السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

محررون بوجوه الغزاة: عن الفاشية الصغيرة داخل الجندي المنتصر!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

«مع الألمان كنّا نُخفي رجالنا؛ ومع الأمريكيين صرنا نُخفي نساءنا».

بهذه العبارة السوداء، المنسوبة إلى بعض أهل نورماندي بعد تحرير فرنسا، يمكن الدخول إلى واحدة من أكثر مفارقات الحرب العالمية الثانية إيلامًا: كيف يمكن لجيش أن يأتي لتحرير بلد من الفاشية، ثم يتصرف بعض أفراده بمنطق قريب من منطق الفاشية نفسها؟ كيف يمكن للراية أن تكون راية حرية، بينما يكون الفعل في بعض اللحظات فعل استباحة وإذلال؟

لا تعني هذه العبارة أن الاحتلال النازي والتحرير الأمريكي كانا شيئًا واحدًا. هذا ظلم للتاريخ. النازية كانت مشروع دولة قائمًا على الاحتلال والعنصرية والإبادة وسحق الشعوب. أما الحلفاء فقد خاضوا حربًا ضرورية لهزيمة ذلك المشروع. لكن العبارة تكشف شيئًا آخر: أن الجندي، حتى وهو يقاتل في صف قضية عادلة، قد يحمل داخله قابلية للعنف والسيطرة إذا امتلك السلاح، وشعر بالتفوق، وغاب عنه الرادع الأخلاقي والمؤسسي.

D-Day: يوم التحرير وبداية المفارقة

المقصود بـ D-Day هو يوم 6 يونيو/حزيران 1944، حين أنزل الحلفاء قواتهم على شواطئ نورماندي شمال فرنسا لفتح جبهة غربية ضد ألمانيا النازية. كان ذلك بداية تحرير فرنسا، ثم تقدمت قوات الحلفاء حتى تحرير باريس في أغسطس/آب 1944.

لذلك صار D-Day رمزًا للبطولة والتحرير، لكنه في سياق هذا المقال يمثل أيضًا لحظة دخول جيش ضخم إلى مجتمع مدني منهك، فقير، وخائف بعد سنوات الاحتلال. ومن هذه العلاقة غير المتكافئة بين الجندي المسلح والمدني الضعيف خرجت بطولات عظيمة، وخرجت كذلك جرائم مخجلة.

تفسير Mary Louise Roberts: فرنسا كبلد “ممتن ومتاح”

تساعدنا المؤرخة الأمريكية Mary Louise Roberts في فهم هذا الجانب المعتم. في كتابها What Soldiers Do: Sex and the American GI in World War II France لا تفسر Roberts الاعتداءات الجنسية باعتبارها مجرد انحرافات فردية منعزلة، بل تضعها داخل ثقافة عسكرية ودعائية أوسع.

فبحسب Roberts، لم تُقدَّم فرنسا للجنود الأمريكيين فقط كحليف ينتظر التحرير، بل صُوّرت أحيانًا كبلد أنثوي، جميل، رومانسي، ومتاح. كانت فرنسا في المخيلة العسكرية والشعبية الأمريكية أرض النبيذ والنساء واللذة، لا فقط أرضًا محتلة تحتاج إلى الخلاص. هذه الصورة جعلت بعض الجنود ينظرون إلى النساء الفرنسيات لا كمدنيات لهن كرامة وحق في الرفض، بل كجزء من احتفال التحرير، أو كجائزة رمزية للمحرر المنتصر.

هنا يبدأ الخطر: حين يعتقد الجندي أن المرأة “مدينة” له بالامتنان، وأن جسدها امتداد للبلد الذي حرره، تختلط البطولة بالاستحقاق، والرغبة بالسيطرة، والتحرير بالاستباحة. Roberts لا تقول إن كل الجنود الأمريكيين كانوا مغتصبين، ولا إن الجيش أمر بالاغتصاب، لكنها تقول إن الخيال الجنسي حول فرنسا سهّل على بعض الجنود رؤية المرأة الفرنسية كموضوع جنسي لا كإنسانة محمية.

بهذا المعنى، يصبح الاغتصاب في الحرب أكثر من جريمة جنسية. إنه فعل سياسي ونفسي أيضًا، لأنه يعلن سيطرة المنتصر على جسد المهزوم أو الضعيف. الجندي الذي جاء ليحرر الأرض قد يتصرف، في لحظة الانحطاط الأخلاقي، كأنه امتلك حقًا على من يعيشون فوق تلك الأرض.

