السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

القضية المركزية — عندما أصاب اليسار بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧الحلقة الثالثة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم

– مناخ النشوة القومية وتسوية الأنظمة مع موسكو

أفرزت نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ موجةً من النهضة القومية العربية، برز فيها الزعيم المصري جمال عبد الناصر نجماً سياسياً لامعاً في سماء العالمين العربي والثالث. لم تكن كاريزمته وحدها كافية لتفسير هذا الصعود المدوّي؛ فقد أضافت إليها خطوات بنيوية جريئة، في مقدّمتها تأميم قناة السويس الذي أعاد للمصريين كبرياءهم ووضع اسم ناصر على كل شفة ولسان من المحيط إلى الخليج. ثم جاء فشل العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ ليُضاف إلى سجلّه انتصاراً سياسياً، قبل أن تُتوَّج مسيرته ببناء السد العالي وتوزيع الأراضي على الفلاحين، فيتحوّل من زعيم إقليمي إلى شخصية تاريخية ذائعة الصيت.

غذّت هذه التطورات التقارب المصري السوفياتي وسرّعت نموّه، وقام هذا التقارب على تسوية براغماتية صارمة: تحالف دولي ضد المعسكر الغربي في مقابل غضّ موسكو الطرف عن طبيعة الأنظمة الداخلية وممارساتها القمعية. وسرعان ما تصدّعت القوى اليسارية والأحزاب الشيوعية العربية تحت وطأة هذه التسوية، إذ دفعت ثمنها الأثقل في مواجهة أنظمة آثرت الاستبداد شعاراً والقمع أداةً.

– حرب حزيران — الهزيمة التي غيّرت التاريخ

في عزّ هذه النشوة القومية، اندلعت حرب حزيران/يونيو ١٩٦٧، فأطفأت جذوتها في لحظة واحدة. تصاعدت التوترات إثر خطوات عسكرية مصرية متسارعة ومتسرعة، أُرسلت الدبابات إلى الجبهة في عرض مهيب عبر شوارع القاهرة، وطُردت قوات الأمم المتحدة من سيناء، وأُغلق مضيق تيران خانقاً ميناء إيلات، المنفذَ الوحيد لإسرائيل نحو أفريقيا وآسيا. وفي خطاب متحدٍّ، أعلن ناصر: “إذا أرادت إسرائيل الحرب، فأهلاً وسهلاً”. بدا أنه يراهن على الردع دون الحرب، فخسر الرهانين معاً.

في الخامس من يونيو، شنّت إسرائيل هجوماً جوياً مباغتاً دمّر الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري أرضاً قبل أن يُقلع، ثم طالت الضربةُ ذاتُها السلاحين الجويين الأردني والسوري في اليوم نفسه. انهار التوازن العسكري في ساعات، وفي ستة أيام لا أكثر، سيطرت إسرائيل على سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان. كانت الخسارة كارثية. في حرب دامت أسبوعاً واحداً، خسرت القومية العربية ما بنته في عقدين.

وُلدت في أعقاب الهزيمة مقولة إنّ “العرب خسروا الأرض لكنهم ربحوا القضية”، وهي خديعة الأنظمة المهزومة، إذ لم يعنِ “ربح القضية” في قاموسها سوى بقائها في السلطة. وأطلقت على كارثتها اسم “النكسة”، تخفيفاً للوقع وتهرّباً من المحاسبة، كما برز الشعار الذي ما يزال حتى اليوم: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وباسمه كُمَّت الأفواه وصودرت الحريات وامتلأت السجون بأصحاب الرأي الآخر، عدا عن توزيع التُهم بالعمالة والصهينة لكل رأي مخالف. غير أن مأساة غزة والضفة الغربية الممتدة حتى اليوم تعود جذورها إلى تلك الحرب، ومرتكبوها لا يزالون خارج دائرة النقد والمساءلة.

في أحد أكثر مشاهد التاريخ العربي الحديث درامية، ظهر ناصر على شاشة التلفزيون المصري وأعلن استقالته متحمّلاً المسؤولية الكاملة. في الساعات التالية، خرج الملايين إلى الشوارع باكين مطالبين ببقائه، في مشهد جمع الصدمة والحزن وعجز الجماهير عن تخيّل مصر دونه. تراجع الزعيم المصري عن استقالته في اليوم التالي.

– تداعيات الهزيمة وانقلاب الأولويات

غيّرت هزيمة حزيران مجرى التاريخ العربي من بعد الحرب العالمية الثانية وأثّرت في مناحيه كافة. اعتلت القضية الفلسطينية مكانة مركزية من نوع جديد، وطُرحت مقولة الكفاح المسلح بديلاً عن الجيوش النظامية التي هُزمت مرتين خلال عقدين. وجرى فرز حادّ في الحركات السياسية، أبرزه التحوّل الذي اجتاح حركة القوميين العرب، إذ اتجهت نخبها نحو تبنّي الفكر الماركسي اللينيني: من عبد الفتاح إسماعيل في اليمن إلى محسن إبراهيم ومحمد كشلي في لبنان، مروراً بجورج حبش ونايف حواتمة في فلسطين. وجاء هذا المناخ الجديد ليحسم الصراع الفكري داخل اليسار اللبناني وعموده الفقري الحزب الشيوعي اللبناني، وقد لمع اسم جورج حاوي كأبرز اسم في أهم عملية تغيير في تيار اليسار اللبناني والعربي، ويعود له ولرفاقه، ما أُطلق عليهم تيار الشباب، الفضل في تحديد أسس القضية المركزية وفي نشرها وصياغتها وبلورتها في برامج وأطر شملت القطاعات الشعبية المختلفة.

