أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليست ذكرى الانتصار على الفاشية ودخول الجيش الأحمر برلين في أيار/مايو 1945 ذكرى عسكرية فقط، ولا حدثاً ينتمي إلى أرشيف الحرب العالمية الثانية وحده. إنها لحظة فكرية كبرى تكشف أن الفاشية ليست حادثاً طارئاً في التاريخ، بل احتمالاً دائماً داخل المجتمعات المأزومة، يظهر حين تتراجع العدالة، وتضعف السياسة، ويُعاد توجيه غضب الجماهير من مواجهة الاستغلال إلى كراهية الضعفاء والمختلفين.
معركة برلين، التي انتهت بسقوط العاصمة النازية في 2 أيار/مايو 1945، وانتحار هتلر في 30 نيسان/أبريل، ثم الاستسلام الألماني غير المشروط في 7 و9 أيار/مايو، لم تكن نهاية حرب فقط؛ كانت سقوطاً رمزياً لمشروع أراد تحويل العالم إلى هرم عنصري وعسكري قائم على الإبادة والسيطرة. لكن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً ليس: كيف سقطت الفاشية؟ بل: لماذا وُلدت أصلاً؟ ولماذا تعود اليوم بأسماء جديدة، ووجوه ناعمة، وخطاب انتخابي وإعلامي ورقمي يخفي جوهرها القديم؟
أولاً: الفاشية ليست جنوناً، بل عقل الأزمة
الفاشية لا تظهر من فراغ. إنها ليست مجرد طاغية مجنون، ولا مجرد جمهور غاضب، ولا مجرد حزب متطرف. إنها، في التحليل الماركسي، شكل من أشكال إدارة الأزمة حين تعجز الطبقات الحاكمة عن الحكم بالوسائل التقليدية.
في التحليل الماركسي الكلاسيكي، قدّم جورجي ديمتروف واحدة من أكثر الصياغات حدة للفاشية، حين رآها شكلاً إرهابياً مكشوفاً من سلطة رأس المال المالي في لحظة الأزمة. أهمية ديمتروف هنا أنه نقل النقاش من الأخلاق إلى البنية: الفاشية ليست فقط كراهية، بل كراهية منظمة تخدم مصالح طبقية محددة.
لكن هذا لا يعني أن الفاشية مجرّد أداة ميكانيكية بيد رأس المال. نيكوس بولانتزاس عمّق التحليل حين رأى أن الفاشية تنشأ من أزمة سياسية تمسّ المجتمع الرأسمالي كله: أزمة تمثيل، أزمة هيمنة، أزمة دولة، وأزمة طبقات وسطى خائفة من السقوط الاجتماعي. لذلك لا تنتصر الفاشية لأنها تعبّر فقط عن قوة الطبقات العليا، بل لأنها تنجح في تنظيم خوف الطبقات الوسطى وغضب الفئات الشعبية في مشروع رجعي.
وهنا نصل إلى أول درس من برلين: لا تُهزم الفاشية إذا نظرنا إليها كمرض أخلاقي فقط. إنها مرض اجتماعي وسياسي واقتصادي. من يلعن الفاشية ولا يواجه البطالة، والإذلال الطبقي، والعنصرية، والاستعمار، واحتكار الثروة، يترك جذورها حية تحت الرماد.
ثانياً: الجيش الأحمر وبرلين: الذاكرة بوصفها صراعاً
حين دخل الجيش الأحمر برلين، لم يكن يدخل مدينة عادية؛ كان يدخل مركز المشروع النازي الذي أراد إخضاع أوروبا والعالم بمنطق العرق والقوة والإبادة. لا يمكن فهم سقوط برلين من دون التذكير بالدور الحاسم للاتحاد السوفيتي في هزيمة النازية، منذ معارك موسكو وستالينغراد وكورسك وصولاً إلى برلين. وقد كانت الجبهة الشرقية المسرح الأكثر دموية وحسماً في الحرب ضد ألمانيا النازية.