سيكولوجية الجندي المغتصب

الاغتصاب في الحرب ليس مجرد انفجار شهوة. إنه فعل سلطة. الجندي المغتصب لا يعتدي لأنه يرغب فقط، بل لأنه يستطيع، ولأنه يشعر في لحظة ما أن قوته تمنحه حقًا على جسد الآخر.

أول عناصر هذه السيكولوجيا هو الإحساس بالاستحقاق. الجندي الذي عبر البحر، وشاهد الموت، وقاتل، وانتصر، قد تنشأ داخله معادلة فاسدة: “أنا ضحّيت، إذن يحق لي أن آخذ”. فإذا دعمت الثقافة المحيطة هذه الفكرة بصورة المرأة الممتنة أو البلد المتاح، تحولت الجريمة في ذهنه إلى مكافأة.

العنصر الثاني هو تشييء المرأة. المغتصب لا يرى الضحية كإنسانة كاملة، بل يختزلها إلى جسد، أو رمز، أو غنيمة. المرأة الفرنسية لا تعود فردًا له خوف وذاكرة وحق، بل تصبح “فرنسا” نفسها: البلد المهزوم، المحرر، المدين. وحين يتحول الإنسان إلى رمز أو شيء، يسهل انتهاكه.

العنصر الثالث هو ضغط الجماعة العسكرية. داخل بعض البيئات العسكرية، تتحول الرجولة إلى استعراض: من هو الأقوى؟ من هو الأكثر جرأة؟ من لا يتردد؟ هنا يمكن للعنف الجنسي أن يصبح وسيلة منحطة لإثبات الفحولة أمام الرفاق. الجريمة لا تولد فقط من داخل الفرد، بل من جماعة تصمت، أو تضحك، أو تتسامح، أو تبرر.

العنصر الرابع هو توقع الإفلات من العقاب. حين يشعر الجندي أن الضحية لن تشتكي، أو أن المجتمع سيخجلها، أو أن قيادته ستغض النظر، تصبح الجريمة أسهل. لذلك لا يكفي أن تكون الحرب عادلة؛ يجب أن تكون المؤسسة العسكرية نفسها منضبطة وعادلة. فالقضية النبيلة لا تمنع الجندي من ارتكاب جريمة إذا تُرك بلا محاسبة.

سيكولوجية الجندي الفاشي القاتل

أما الجندي الفاشي، خصوصًا في التجربة النازية، فلا يتحرك فقط بدافع القسوة الفردية أو الميل الشخصي إلى الدم. خطورته أنه يدخل آلة نفسية وسياسية تعيد تشكيل ضميره، وتحوّل القتل من جريمة إلى واجب، ومن الوحشية إلى فضيلة، ومن الضحية إلى “خطر” يجب التخلص منه.

في البداية، لا يُطلب من الجندي الفاشي أن يرى نفسه شريرًا. على العكس، يُطلب منه أن يرى نفسه منقذًا: منقذًا للأمة، أو العرق، أو الدولة، أو المستقبل. هنا تكمن خطورة الفاشية؛ فهي لا تقول للجندي: “كن مجرمًا”، بل تقول له: “كن مطيعًا، صلبًا، نقيًا، شجاعًا، ولا ترحم أعداء الأمة”. وهكذا يُعاد تعريف الجريمة داخل وعيه: القتل لا يعود قتلًا، بل تطهيرًا؛ والإبادة لا تعود إبادة، بل ضرورة تاريخية؛ والضحية لا تعود إنسانًا، بل مرضًا أو تهديدًا أو عبئًا.

هذا ما يمكن تسميته تحويل الأخلاق إلى طاعة. فالجندي الفاشي لا يلغي ضميره دفعة واحدة، بل ينقله من داخله إلى الخارج. لم يعد يسأل: هل ما أفعله صحيح؟ بل يسأل: هل نفّذت الأمر؟ هنا يفيدنا عالم النفس الاجتماعي Stanley Milgram في كتابه Obedience to Authority: An Experimental View، حيث أظهر، من خلال تجارب الطاعة الشهيرة، أن أشخاصًا عاديين قد يواصلون إلحاق الأذى بآخرين عندما يشعرون أنهم مجرد منفذين لتعليمات سلطة أعلى. كتب Milgram معنى بالغ الخطورة: الأشخاص العاديون، وهم يؤدون عملهم فقط، ومن دون عداء شخصي خاص، يمكن أن يصبحوا أدوات في عملية تدمير رهيبة. هذه الفكرة تشرح جانبًا من سيكولوجية الجندي الفاشي: ليس شرطًا أن يكون ساديًا منذ البداية؛ يكفي أحيانًا أن يكون مطيعًا داخل نظام يجعل الطاعة بديلًا عن الضمير.

