أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
بعد مرحلة ما عُرف بحرب السنتين، أخذ المشروع الإسرائيلي الأمريكي طابعاً جذرياً متصاعداً؛ فقد اغتيل الزعيم الوطني كمال جنبلاط، وكان قبل ذلك قد خاضت الحركة الوطنية اللبنانية صراعاً سياسياً وعسكرياً مريراً في مواجهة التدخل السوري الذي اجتاح لبنان عام ١٩٧٦، وأجهز تدخله على مرحلة نهوض اليسار والحركة الوطنية.
ثم جاءت زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس المحتلة لتمنح العدو الجرأة على المضي قدماً، فشكّلت دافعاً إضافياً نحو الاجتياح العسكري عام ١٩٨٢. وكان اليسار اللبناني قد استشرف الاهداف الجذرية لهذا المشروع مبكراً، إذ رأى فيه مسعىً صريحاً لجعل لبنان الحلقة الثانية في اتفاقيات كامب ديفيد.
وقع الاجتياح، وغادرت منظمة التحرير الفلسطينية لبنان، فأطلقت القوى اليسارية الجذرية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول)، لتُشكّل أبهى ظاهرة وطنية حقيقية شهدها العالم العربي؛ تلك الظاهرة النبيلة التي طالما حلم بها القائد الشيوعي البارز فرج الله الحلو، حين أكد يقينه بأن حركة تحرر وطني ستنبت على هذا الشاطئ، لتكون منارةً لحركات التحرير في المشرق كله.
أمعن اليساريون النظر في طبيعة المرحلة التي كانت تعيشها لبنان والمنطقة، وما أصابها من اختلال فادح في موازين القوى لصالح المشروع الأمريكي الإسرائيلي. وعلى قناعة بأن المجابهة لا تنجح إلا إذا ارتكزت على إرادة راسخة ورؤية ناضجة، اتُّخذ القرار الواعي المدروس بإطلاق المقاومة رغم ثقل الهزيمة، ورغم الظروف القاسية التي كانت تمتد من الاتحاد السوفياتي إلى لبنان. وكانت المهمة الأولى هي استعادة الطابع اللبناني للنضال الوطني والقومي الذي انطلق في لبنان في أعقاب هزيمة حزيران ١٩٦٧، بعد أن طغى عليه العنصر الفلسطيني الذي تصدّر المجابهة على امتداد تلك الحقبة وهيمن على القرار الوطني اللبناني، فبات يمتلك وحده قرار الحرب والسلم، فضلاً عن التجاوزات التي طالت معظم المناطق اللبنانية لا سيما في الجنوب . ومن جهة أخرى، كانت الحركة الوطنية قد باتت تعتمد على الدور الفلسطيني اعتماداً متزايداً في صراعها الداخلي، وبدورها أتقنت القيادة الفلسطينية فنون اللعبة اللبنانية، فتدخلت في شؤونه صغيرها وكبيرها.
في هذا السياق، جاءت مقاربة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي في حديثه المطوّل لمجلة “الطريق” بعد الاجتياح وبعد تحرير العاصمة وذلك في أواسط تشرين الثاني ١٩٨٢، تحت عنوان: “ماذا جرى؟ ولماذا؟ وما العمل؟ — الغزو الإسرائيلي للبنان: ما قبل الغزو وما بعده”، لتحدد بوضوح مهمات اليسار والشيوعيين في تلك المرحلة:
١ـ استعادة الاستقلال الوطني دون قيد أو شرط، وفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
٢ـ صون وحدة لبنان في مواجهة كل أشكال التفتيت والتجزئة والهيمنة الفئوية.
٣ـ الدفاع عن الديمقراطية وتعزيز الحريات الفردية والعامة.
وقد سبق هذا الحديث إعلانُ تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في ١٦ أيلول ١٩٨٢، الموقَّع من الرفيقين جورج حاوي ومحسن إبراهيم، وتلاه تحرير العاصمة بيروت وانسحاب العدو منها في حدث تاريخي لم يشهد المشرق العربي له مثيلاً منذ النكبة الفلسطينية.