لكن الذاكرة الحقيقية ليست تمثالاً جامداً. علينا أن نرفض أمرين معاً: محو الدور السوفيتي في هزيمة النازية، وتحويل هذا الدور إلى أسطورة قومية مغلقة. النصر على الفاشية كان نصراً للشعوب، للعمال، للفلاحين، للمقاومين، للجنود، للنساء، للمحاصرين، ولضحايا آلة الإبادة. إنه انتصار أممي قبل أن يكون انتصار دولة واحدة.
والدرس هنا أن الذاكرة نفسها ميدان صراع. الفاشيون الجدد لا يبدأون دائماً بمدح هتلر أو موسوليني؛ يبدأون غالباً بتشويه معنى الحرب، ومساواة الجلاد بالضحية، وتحويل معاداة الفاشية إلى “رأي متطرف”، ثم تقديم القومية العدوانية كأنها دفاع بريء عن الهوية.
ثالثاً: الفاشيون الجدد لا يلبسون القميص الأسود دائماً
الفاشي الجديد لا يحتاج بالضرورة إلى شارة صليب معقوف أو تحية نازية. قد يظهر ببدلة أنيقة، أو عبر شاشة تلفزيون، أو في منصة رقمية، أو في حزب يدّعي حماية “الشعب”، أو في خطاب يزعم الدفاع عن “الأمن”، أو في حملة ضد اللاجئين، أو في دعوة إلى “استعادة العظمة”.
لذلك تبدو أطروحة أمبرتو إيكو عن “الفاشية الأبدية” شديدة الراهنية؛ فهي لا تبحث عن تكرار حرفي لموسوليني أو هتلر، بل عن العلامات التي تسمح للمنطق الفاشي بالعودة تحت أسماء جديدة: عبادة التقليد، رفض النقد، الخوف من الاختلاف، الهوس بالمؤامرة، تمجيد القوة، احتقار الضعف، والشعبوية التي تدّعي أن الزعيم وحده يجسّد إرادة الشعب.
أما روبرت باكستون فيساعدنا على فهم أن الفاشية ليست فكرة فقط، بل مسار. تبدأ كحركة، ثم تتجذر في النظام السياسي، ثم تتحالف مع قوى محافظة، ثم تصل إلى السلطة، ثم تمارس الحكم عبر العنف والتطهير والتعبئة. لذلك لا ينبغي انتظار معسكرات الاعتقال كي نقول إن الخطر فاشي؛ فالخطر يبدأ حين يصبح التحريض على المختلف سياسة يومية.
إن الفاشيين الجدد يتجنبون غالباً اللغة القديمة. لا يقولون صراحة: نحن عنصريون. يقولون: نحن نحمي الهوية. لا يقولون: نحن ضد الفقراء. يقولون: الفقراء الغرباء يأخذون حقوقكم. لا يقولون: نحن ضد الديمقراطية. يقولون: الديمقراطية خُطفت من النخب، والزعيم وحده يعيدها إلى الشعب. لا يقولون: نريد العنف. يقولون: نريد النظام.
هنا تكمن خطورتهم: إنهم لا يعلنون الفاشية كهوية، بل يمارسونها كمنهج.
رابعاً: لماذا تتجدد الفاشية بشكل مخفي؟
تتجدد الفاشية اليوم لأنها وجدت شروطاً جديدة للاختباء. لم تعد تحتاج دائماً إلى انقلاب عسكري أو حزب ميليشياوي واضح؛ يكفيها أن تتسلل عبر الإعلام، الخوارزميات، الانتخابات، الخوف الاقتصادي، الحنين القومي، ونظريات المؤامرة.
هناك ستة أسباب رئيسية لعودتها المقنّعة:
الأول: أزمة الرأسمالية النيوليبرالية. حين يشعر الإنسان أنه وحيد أمام السوق، بلا حماية اجتماعية، وبلا نقابة، وبلا أفق، يصبح أكثر قابلية لتصديق خطاب يقول له: عدوك ليس من يستغلك، بل من ينافسك على الفتات.
الثاني: انهيار الثقة بالديمقراطية التمثيلية. حين تتحول السياسة إلى إدارة تقنية لمصالح الأقوياء، يظهر الزعيم الشعبوي بوصفه “صوت الشعب”، بينما هو غالباً يعيد إنتاج سلطة رأس المال والشرطة والإعلام.