العنصر الثاني هو نزع الإنسانية. لا يستطيع الإنسان أن يقتل جماعيًا بسهولة إذا ظل يرى ضحيته إنسانًا كاملًا: له اسم، ووجه، وأم، وطفولة، وخوف، ورجاء. لذلك تحتاج الفاشية دائمًا إلى لغة تقتل الإنسان قبل قتله جسديًا. اليهودي لا يُقدَّم كجار أو طبيب أو طفل، بل كطفيلي. السلافي لا يُقدَّم كإنسان، بل كعرق أدنى. المعارض لا يُقدَّم كصاحب رأي، بل كخائن. المقاوم لا يُقدَّم كوطني، بل كجرثومة داخل جسد الأمة.

في هذا السياق، يقدم عالم النفس Albert Bandura مفهومًا مهمًا في مقاله Moral Disengagement in the Perpetration of Inhumanities، أي “فك الارتباط الأخلاقي في ارتكاب الأعمال اللاإنسانية”. يشرح Bandura أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إلغاء ضميره كي يرتكب العنف؛ بل يستطيع تعطيل رقابته الأخلاقية عبر التبرير، وتخفيف المسؤولية، ولوم الضحية، ونزع إنسانيتها. عندما تُجرَّد الضحية من صفاتها الإنسانية، لا تعود تُرى ككائن له مشاعر وآمال وحقوق، بل كشيء أدنى يمكن إيذاؤه من دون شعور كامل بالذنب. هنا لا يختفي الضمير، لكنه يُخدَّر.

العنصر الثالث هو الأيديولوجيا بوصفها مخدرًا نفسيًا. الفاشية تمنح الجندي قصة كبرى تبتلع الجريمة الصغيرة: الأمة مهددة، العرق مهدد، الحضارة مهددة، الزعيم يرى ما لا يراه الناس، والرحمة ضعف. داخل هذه القصة، يصبح التردد خيانة، والشفقة مرضًا، والعنف فضيلة. لذلك لا يكتفي النظام الفاشي بإصدار الأوامر؛ إنه يشرح للجندي لماذا يجب أن يشعر بالفخر وهو يطيعها.

هنا يصبح القاتل قادرًا على النوم، لا لأنه لا يعرف أنه قتل، بل لأنه أعطى القتل معنى مريحًا. يقول لنفسه: “لم أقتل إنسانًا؛ أزلت خطرًا”. “لم أشارك في جريمة؛ خدمت الأمة”. “لم أكن قاسيًا؛ كنت قويًا”. هذه اللغة ليست تفصيلًا؛ إنها جزء من الجريمة. الكلمات تمهّد الطريق للرصاص. قبل أن تُحرق الأجساد، تُحرق إنسانيتها في اللغة.

العنصر الرابع هو ضغط الجماعة والخوف من الجبن. في الجيش الفاشي، لا يخاف الجندي فقط من العقوبة الرسمية، بل يخاف من نظرة رفاقه. يخاف أن يُقال عنه إنه ضعيف، رخو، متردد، غير جدير بالزي العسكري. هنا نستفيد من كتاب المؤرخ Christopher R. Browning بعنوان Ordinary Men: Reserve Police Battalion 101 and the Final Solution in Poland، أي “رجال عاديون: كتيبة الشرطة الاحتياطية 101 والحل النهائي في بولندا”. درس Browning رجالًا عاديين نسبيًا، كثير منهم لم يكونوا قتلة محترفين ولا أيديولوجيين متطرفين منذ البداية، لكنهم شاركوا في قتل اليهود في بولندا تحت ضغط الطاعة والجماعة والتدرج في العنف. ومن أكثر عباراته دلالة: لا أحد يريد أن يُظن أنه جبان. هذه الجملة تشرح كيف يمكن للخوف من نظرة الرفاق أن يدفع الإنسان إلى ارتكاب ما لا يستطيع الاعتراف به وحده.

هذه النقطة تكشف جانبًا مهمًا من سيكولوجية القتل الفاشي: أحيانًا لا يقتل الجندي لأنه يكره الضحية فقط، بل لأنه يخاف من جماعته. يخاف أن ينفصل عن القطيع. يخاف أن يقف وحده. يخاف أن يكون الإنسان الوحيد وسط آلة لا تعترف بالإنسانية. وهنا يصبح الجبن الحقيقي متنكرًا في صورة شجاعة: يقتل كي لا يبدو جبانًا.

