السبت, يونيو 13, 2026
20.8 C
Beirut

كرد سوريا بين خدعة الحقوق وطبقة سياسية أهدرت القضية!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

ما جرى في قصر العدل بالحسكة لا يمكن التعامل معه كحادثة إدارية عابرة أو خطأ في تصميم لوحة. إسقاط لوحة كانت تتضمن اللغة الكردية، ورفع لوحة لا تعترف بها على واجهة مؤسسة قضائية في مدينة مثل الحسكة، وفي مرحلة حساسة تلت تفاهمات بين قسد والحكومة السورية، هو حدث سياسي بامتياز. فاللغة هنا ليست مجرد حروف على جدار، بل إعلان عن موقع شعب وحدود حضوره داخل الدولة القادمة.

السؤال الذي يطرحه الشارع الكردي اليوم ليس عاطفياً فقط، بل سياسي وقانوني: هل ما يحدث بداية إسقاط تدريجي لما تبقى من الحقوق الكردية؟ أم أن هذه الحقوق لم تُمنح أصلاً بصورة واضحة وملزمة؟ الجواب المؤلم أن الحقوق الكردية، حتى الآن، لم تتحول إلى ضمانات دستورية وقانونية صلبة. جرى الحديث عن الكرد كمكوّن أصيل، وعن المواطنة والحقوق، لكن لم توضع آليات تنفيذية واضحة تحمي اللغة الكردية في المؤسسات، ولا تحدد موقعها في القضاء والتعليم والإدارة المحلية والوثائق الرسمية واللافتات العامة.

وهنا تكمن خطورة المسألة. الاتفاقات السياسية قد تُستخدم لتهدئة الشارع، لكنها إن لم تتحول إلى قوانين واضحة، يمكن لأي سلطة أن تفسرها بالطريقة التي تناسبها. يمكن أن يقال للكرد: أنتم مكوّن أصيل، لغتكم محترمة، ثقافتكم موجودة، لكن المؤسسات السيادية لا تقبل إلا لغة واحدة، والقرار النهائي بيد المركز. عندها يصبح الاعتراف رمزياً لا عملياً، ويصبح الحق الثقافي بلا أثر إداري أو قانوني.

ما حدث في قصر العدل كشف هذه الفجوة. حين وصل الأمر إلى مؤسسة قضائية تُعد من رموز السيادة، ظهر السقف الحقيقي. بدا كأن هناك اعترافاً بالكردية كلغة ثقافة وتعليم وهوية، لا كلغة مؤسسات وإدارة وقضاء. وهذا هو جوهر الأزمة: هل المطلوب الاعتراف بالكرد كزينة في الخطاب السياسي، أم الاعتراف بهم كشركاء في الدولة؟

إزالة اللغة الكردية من واجهة مؤسسة رسمية في الحسكة لا تخدم وحدة سوريا، بل تضرب الثقة بين المكونات. فالاعتراف باللغة الكردية في مناطق الوجود الكردي لا يعني التقسيم، ولا الانفصال، ولا تهديد سيادة الدولة. الدولة التي تعترف بلغات أبنائها وتاريخهم وهويتهم هي دولة أقوى وأكثر استقراراً من دولة تخاف من لوحة ثنائية اللغة.

في هذا السياق لا يمكن تجاهل موقف توم براك، لأنه يكشف أحد مفاتيح فهم المرحلة. براك لم يتحدث عن فيدرالية، ولا عن إدارة ذاتية دستورية، ولا عن شراكة قومية كردية واضحة داخل سوريا الجديدة. خطابه كان يدور حول سوريا واحدة، وعدم دعم الانفصال، ودمج قسد في بنية الدولة. هذا يعني أن الرعاية الأميركية، في ظاهرها على الأقل، لم تكن رعاية مشروع حقوق سياسية كردية مكتملة، بقدر ما كانت رعاية مشروع احتواء ومنع انهيار: احتواء قسد، احتواء السلاح، احتواء الشمال الشرقي، ومنع انفجار جديد في سوريا.

تصريحات توم براك يجب أن تُقرأ جيداً. فهو حين يؤكد على سوريا واحدة، ويرفض الانفصال والفيدرالية، ويتحدث عن دمج قسد في مؤسسات الدولة، فإنه لا يقدّم ضمانة سياسية كردية بقدر ما يرسم سقف الاتفاق: لا كيان خاص، لا اعتراف سياسي مستقل، ولا حقوق قومية مثبتة خارج إطار الدولة المركزية. لذلك فإن ما قُدّم للكرد يبدو أقرب إلى اعتراف ثقافي محدود، لا إلى عقد سياسي يضمن اللغة والإدارة والتمثيل. وهنا تكمن الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها: الاتفاق كان تفاهمَ منع انهيار، لا اتفاقَ تثبيت حقوق.