الثالث: الخوف من الهجرة والتعددية. الفاشية الجديدة تستثمر في القلق الثقافي. إنها تقول للأغلبية الخائفة: أنت مهدد في لغتك، دينك، لونك، جنسك، عائلتك، وتاريخك. ثم تعرض عليها الخلاص عبر الكراهية.
الرابع: الاقتصاد الرقمي للكراهية. المنصات لا تصنع الفاشية وحدها، لكنها تسرّع انتشارها. الغضب ينتشر أسرع من التحليل، والصورة أقوى من الحجة، والفضيحة أربح من الحقيقة.
الخامس: هزيمة البدائل الجماعية. حين تضعف الأحزاب اليسارية، والنقابات، والحركات الاجتماعية، لا يختفي الغضب الشعبي؛ بل يبحث عن وعاء آخر. وهنا تتقدم الفاشية الجديدة لتقول للناس: لن أحرركم من الاستغلال، لكنني سأمنحكم عدواً تكرهونه.
السادس: تجميل الفاشية لغوياً. لم تعد تسمّي نفسها فاشية. تسمّي نفسها “وطنية”، “سيادية”، “محافظة”، “ضد العولمة”، “ضد النخب”، “ضد الفساد”، “حامية للعائلة”، “حامية للحضارة”. المشكلة ليست في هذه الكلمات بذاتها، بل في استخدامها لإخفاء مشروع إقصائي وعدواني.
إنزو ترافيرسو يقدّم مفهوماً مهماً هنا: كثير من حركات اليمين المتطرف المعاصرة ليست فاشية كلاسيكية مكتملة، لكنها تحمل صلات عائلية بالفاشية القديمة وتعمل داخل شروط جديدة؛ لذلك يسميها “ما بعد فاشية” أو “الوجوه الجديدة للفاشية”. هذا المفهوم مهم لأنه يمنعنا من خطأين: المبالغة التي ترى هتلر في كل يميني، والسذاجة التي لا ترى الخطر إلا إذا عاد هتلر نفسه.
خامساً: الفاشية تصنع جماهيرها نفسياً أيضاً
الفاشية لا تخاطب العقل فقط؛ إنها تخاطب الجرح. تعد المهزومين بالانتقام، والخائفين بالأمان، والمنعزلين بالانتماء، والمهمشين بشعور زائف بالتفوق.
فيلهلم رايش رأى أن الفاشية لا تُفهم اقتصادياً فقط، بل نفسياً أيضاً. حاول تفسير كيف تتحول البنية السلطوية داخل الأسرة والمجتمع إلى قابلية للخضوع للزعيم، وكيف يصبح الإنسان المقهور مستعداً للدفاع عن السلطة التي تقهره.
ثيودور أدورنو حلّل الدعاية الفاشية بوصفها تقنية نفسية تقوم على التماهي مع الزعيم، وتوجيه العدوان نحو ضحايا أضعف، وتحويل الخوف الداخلي إلى طاعة خارجية.
حنة أرندت شددت على أن الشمولية تجد أرضاً خصبة حين يشعر الأفراد بالعزلة والاقتلاع وفقدان الانتماء إلى عالم مشترك. ليست الوحدة وحدها هي المشكلة، بل الشعور بأن العالم تخلى عن الإنسان.
لهذا لا يكفي أن نرد على الفاشية الجديدة بالمعلومات فقط. يجب أن نفهم لماذا يحتاج بعض الناس إلى تصديقها. الفاشية تمنح معنى زائفاً لحياة محطمة. تمنح جمهورها شعوراً بأنه جزء من معركة كونية، وأن بؤسه ليس نتيجة نظام اقتصادي، بل نتيجة خيانة أو مؤامرة أو غزو ثقافي.
سادساً: الفاشية والجمال الكاذب للعنف
والتر بنيامين قدّم واحدة من أعمق العبارات عن الفاشية حين رأى أنها “تجمّل السياسة”: تمنح الجماهير فرصة التعبير، لكنها لا تمنحها حق تغيير علاقات الملكية. الفاشية تسمح للناس بالصراخ، بالاستعراض، بالمسيرات، بالرموز، بالرايات، لكنها لا تسمح لهم بمسّ البنية التي تنتج فقرهم.
