أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
هناك خطأ سياسي وأخلاقي يتكرر في النقاش العربي كلما ارتفع الكلام عن “أولوية الصراع”. يريدون منّا أن نختار بين عدوّ وعدوّ، بين احتلال وهيمنة، بين مشروع استيطاني خارجي ومشروع نفوذ إقليمي، بين إسرائيل وإيران، وكأن العقل العربي لا يستطيع أن يرى الخطرين معاً إلا إذا خان أحد المعسكرين.
لكن الوعي الحر لا يعمل بهذه الطريقة. ليس مطلوباً من العربي أن يغمض عيناً كي يثبت إخلاصه لقضية، ولا أن يصمت عن جريمة كي لا يخدم جريمة أخرى. إسرائيل عدو لأنها مشروع احتلال واستيطان وتفوّق قومي وديني يمارس القتل والتهجير ومصادرة الأرض والحق. وإيران عدو لأنها، تحت شعارات المقاومة، صنعت في أكثر من بلد عربي نفوذاً مسلحاً عابراً للدولة، غذّى الطائفية، وأضعف السيادة، وحوّل مجتمعات عربية إلى ساحات تفاوض وحروب بالوكالة.
المشكلة ليست في النقاش حول الأولويات. فالأولويات تتبدل بحسب اللحظة والمكان والخطر المباشر. المشكلة في تحويل الأولوية إلى أداة ابتزاز: إن قلت إن إيران عدو، اتُّهمت بخدمة إسرائيل. وإن قلت إن إسرائيل عدو، طُلب منك أن تصمت عن إيران. وإن قلت إن الاستبداد العربي عدو ثالث، قيل لك إنك تستورد أفكاراً أوروبية لا تناسب “خصوصيتنا”.
هذه ليست سياسة. هذا تدريب على العمى.
قال جورج أورويل في مزرعة الحيوان: “كل الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها”. وهي عبارة تصلح لوصف كثير من خطاباتنا السياسية: كل الضحايا مهمون، لكن ضحايا معسكري هم وحدهم المهمون. كل الاحتلالات مدانة، لكن احتلال حليفي يمكن تبريره. كل الاستبداد مرفوض، إلا الاستبداد الذي يرفع الشعار الذي أحبّه.
من هنا تبدأ الخيانة الحقيقية: لا من تسمية الأعداء، بل من انتقاء الضحايا.
ليس شرفاً سياسياً أن نكره إسرائيل ونبرّر لإيران. وليس وعياً أن نكره إيران ونطبّع مع إسرائيل. وليس استقلالاً أن نرفض الاثنين ثم نسلّم رقابنا لدكتاتور محلي يقتل شعبه باسم “السيادة” أو “المقاومة” أو “الأمن القومي”. الاستبداد العربي ليس تفصيلاً جانبياً في معادلة الصراع، بل هو أحد أسباب الهزيمة. لأن الشعوب المكسورة في الداخل لا تستطيع أن تنتصر في الخارج، والدولة التي تهين مواطنها لا تستطيع أن تحمي حدودها، والنظام الذي يخاف من رأي الناس أكثر مما يخاف من العدو لا يصنع مقاومة بل يصنع رعايا.
عبد الرحمن الكواكبي لخص ذلك بعبارة قاطعة: “الاستبداد أصل كل فساد”، وورد عنه أيضاً: “الداء استعباد البرية والدواء استرداد الحرية”. لهذا لا يمكن أن يكون تحرير فلسطين مبرراً لتأبيد السجون العربية، ولا يمكن أن تكون مواجهة إيران سبباً لغسل وجه الاحتلال الإسرائيلي، ولا يمكن أن تكون “الخصوصية العربية” حجة لإبقاء المواطن العربي تحت حكم المخابرات والزعيم الأبدي والحزب الواحد.
