاع الدولة والمجتمع. جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تزعجهم لأنها تذكّر اللبنانيين بأن مقاومة إسرائيل لم تبدأ بهم، ولم تكن حكراً عليهم، ولا يحق لهم أن يصادروا تاريخها أو يمحوا من سبقهم إليها.
لذلك يجب قولها بوضوح: نعم، هناك محاولة دائمة لحذف تاريخ جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، لأن وجودها يكسر احتكار الرواية. نعم، هناك حقد دفين عليها لأنها وطنية من كل الوطن لكل الوطن. ونعم، المشكلة ليست في ذاكرة شخص واحد، بل في منظومة سياسية وإعلامية تريد أن تجعل اللبنانيين ينسون أن المقاومة، قبل أن تصبح طائفية ومسلحة فوق الدولة، كانت في لحظة من لحظاتها مشروعاً وطنياً جامعاً لتحرير الأرض لا لإلغاء الدولة.