العنصر الخامس هو القتل البيروقراطي. الفاشية الحديثة لا تعتمد فقط على الجندي الذي يطلق النار، بل على الموظف الذي يوقّع، والشرطي الذي يجمع الأسماء، والسائق الذي ينقل، والكاتب الذي يسجل، والضابط الذي يوزع المهام. كل واحد يؤدي جزءًا صغيرًا، بحيث لا يرى الجريمة كاملة. في كتاب Ordinary Men يوضح Browning أن تقسيم العمل، والروتين، والطاعة، والتباعد النفسي عن الضحية، جعلت المشاركة في القتل أسهل على رجال لم يكونوا جميعًا من المتعصبين الأيديولوجيين. الجريمة هنا لا تقع فقط حين يضغط الجندي على الزناد، بل حين تتحول الدولة كلها إلى جهاز يجعل القتل مهمة إدارية.

وهذه نقطة حاسمة: الجندي الفاشي لا يعيش دائمًا في مشهد دموي مباشر. أحيانًا يعيش داخل روتين: أوامر، قوائم، قطارات، حراسة، إطلاق نار، تنظيف، تقرير يومي. يتحول القتل إلى وظيفة. وحين يتحول القتل إلى وظيفة، يصبح الضمير أقل حضورًا، لأن الإنسان لا يرى نفسه قاتلًا بل “منفذ مهمة”.

العنصر السادس هو قوة الموقف والنظام. هنا يفيدنا عالم النفس Philip Zimbardo في كتابه The Lucifer Effect: Understanding How Good People Turn Evil، أي “أثر لوسيفر: كيف يتحول الأخيار إلى أشرار”. يناقش Zimbardo كيف يمكن للظروف، والأدوار، والسلطة، والنظام المغلق، أن تدفع أشخاصًا عاديين إلى سلوك قاسٍ أو مهين. أهمية فكرته أنها لا تبرئ الفرد، لكنها تحذر من تفسير الشر كله بطبيعة الشخص وحده. فهناك أنظمة تصنع بيئات تسمح للشر بأن يبدو عاديًا، بل مطلوبًا.

لكن هذا التفسير لا يعني تبرئة القاتل. فهم الآليات النفسية ليس عذرًا أخلاقيًا. Browning نفسه، في Ordinary Men، يذكّرنا بأن بعض الرجال رفضوا القتل أو تهربوا منه أو توقفوا عنه؛ أي أن الاختيار لم يكن مستحيلًا. لذلك تبقى المسؤولية فردية حتى داخل أقوى الأنظمة. الإنسان قد يُضغط عليه، يُخدع، يُلقَّن، ويُرهب، لكنه لا يتحول إلى آلة بالكامل إلا حين يتنازل عن حقه في أن يقول: لا.

إذن، سيكولوجية الجندي الفاشي القاتل تتكون من طبقات متراكبة: طاعة عمياء كما يشرح Milgram في Obedience to Authority، وفك ارتباط أخلاقي كما يشرح Bandura في Moral Disengagement in the Perpetration of Inhumanities، وضغط جماعة وتدرج في القتل كما يشرح Browning في Ordinary Men، وقوة موقف ونظام كما يشرح Zimbardo في The Lucifer Effect. وفي النهاية يصل الجندي إلى اللحظة الأخطر: أن يرتكب الفظاعة وهو مقتنع أنه يؤدي واجبًا. هنا تبلغ الفاشية ذروتها النفسية؛ حين تجعل الإنسان يقتل ضحيته، ثم تمنحه شعورًا بأنه كان أخلاقيًا وهو يفعل ذلك.

المشترك بين الجندي المغتصب والجندي الفاشي القاتل

رغم الفرق الهائل بين جريمة فردية يرتكبها جندي في جيش محرر، وبين مشروع إبادة تتبناه دولة فاشية، هناك آليات نفسية مشتركة.

المشترك الأول هو نزع الإنسانية. المغتصب لا يرى المرأة كذات حرة، والفاشي لا يرى ضحيته كإنسان مساوٍ. كلاهما يحتاج إلى تخفيض قيمة الضحية قبل استباحتها. المرأة تصبح جسدًا، والعدو يصبح مرضًا، والمدني يصبح رقمًا، والأسير يصبح عبئًا.

المشترك الثاني هو تحويل القوة إلى حق. الجندي المغتصب يقول عمليًا: أنا مسلح ومنتصر، إذن أستطيع. والجندي الفاشي يقول: أنا أمثل الأمة أو العرق أو الدولة، إذن أحق أن أقتل. في الحالتين تتحول القوة من وسيلة إلى شرعية.