هذه الفكرة ضرورية اليوم. الفاشية الجديدة تحب المشهد: مقاطع قصيرة، خطابات نارية، صور زعيم، موسيقى حماسية، لغة حرب، جموع غاضبة، وحنين إلى ماضٍ متخيّل. إنها تعطي الإنسان المقهور مسرحاً لا سلطة، وصوتاً لا حقاً، وهوية لا خبزاً.
ولهذا فإن مناهضة الفاشية لا تكون فقط بكشف عنصريتها، بل بكشف خدعتها الكبرى: إنها لا تحرر الجماهير، بل تستعمل آلامها لحماية النظام الذي أنتج تلك الآلام.
سابعاً: غرامشي والفاشية كأزمة هيمنة
أنطونيو غرامشي يساعدنا على فهم لحظة ولادة الوحوش السياسية. العبارة الشائعة المنسوبة إليه عن “زمن الوحوش” منتشرة بصيغ متعددة، والأدق أن غرامشي تحدث عن مرحلة يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد، فتظهر “أعراض مرضية” متنوعة. جوهر الفكرة مرتبط بتحليله للأزمة والهيمنة.
الفاشية، من هذا المنظور، تظهر حين تفقد الطبقات الحاكمة قدرتها على القيادة بالإقناع، فتنتقل أكثر فأكثر إلى القيادة بالخوف. لكنها لا تكتفي بالقمع؛ إنها تصنع ثقافة كاملة: صحافة، تعليم، رموز، ذاكرة، أخلاق، أعداء، وأوهام.
الفاشيون الجدد فهموا غرامشي بطريقتهم المعكوسة. لذلك يخوضون حرباً ثقافية طويلة: ضد الجامعات، ضد المثقفين، ضد النسوية، ضد المهاجرين، ضد اليسار، ضد الصحافة، ضد الفنون النقدية. إنهم يعرفون أن السيطرة على الدولة تبدأ غالباً بالسيطرة على المخيلة.
ثامناً: من هو الفاشي الجديد؟
الفاشي الجديد ليس بالضرورة من يعلن إعجابه بالنازية. قد يكون من يكرر هذه البنى:
يرى الأمة جسداً نقياً مهدداً بالتلوث.
يؤمن أن الزعيم فوق المؤسسات.
يعتبر المعارضين خونة لا خصوماً.
يحوّل الفقراء إلى مشكلة أمنية.
يجعل من المهاجر أو اللاجئ أو الأقلية سبباً لكل أزمة.
يكره المثقف لأنه يعقّد الصورة.
يكره النقابة لأنها تنظم الغضب طبقياً.
يكره المرأة الحرة لأنها تكسر السلطة الأبوية.
يكره الذاكرة لأنها تفضح الماضي.
يكره الحقيقة لأنها تحدّ من سلطة الأسطورة.
الفاشي الجديد قد يتحدث بلغة الديمقراطية، لكنه يفرغها من مضمونها. يريد انتخابات بلا مساواة، ودولة بلا حقوق، وشعباً بلا تنوع، وأمناً بلا حرية، وتاريخاً بلا ضحايا.
تاسعاً: الفاشية كتحالف بين السوق والخوف
فرانز نيومان، في كتابه عن النازية “بهيموث”، حلّل ألمانيا النازية لا كدولة عقلانية قوية فقط، بل كبنية عنف ومصالح متصارعة بين الحزب والجيش والبيروقراطية ورأس المال، حيث تتعايش الفوضى المنظمة مع الإرهاب. أهميته أنه يكشف أن الفاشية لا تلغي المصالح الاقتصادية؛ بل تعيد توزيع العنف لخدمتها.
إرنست بلوخ أشار إلى أن الفاشية تستثمر بقايا الأزمنة القديمة داخل الحاضر الحديث: الأسطورة، الريف المتخيل، الأب الصارم، الأمة العضوية، الحنين إلى نقاء لم يوجد قط. وهذا يفسر لماذا تستخدم الفاشية الجديدة أحدث التقنيات الرقمية كي تنشر أقدم الخرافات السياسية.
الفاشية الجديدة، بهذا المعنى، ليست ضد الحداثة كلها. إنها ضد الحداثة التحررية فقط. تستخدم السوق، والتكنولوجيا، والإعلانات، والخوارزميات، لكنها تكره المساواة، والعقل النقدي، وحقوق الإنسان، والأممية، والتحرر الاجتماعي.
