أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليست النبطية مدينة عابرة في الذاكرة.
هي ليست اسماً على خريطة الجنوب، ولا محطة نمرّ بها فننسى وجوهها عند أول منعطف. النبطية، لمن عرفها، رفاقٌ وأصدقاء، ضحكاتٌ على أبواب البيوت، سوقٌ ينبض بالناس، وفلافل لها طقس الزيارة، وأسماءٌ لا تُقال إلا بمحبة: علي سرحان، محمد فران، باسم نحلة، وذاك الكبير في المقام والرفقة عبد سرحان.
كلما ذُكرت النبطية، حضرت في القلب رائحة الأسواق، وصوت الناس، وخطى العابرين بين الدكاكين. وحضرت معها تلك الذاكرة التي لا تنطفئ: ذاكرة المقاومة، وذاكرة عاشوراء، وذاكرة الشهيد سهيل حمورة، ابن ميس الجبل، الشاب الذي حمل قضيته باكراً، ومضى في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ليصير اسمه جزءاً من وجدان الجنوب وكرامته.
في السادس عشر من تشرين الأول عام 1983، لم تكن النبطية مدينة خائفة. كانت مدينة تقاوم.
كانت عاشوراء شاهدة على مواجهة لم تكن بالسلاح وحده، بل بإرادة الناس أيضاً. في سوق الخضار، وعلى طريق زبدين ـ النبطية، وداخل المدينة قرب النادي الحسيني، تحوّل المكان إلى صرخة في وجه الاحتلال. لم يكن الأهالي متفرجين على التاريخ، بل كانوا جزءاً منه. هاجموا آليات العدو، أحرقوا سياراته العسكرية، ورفعوا بأجسادهم العارية معنى أن تكون المدينة محتلة ولا تنحني.
وهناك، في ذلك اليوم، سقط سهيل حمورة شهيداً.
لم يسقط وحده، بل ارتفع معه معنى كامل للبطولة. ارتفع معه اسم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وارتفعت معه صورة الرفاق الذين لم يقبلوا أن يكون الجنوب ساحة مستباحة. كان سهيل واحداً من أولئك الذين آمنوا أن الأرض لا تُسترد بالتمني، وأن الاحتلال لا يرحل إلا حين يجد في مواجهته شعباً لا يساوم على كرامته.
لكن ما أقسى أن نحب مدينة ثم نراها تُقصف.
ما أقسى أن تكون للمدينة في ذاكرتك وجوهٌ وأسماءٌ وطرقات، ثم تراها تحت النار. حين تُقصف النبطية، لا يسقط حجر فقط، بل يرتجف شيء عميق في القلب. نشعر كأن القذيفة أصابت جلسة قديمة، أو مقعداً في سوق، أو ضحكة رفيق، أو باب بيت كان مفتوحاً للزائرين. المدن التي نحبها لا تُقصف وحدها؛ تُقصف معها ذكرياتنا، وطفولتنا السياسية، وصداقاتنا، وكل ما ظنناه آمناً في الروح.
أفكر بأهلها.
بالأمهات اللواتي يعرفن معنى الخوف ولا يسلّمن له. بالأطفال الذين لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في جنوب يعرفه العدو جيداً لأنه لم يستطع كسره. أفكر بالشيوخ الذين رأوا الاحتلال والحروب والحصار، وما زالوا يقولون إن هذه الأرض لنا. أفكر بالأسواق حين تخلو، وبالأبواب حين تُغلق على عجل، وبالبيوت حين تنطفئ فيها الكهرباء ويبقى القلق مضاءً في العيون.
ومن خلال باديا فحص، تابعت تفاصيل تلك المدينة: أسواقها، ناسها، شوارعها، نبضها اليومي. صارت النبطية أقرب، لا كخبر، بل كوجع شخصي. فالمدينة التي نعرف تفاصيلها لا تعود بعيدة. حين تُقصف، نشعر أن القصف يحدث قربنا، في داخلنا، في مكان من الذاكرة لا نملك الدفاع عنه إلا بالكلمة والوفاء.
وليس من باب الخبث، ولا من باب المزايدة على دم أحد أو تضحيات أحد، نقول إن المقاومة في تلك الأيام كانت تحسب حساب الناس. كانت تعرف أن معنى المقاومة ليس أن تتحول المدن إلى رماد، ولا أن يُدفع الأهالي دفعاً إلى الرحيل عن أرضهم. كانت العملية تُنفّذ وفي خلفيتها سؤال دائم: كيف يبقى الناس؟ كيف تبقى البيوت عامرة؟ كيف تبقى الأرض لأهلها؟ فالمقاومة التي لا تحمي الناس تفقد معناها الأخلاقي، والمقاومة التي لا ترى في بقاء الأهالي على أرضهم شرطاً من شروط الانتصار، تتحول شيئاً فشيئاً إلى عبء على الذين تزعم الدفاع عنهم.