وبذلك كان الشيوعيون واليساريون قد حددوا بوضوح لا لبس فيه طبيعة المرحلة وقضيتها المركزية: تحرير الأرض، دون ربط هذا الهدف بمشروع حزبي أو أيديولوجي ضيّق. وقد جسّدت “جمول” هذا التوجه عملياً، إذ دأبت على الإعلان عن عملياتها باسم الجبهة دون أي إشارة إلى الحزب أو التنظيم المنفِّذ، حفاظاً على الطابع الوطني الجامع. وقد أشار جورج حاوي إلى هذه الديناميكية بقوله إن المقاومة ككرة الثلج، ما تلبث أن تكبر وتتسع حتى تشمل مختلف الشرائح والفئات.
وهكذا تحقّق الانتقال النوعي من صيغة “القوات المشتركة” للقوى الوطنية والفلسطينية التي كانت سائدة قبل الاجتياح، إلى الصيغة اللبنانية الوطنية، متجسّدةً في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. وشكّل هذا التحوّل رافعةً جديدة للنضال الوطني اللبناني، حفرت عميقاً في الوعي الجمعي، واستمرت على هذا المنوال حتى انتهاء الحرب بإقرار اتفاق الطائف عام ١٩٨٩، الذي أصبح لاحقاً الدستور اللبناني. وبمعزل عن تقييم بنوده الإصلاحية والدستورية، فإنه حسم معادلة ظلت محلّ جدل وصراع منذ تأسيس الكيان اللبناني، وهي عروبة لبنان ونهائية كيانه، وتضمّن في الوقت ذاته جملةً من الإصلاحات التي سبق لجورج حاوي أن طالب بها في مقابلته المذكورة.
إن ضعف الإعلام اليساري لا يمكن أن يحجب الحقيقة أو يطمس إسهاماته، فقد سبق اتفاق الطائف جملةٌ من التطورات البالغة الأهمية ساهمت في تمهيد الطريق إليه:
ـ تفكّك بنيان المارونية السياسية جراء الانتفاضات الداخلية في جسم القوات اللبنانية في المرحلة الأولى، ثم حرب الإلغاء التي اندلعت بين القوات وجيش ميشال عون.
-ثم الصراعات الدموية التي جرت بين حركة امل وحزب الله والتي أضعفت الدور الإيراني الطامح إلى موطئ قدم راسخ في لبنان، ولو قُدًِر لحزب الله ان يحسم الصراع لصالحه لما أمكن تيسير الاتفاق بين اللبنانيين وهذا ما اكدته التطورات اللاحقة والمستمرة حتى اليوم. بيد أن هذا الصراع جاء على حساب أنبل ظاهرة وطنية لبنانية، عُني بها المقاومة الوطنية اللبنانية التي حررت غالبية الأراضي دون مقابل ودون شروط. وكانت الصفقة التي عُرفت بـ”اتفاق دمشق” بين إيران وسوريا قد أنهت الصراع بين الثنائي الشيعي بتلزيم المقاومة لحزب الله، وتلزيم الحصة المذهبية في الدولة اللبنانية الجديدة لحركة أمل.
ـ وقد سبق هذين التطورين رفضُ اليسار اللبناني — الشيوعي والاشتراكي — الانزلاق إلى حرب المخيمات الفلسطينية، بل ذهب أبعد من ذلك حين حال دون سيطرة حركة أمل على بيروت الغربية، بعد أن كانت قد بسطت هيمنتها على الضاحية الجنوبية. وكانت تلك المعركة من أكثر المعارك أهميةً في نتائجها السياسية؛ إذ أسقطت مفاعيل ما عُرف بـ”انتفاضة السادس من شباط”، ومكّنت القوى الفاعلة في المقاومة لا سيما الشيوعيين الذين تعرضوا لابشع حملة اغتيالات وقمع وإبعاد وتهجير، من الصمود لسنوات حتى إقرار اتفاق الطائف، غير أن النظام السوري تآمر عليه مستثمراً نتائج حرب الخليج الأولى، فأسدل الستار على تلك المرحلة، وبدأت مرحلة الهيمنة السورية على لبنان، وهيمنة إيران على المقاومة.
ما هي القضية المركزية التي تلت نهاية الحرب هذا ما ستظهره الحلقة الخامسة