أما الذين يقولون إن أفكار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان “أفكار أوروبية” لا تصلح لنا، فهم في الغالب لا يدافعون عن الثقافة العربية، بل عن الطغيان. نعم، لا يجوز نسخ التجارب السياسية من أوروبا أو غيرها كما هي. لكل مجتمع تاريخه وبنيته وأسئلته. لكن هل رفض التعذيب فكرة غربية؟ هل حق الناس في اختيار حكامهم بدعة أجنبية؟ هل كرامة المواطن مؤامرة استعمارية؟ هل التداول السلمي للسلطة وصفة لا تناسب العرب، بينما تناسبهم السجون والمقابر الجماعية والجيوش الحزبية؟
أبراهام لنكولن قال في رسالة عام 1859: “أولئك الذين يحرمون الآخرين من الحرية لا يستحقونها لأنفسهم”. هذه ليست حكمة أمريكية بقدر ما هي قاعدة أخلاقية عامة. من يدافع عن حرية شعب ويصادر حرية شعب آخر ليس حراً، بل صاحب مصلحة. ومن يرفع شعار المقاومة ويمارس القمع ليس مقاوماً، بل مستبداً بلغة مختلفة. ومن يلعن الاستعمار ثم يبرر استعمار القرار الوطني من قبل ميليشيا أو دولة إقليمية لا يختلف كثيراً عمّن يلعن الإرهاب ثم يبرر احتلال الأرض.
الهوية العربية اليوم ممزقة بين ثلاثة ابتزازات: ابتزاز الاحتلال، وابتزاز الهيمنة الإقليمية، وابتزاز الاستبداد الداخلي. وكل ابتزاز منها يقول لنا: اصمتوا الآن، فالوقت ليس مناسباً للحرية. اصمتوا عن إيران لأن إسرائيل أخطر. اصمتوا عن إسرائيل لأن إيران أخطر. اصمتوا عن الطاغية لأن المعركة أكبر. والنتيجة أن العربي يُطلب منه أن يصمت دائماً، وأن يؤجل كرامته دائماً، وأن يعيش في انتظار معركة لا تنتهي كي لا تبدأ حريته أبداً.
إدوارد سعيد كتب: “لا أحد اليوم هو شيء واحد خالص”، في سياق نقده للهويات المغلقة التي صنعها الاستعمار والإمبراطوريات. وهذه العبارة مهمة هنا لأن أخطر ما نفعله بأنفسنا هو اختزال الإنسان العربي في خانة واحدة: إمّا مقاوم فيصمت عن الاستبداد، أو ليبرالي فيصمت عن الاحتلال، أو وطني فيصمت عن الهيمنة الإيرانية، أو علماني فيحتقر مجتمعه، أو متدين فيبرر حكم رجال الدين والسلاح. الإنسان العربي أوسع من هذه السجون كلها.
نحن لا نحتاج إلى معسكر جديد يعلّمنا من نكره ومن نحب. نحتاج إلى معيار واضح: كل مشروع يحتل الأرض عدو. كل مشروع يصادر القرار الوطني عدو. كل مشروع يحوّل الدين أو القومية أو الطائفة إلى أداة تفوّق وعدوان عدو. كل نظام يقتل شعبه ويطلب منه التصفيق عدو. بهذا المعنى، إسرائيل وإيران والاستبداد العربي ليسوا الشيء نفسه في الشكل، لكنهم يلتقون في النتيجة: سحق الإنسان العربي، إلغاء المواطن، تمزيق الدولة، وتحويل المنطقة إلى خرائط خوف وولاءات.
الموقف الأخلاقي الناضج ليس أن تختار بين إسرائيل وإيران. الموقف الناضج أن تقول: لا لهذا، ولا لذاك. لا للاحتلال الإسرائيلي، لا للهيمنة الإيرانية، لا للدكتاتورية العربية. لا لمن يريد أرضنا، ولا لمن يريد قرارنا، ولا لمن يريد أرواحنا.
لسنا مضطرين أن نختار سجّاننا. ولسنا مطالبين أن نزيّن القيد إذا جاء باسم المقاومة، أو باسم السيادة، أو باسم الواقعية، أو باسم الخصوصية. الحرية ليست ترفاً غربياً، والسيادة ليست شعاراً للأنظمة، وفلسطين ليست ورقة بيد إيران، ومواجهة إيران ليست بوابة لقبول إسرائيل، والكرامة العربية لا تولد من فوهة بندقية ميليشيا ولا من مكتب مخابرات ولا من اتفاق تطبيع.
من يريد تحرير العرب فليبدأ من قاعدة بسيطة: لا عدو مقدس، ولا طاغية ضروري، ولا احتلال مقبول، ولا حرية مؤجلة.