لهذا يشتد الوجع اليوم حين نرى المدن تُدمَّر تحت شعارات كبيرة. ليس الألم فقط من قصف العدو ووحشيته، بل من ذلك الشعور المرير بأن ما يُسمى مقاومة قد يتحول أحياناً إلى أداة غير مباشرة تساعد العدو على ما يريد: إفراغ المدن من أهلها، تحويل الحياة إلى نزوح دائم، وترك البيوت والأسواق والذاكرة كصحراء مفتوحة للخراب. أي مقاومة هذه إن كانت النتيجة أن يرحل الناس، وأن تُهدم المدن، وأن يبقى العدو قادراً على القول إن الأرض فرغت من أصحابها؟
الفارق مؤلم. في زمن سهيل حمورة ورفاقه، كانت المقاومة ابنة الناس، تعرف أسماءهم وبيوتهم وأسواقهم وخبزهم اليومي. لم تكن عملية انتحار، ولم تكن استعراضاً فوق الركام. كانت مقاومة تريد أن تطرد المحتل ليبقى الناس، لا أن يبقى الشعار ويرحل الناس. كانت تعرف أن المدينة ليست منصة عسكرية، بل كائن حيّ: فيها أم تنتظر، وطفل يذهب إلى المدرسة، وبائع يفتح دكانه، ورفيق ينتظر رفاقه على فلافل النبطية.
النبطية ليست مدينة بكاء فقط.
هي مدينة ذاكرة ومقاومة وكرامة. لكنها، مثل كل مدن الجنوب، تتعب. تتعب من أن تدفع دائماً ثمن موقعها، وثمن انتمائها، وثمن شرفها. تتعب من أن تُطالَب بالصمود وكأن الصمود لا يجرح، وكأن المقاوم لا يبكي، وكأن أهل الجنوب خلقوا من صخر لا من لحم ودم وقلوب.
نعم، نحزن على النبطية.
نحزن لأننا نحبها، ولأن فيها رفاقاً وأصدقاء وأرواحاً تشبهنا. نحزن لأن أسماء شهدائها ليست أرقاماً في بيانات، بل حكايات حياة كانت ممكنة. نحزن لأن سهيل حمورة ورفاقه لم يقاوموا كي تبقى المدينة تحت النار، بل كي تعيش حرة، عزيزة، آمنة، مرفوعة الرأس.
ونحزن أيضاً من هذا الالتباس القاتل بين المقاومة والحسابات التي تُفقد الناس مدنهم. نحزن لأن المقاومة، في معناها الأول، وُلدت كي يبقى الإنسان على أرضه، لا كي يُهجّر منها. وُلدت كي تمنع العدو من تحويل الجنوب إلى فراغ، لا كي يجد العدو في الخراب فرصة لإكمال مشروعه.
فالمدينة التي تُفرغ من ناسها، حتى لو رُفعت فوق أنقاضها ألف راية، تكون قد خسرت شيئاً من روحها. والبطولة الحقيقية ليست في أن نموت جميعاً، بل في أن نمنع العدو من سرقة الحياة من بين أيدينا. مقاومة بلا ناس، بلا أسواق، بلا بيوت، بلا ضحكات، بلا أطفال، بلا ذاكرة يومية، تصبح كلمة قاسية معلّقة فوق صحراء.
تحية إلى الشهيد سهيل حمورة.
تحية إلى رفاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.
تحية إلى أهل النبطية الذين انتفضوا في وجه المحتل، وإلى كل من بقي فيها شاهداً على أن الجنوب، مهما احترق، لا يفقد ذاكرته ولا كرامته.
وللنبطية، حين تُقصف، نقول:
نحن لا نملك أن نرفع عنك النار، لكننا نملك ألا نتركك وحيدة في الحزن.
نملك أن نذكرك كما أنتِ: مدينة الرفاق، والأسواق، والفلافل، والمقاومة، والشهداء.
نحبك لأنك مدينة الناس قبل الشعارات.
نحبك لأنك لم تكوني يوماً أرضاً فارغة، بل وجوهاً وأسماء ورفاقاً وبيوتاً وطرقات.
ونخاف عليكِ من العدو، ونخاف عليكِ أيضاً من كل شعار لا يرى دموع أهلك، ولا يسمع صوت أبوابك وهي تُغلق على الخوف والنزوح.