عاشراً: ما الدرس العملي من ذكرى برلين؟
الدرس ليس أن نكتفي بالاحتفال بالماضي. الدرس أن نقرأ الحاضر بعين يقظة. دخول الجيش الأحمر برلين يقول لنا إن الفاشية يمكن أن تُهزم، لكنه يقول أيضاً إن تأخر مواجهتها يكلّف البشرية أنهاراً من الدم.
مناهضة الفاشية اليوم يجب أن تكون في خمسة مستويات:
أولاً، مستوى الذاكرة: الدفاع عن حقيقة ما جرى، ضد التزوير والمساواة بين الضحية والجلاد.
ثانياً، مستوى العدالة الاجتماعية: لأن الفقر والإذلال والبطالة وقود قابل للاشتعال بيد اليمين المتطرف.
ثالثاً، مستوى الثقافة: لأن الفاشية تبدأ غالباً بتطبيع كلمات الكراهية قبل أن تتحول إلى قوانين ومعتقلات.
رابعاً، مستوى التنظيم الشعبي: لأن الغضب غير المنظم تختطفه الرجعية، بينما الغضب المنظم يمكن أن يصبح قوة تحرير.
خامساً، مستوى الأممية: لأن الفاشية قومية في خطابها، لكنها عالمية في عدواها. ولا تُهزم قومية الكراهية إلا بتضامن الشعوب.
هل كان ستالين، في أعماله، نقيضاً للفاشية؟
يبقى السؤال الصعب: هل كان ستالين، في ممارسته السياسية، نقيضاً للفاشية؟ الجواب يحتاج إلى تمييز دقيق بين مستويين. على المستوى التاريخي والعسكري، لا يمكن إنكار أن الاتحاد السوفيتي بقيادة ستالين كان القوة الحاسمة في كسر النازية، وأن الجيش الأحمر دفع ثمناً بشرياً هائلاً في مواجهة المشروع الهتلري. بهذا المعنى، كان ستالين قائداً لمعسكر قاتل الفاشية وهزمها في واحدة من أعظم معارك القرن العشرين.
لكن على المستوى السياسي والأخلاقي، لا يكفي أن يكون المرء عدواً للفاشية كي يكون نقيضها الكامل. فالنقيض الحقيقي للفاشية ليس فقط من يهزمها عسكرياً، بل من يبني عالماً أكثر حرية وعدلاً وإنسانية. وهنا تظهر المسألة المعقدة: لقد مثّلت التجربة السوفيتية تحت ستالين مشروعاً مناقضاً للفاشية في أساسه الطبقي والأممي والمناهض للنازية والعنصرية، لكنها في الوقت نفسه حملت ممارسات سلطوية قاسية: قمع المعارضة، توسيع جهاز الأمن، المحاكمات السياسية، عبادة الفرد، وتقييد الحريات داخل الحزب والمجتمع.
لذلك، لا يصحّ نظرياً أن نساوي بين الستالينية والفاشية مساواة سهلة؛ فالفاشية قامت على العنصرية البيولوجية، والإمبريالية الإبادية، وتحطيم الحركة العمالية لمصلحة رأس المال والآلة الحربية. أما الستالينية فقد نشأت داخل مشروع اشتراكي أعلن انحيازه للعمال والفلاحين ومناهضة الاستعمار والفاشية. لكن لا يصح أيضاً أن نغضّ النظر عن أن بعض ممارسات الحكم الستاليني ناقضت جوهر التحرر الاشتراكي نفسه، خصوصاً حين تحولت الدولة إلى سلطة فوق المجتمع، والحزب إلى جهاز فوق الطبقة، والقائد إلى رمز فوق النقد.
من هنا، يمكن القول إن ستالين كان نقيضاً للفاشية في موقعه التاريخي ضد النازية، لكنه لم يكن نقيضها الكامل في معنى الحرية السياسية والديمقراطية الاشتراكية. لقد هزم الفاشية كقوة عسكرية، لكنه لم يقدّم دائماً النموذج التحرري الذي يحصّن المجتمع من كل أشكال الاستبداد. والدرس الأعمق هنا أن مناهضة الفاشية لا تكتمل بمجرد هزيمة هتلر أو إسقاط الرايخ، بل تكتمل حين نقاوم كل بنية تجعل الإنسان خاضعاً للخوف، والصمت، وعبادة السلطة، سواء جاءت باسم الأمة أو باسم الثورة.