– تحديد القضية المركزية — الإسهام الأعمق لليسار اللبناني

لم يقتصر انعكاس حرب حزيران على اليسار اللبناني في إعادة رسم أطره التنظيمية وتصحيحها، بل تجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأبعد أثراً: تحقيق استقلالية نسبية عن المرجعية السوفياتية، وبخاصة تحديد القضية المركزية للشيوعيين اللبنانيين تحديداً دقيقاً ومؤسِّساً، بعد عشرين عاماً من النضال دون قضية رئيسية دفع الشيوعيون أثماناً باهضة لهذا الإخفاق الذي امتد منذ النكبة حتى الهزيمة.

قام هذا التحديد على اعتبار أن القضية الفلسطينية قضيةٌ قومية ووطنية لبنانية في آن، وعلى تلازم النضال معها مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية اللبنانية، وضمن النضال الديمقراطي العام من أجل الإصلاح والتغيير الديمقراطي في النظام اللبناني.

أشعل هذا التحديد صراعاً فكرياً وسياسياً واسعاً في أرجاء الساحة اللبنانية. وداخل اليسار نفسه، تفاعل نقاش جوهري بين ما يمكن تسميته اليسار الحقيقي واليسار المغامر، فبينما رفع فريق راية الكفاح المسلح سبيلاً وحيداً لتحرير التراب الفلسطيني ووسيلةً حصرية للتغيير الثوري في لبنان، رأى الشيوعيون اللبنانيون أن اعتماد كافة أساليب النضال ممكن ومشروع، بما فيها الكفاح المسلح والردّ على العنف الرجعي بالعنف الثوري، دون تحويل أيٍّ منها إلى صنم مقدّس.

– القضية المركزية ونهضة اليسار اللبناني

أفرز التلازمُ بين القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية لبنانية والقضيةِ الاجتماعية ومطالب الإصلاح الديمقراطي نهضةً يسارية عارمة، اخترقت كافة المناطق والفئات في المدينة والريف. تمحورت هذه النهضة حول التحالف الاشتراكي الشيوعي بقوى واضحة الملامح وواسعة التمثيل. في المقابل، بدا اليمين اللبناني متشتتاً متعدد الاتجاهات، إذ لم يكن حزب الكتائب بعدُ حزباً شعبياً جامعاً، وتوزّع التمثيل اليميني على حركة الوعي وسواها من النخب المسيحية.

في هذا الفراغ، اكتشف حزب الكتائب قضيته المركزية، فرفع لواء العداء للوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، واصفاً إياه باحتلال الأرض اللبنانية، ومُشهراً سلاح تخويف المسيحيين لتعزيز نفوذه، وقد نجح بذلك. هكذا تبلورت معادلة الصراع وتحدّد مسارها، ففي مواجهة القضية المركزية لليسار، أقامت القضيةُ المركزية لليمين خندقها المضاد.

– في مسألة المسؤولية

يستدعي الحديث عن مسؤولية القوى السياسية في اندلاع الحرب الأهلية، ولا سيما مسؤولية اليسار، البدءَ بتحديد طبيعة المرحلة تحديداً دقيقاً. لم يكن الوجود الفلسطيني المسلح بموجب اتفاق القاهرة معزولاً عن سياقه؛ فقد التقت حوله عوامل موضوعية ثقيلة: عمق القضية الفلسطينية في الوجدان اللبناني، وهشاشة الكيان اللبناني الذي لم يتجاوز عقوداً قليلة على قيامه واستقلاله، فضلاً عن الخلل البنيوي العميق في تركيبته. وأيّ قوة آثرت العزل عن هذا المسار الشعبي الجارف لم تكن لتظفر سوى بالتهميش، وكلام يُسجَّل للتاريخ دون أن يصنع أثراً يُذكر.

بيد أن الأجدى اليوم النظر إلى هذه التجربة من زاوية مختلفة، قد لا تكتفي بإدانة قوى تلك المرحلة التي انخرطت جماهيرها انخراطاً واسعاً وطوعياً في الحرب، بل باستخلاص ما كشفه فشل الكفاح المسلح وسيلةً للتغيير، وتداعيات ثقل الوجود الفلسطيني على بلد صغير بحجم لبنان، وما أبانه دمار الحرب من خطر على المجتمع وعلى مسيرة بناء الدولة، حتى لا تتكرر.

غير أن تحديد اليسار والشيوعيين قضيتَهم المركزية في تلك المرحلة أسهم إسهاماً حقيقياً في ترسيخ الوطنية اللبنانية وتعميق مفهومها في الوعي الشعبي. تجلّى ذلك في البرنامج المرحلي للحركة الوطنية، وفي بناء أطر ديمقراطية ونقابية امتدت لتشمل قطاعات واسعة وفئات متنوعة، صمدت رغم قسوة الحرب وأهوالها، ورغم التآمر الدولي المتعدد الأطراف والتناقضات العربية وتداعياتها المتشابكة، وفي مقدّمتها التناقض السوري الفلسطيني الذي رسم مصير المرحلة بأسرها.

ينبغي القول إن هذه الحلقة لا تضع أمامها مهمةَ أرشفة مرحلةٍ من أعقد مراحل الوضع اللبناني، ولا تنبري في الوقت ذاته لتقييم مرحلة الحرب اللبنانية، إنما تسعى إلى تحديد كيفية اكتشاف القضية المحورية لليسار في كل مفصل من مفاصل الحياة السياسية؛ وعليه، فإنه حيث تمكّن من تحديدها نجح، وحيث أخفق خسر.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مأزق السلاح الإيراني في لبنان!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم شهد لبنان، منذ هزيمة حزيران عام 1967، تعاقب عدة...

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...