المشترك الثالث هو تعطيل الضمير بالتبرير. المغتصب قد يقول لنفسه: “هي أرادت ذلك”، “نحن حررناهم”، “كل الجنود يفعلون ذلك”. والفاشي يقول: “أنا أنفذ الأوامر”، “هؤلاء خطر”، “القسوة ضرورية”. كلاهما لا يلغي ضميره تمامًا، بل يعيد صياغة القصة حتى لا يرى نفسه مجرمًا.

المشترك الرابع هو حماية الجماعة للجريمة. لا تزدهر جرائم الحرب في الفراغ. هناك رفاق يصمتون، وضباط يتجاهلون، ومؤسسات تبرر، ولغة تخفف، ومحاكم تعاقب أحيانًا بانتقائية. لذلك تصبح الجريمة العسكرية مسؤولية فردية ومؤسسية في آن واحد: الفرد يختار، لكن المؤسسة قد تسهّل أو تمنع.

المشترك الخامس هو الاعتياد على العنف. الحرب تجعل الموت قريبًا، والجسد رخيصًا، والخوف يوميًا. هذا لا يحوّل كل جندي إلى مجرم، لكنه قد يخفض حساسية بعضهم تجاه ألم الآخرين. من اعتاد رؤية الجثث، وسماع الصراخ، وتنفيذ الأوامر، قد يحتاج إلى وعي أخلاقي أكبر كي لا يتحول العنف عنده إلى عادة.

الفرق الضروري: الحلفاء لم يكونوا نازيين

مع ذلك، يجب الحفاظ على الفرق التاريخي. لا يجوز مساواة الحلفاء بالنازيين. النازية كانت نظامًا جعل العنصرية والقتل والاحتلال والإبادة سياسة دولة. أما جرائم بعض الجنود الحلفاء في فرنسا فكانت جرائم حقيقية ومخزية، لكنها لم تكن جوهر المشروع الحربي للحلفاء.

لكن هذا الفرق لا يبرئ الجريمة. لا يجوز أن نقول: لأن النازية كانت أسوأ، فإن اغتصاب امرأة فرنسية على يد جندي حليف يصبح تفصيلًا هامشيًا. بالنسبة للضحية، الجريمة ليست هامشًا في ملحمة التحرير؛ إنها مركز الألم كله. جسدها ليس حاشية في كتاب النصر.

الأدق إذن أن نقول: الحلفاء هزموا الفاشية عسكريًا، لكن بعض جنودهم، في لحظات معينة، تصرفوا بمنطق فاشي مصغّر: منطق السيطرة، والاستباحة، واحتقار الضعيف، وتحويل الانتصار إلى حق في الجسد.

ماذا يعني أن تحارب الفاشية وتتصرف ببعض أوجهها؟

معناه أن الانتصار على الفاشية في ساحة المعركة لا يكفي إذا بقيت داخل الإنسان والمؤسسة بذور الفاشية النفسية: عبادة القوة، وتمجيد الرجولة العنيفة، واحتقار المدني، والعنصرية، والتشييء الجنسي، والطاعة العمياء.

ومعناه أن القضية العادلة لا تجعل كل أفعال أصحابها عادلة. تحرير فرنسا كان عملًا تاريخيًا ضروريًا، لكن ذلك لا يمنح جنديًا واحدًا حق إذلال امرأة أو اغتصابها. فالجريمة لا تتغير طبيعتها لأن مرتكبها يرتدي زي المنتصر.

ومعناه أيضًا أن المدني لا يعيش الشعارات الكبرى، بل يعيش نتائجها على جسده وبيته وكرامته. حين دخل النازيون، خاف الناس على رجالهم من الاعتقال والقتل. وحين دخل بعض المحررين بلا انضباط، خاف الناس على نسائهم من الاستباحة. وبين الخوفين تظهر الحقيقة القاسية: ليس كافيًا أن تكون ضد الفاشية؛ يجب أن تمنع الفاشية الصغيرة من أن تسكن سلوكك وأنت تحاربها.

في النهاية، تبقى عبارة نورماندي السوداء شهادة على هشاشة الأخلاق في زمن الحرب. فالحرية لا تُقاس فقط بالعدو الذي تهزمه، بل بالطريقة التي تعامل بها الضعيف حين تصبح أنت الأقوى.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

اتفاق لم يولد بعد: مذكرة واشنطن وطهران بين وساطة قطر وشروط إسرائيل وارتدادات لبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يمكن الحديث حتى...

حين كبرنا على ضوء ظفار: فواز طرابلسي وذاكرة الثورة البعيدة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كبر جيلنا على حكايات لا تشبه الحكايات العابرة. كبرنا...