خاتمة: الفاشية لا تعود من الماضي، بل من فشل الحاضر
إن ذكرى الانتصار على الفاشية ودخول الجيش الأحمر برلين ليست دعوة إلى البكاء على الماضي، بل إلى مساءلة الحاضر. الفاشية لا تعود لأنها قوية دائماً، بل لأنها تجد مجتمعات ضعيفة المناعة: ديمقراطية بلا عدالة، إعلاماً بلا حقيقة، سوقاً بلا رحمة، أفراداً بلا روابط، وغضباً بلا نظرية.
الفاشيون الجدد لا يقولون لنا: نريد إعادة معسكرات الأمس. يقولون: نريد حماية الأمة. لا يقولون: نريد سحق الحرية. يقولون: نريد إنهاء الفوضى. لا يقولون: نريد الحرب. يقولون: نريد استعادة المجد. لذلك يجب ألا ننتظر الاسم القديم كي نرى الجوهر القديم.
لقد سقطت برلين النازية، لكن الفاشية كإمكانية لم تسقط نهائياً. إنها تعود كلما صار الخوف سياسة، وكلما صار الفقير عدواً للفقير، وكلما صارت الأمة بديلاً عن العدالة، وكلما صار الزعيم بديلاً عن الشعب، وكلما صار الحنين بديلاً عن التحرر.
ومن هنا أيضاً تأتي ضرورة النقد المزدوج: أن نحفظ للجيش الأحمر دوره التاريخي في سحق النازية، وأن نرفض في الوقت نفسه تحويل الانتصار إلى عبادة لأي سلطة أو قائد. فمناهضة الفاشية لا تعني استبدال صنم بصنم، ولا تحويل الذاكرة إلى أداة تبرير، بل تعني الدفاع عن الإنسان ضد كل مشروع يسحق حريته وكرامته.
الانتصار الحقيقي على الفاشية لا يكون فقط برفع الرايات فوق عواصمها، بل بتجفيف الشروط التي تلدها: الاستغلال، العنصرية، العزلة، الإذلال، والجهل المنظم. وهذا هو الدرس الأكبر من برلين: أن معركة الفاشية ليست وراءنا بالكامل؛ إنها أمامنا كلما فشلنا في بناء عالم أكثر عدلاً ووعياً وإنسانية.
المراجع الأساسية
- جورجي ديمتروف، الهجوم الفاشي ومهام الأممية الشيوعية، 1935.
- روبرت أو. باكستون، تشريح الفاشية، 2004.
- روبرت أو. باكستون، المراحل الخمس للفاشية، مجلة التاريخ الحديث، 1998.
- أمبرتو إيكو، الفاشية الأبدية / Ur-Fascism، 1995.
- والتر بنيامين، العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنياً، 1936.
- أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن.
- نيكوس بولانتزاس، الفاشية والدكتاتورية، 1970.
- حنة أرندت، أصول الشمولية، 1951.
- فيلهلم رايش، سيكولوجيا الجماهير في الفاشية، 1933.
- ثيودور أدورنو وآخرون، الشخصية السلطوية، 1950.
- ثيودور أدورنو، النظرية الفرويدية ونمط الدعاية الفاشية، 1951.
- فرانز نيومان، بهيموث: بنية وممارسة الاشتراكية القومية 1933–1944، 1942، طبعة موسعة 1944.
- إرنست بلوخ، تراث عصرنا، 1935.
- إنزو ترافيرسو، الوجوه الجديدة للفاشية: الشعبوية واليمين المتطرف، 2019.
- زئيف شتيرنهل، لا يمين ولا يسار: الأيديولوجيا الفاشية في فرنسا، 1983.
- روجر غريفين، طبيعة الفاشية، 1991.
- جيسون ستانلي، كيف تعمل الفاشية: سياسات نحن وهم، 2018.
- كارل بولاني، التحول الكبير، 1944.