هنا تظهر القطبة المخفية في الاتفاقات. قد يكون هناك تفاهم غير معلن، أو تفسير سياسي غير مكتوب، يقول إن الكرد يُمنحون اعترافاً ثقافياً محدوداً، لا حقوقاً سياسية وإدارية كاملة. أي أن الكردية يمكن أن تكون لغة تعليم وثقافة وهوية، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى لغة مؤسسات وسيادة وقضاء وإدارة. لذلك جاءت حادثة قصر العدل كاشفة لا منشئة للأزمة. هي لم تخلق المشكلة من العدم، بل عرّت حدود التفاهمات القائمة.

فهل هناك من يجرؤ ويقول الحقيقة؟ الحقيقة أن ما حصل بين قسد والحكومة السورية لم يكن، حتى الآن، اتفاق حقوق كردية مكتملة، بل تفاهم ضرورة لمنع الانهيار العام. كان اتفاقاً لوقف الخطر، وترتيب العلاقة، ومنع الصدام، وفتح باب الدمج، أكثر مما كان عقداً وطنياً جديداً يثبت موقع الكرد كشعب وحقوقهم كلغة وإدارة وتمثيل سياسي.

وهذا لا يعني أن التفاهم كان بلا قيمة. منع الانهيار مهم، ووقف الحرب مهم، وتجنيب المدن صداماً مفتوحاً أمر ضروري. لكن الخطأ هو أن يُسوَّق هذا التفاهم كأنه ضمانة نهائية للحقوق. الحقوق لا تُحمى بالتطمينات، ولا بالمجاملات السياسية، ولا بالاعترافات العامة. الحقوق تُحمى بالنصوص الدستورية، والقوانين، والآليات التنفيذية، وبوجود قوة سياسية موحدة قادرة على فرض الاعتراف بها سلمياً وبوضوح.

المشكلة اليوم أن الاعتراف بالكرد قد يبقى في حدود الثقافة والفولكلور: نوروز، تعليم محدود، بعض العبارات الجميلة عن التنوع، وربما حضور رمزي في الخطاب الرسمي. لكن هذا شيء، والاعتراف السياسي شيء آخر. الاعتراف السياسي يعني أن تكون الكردية حاضرة في مؤسسات مناطقها، وأن يكون للكرد تمثيل حقيقي في القرار، وأن تُحمى خصوصيتهم ضمن الدستور والقانون، وأن لا تكون حقوقهم رهينة مزاج محافظ أو قرار وزارة أو تفاهم أمني.

من هنا، لا يمكن فصل حادثة اللوحة عن سياق أوسع. إنها ليست مجرد إزالة لغة من واجهة مبنى، بل رسالة تقول إن المركز يريد أن يستعيد رموزه ومؤسساته وسيادته وفق تعريفه هو، لا وفق شراكة حقيقية مع المكونات. وإذا لم يكن هناك رد كردي منظم وذكي، فإن كل حق غير مكتوب بوضوح سيبقى عرضة للتراجع.

لكن الأزمة لا تقف عند موقف السلطة وحدها. هناك مشكلة كردية داخلية لا يمكن تجاهلها. الحديث عن اعتصامات سلمية، وبيان موحد، ومذكرة قانونية، ووفد كردي مشترك، ومطالبة مكتوبة بتعديل أو تفسير قانوني يثبت استعمال الكردية في واجهات المؤسسات، هو حديث صحيح من حيث المبدأ. لكنه يصطدم بواقع مرير: الخلافات الكردية لا تسمح بسهولة بمثل هذا التحرك الموحد.

هناك انقسام بين القوى الكردية، وتباين في الولاءات السياسية، واختلاف في الرهانات الإقليمية والدولية، وصراع قديم على التمثيل والشرعية. كل طرف يخشى أن يستفيد الطرف الآخر من أي تحرك جماعي. لذلك يصبح حتى الدفاع عن اللغة الكردية، وهو أبسط وأوضح حق، خاضعاً لحسابات حزبية وتنظيمية وشخصية. وهذا بالضبط ما تستفيد منه السلطة.

السلطة تعرف أن الخلافات الكردية هي نقطة الضعف الكبرى. وحين لا يوجد موقف كردي موحد، تستطيع أن تتعامل مع كل طرف على حدة، وأن تؤجل المطالب، وأن تختبر ردود الفعل، وأن تمرر خطوات صغيرة تتحول لاحقاً إلى أمر واقع. اليوم لوحة قصر العدل، وغداً قد يكون المنهاج، وبعده التعيينات، ثم القضاء، ثم اللغة في المراسلات، ثم أسماء المؤسسات، ثم شكل الإدارة المحلية كلها.

وهنا يبرز سؤال الشارع: لماذا لا يتدخل الجنرال سيبان حمو؟ لماذا لا يتدخل الجنرال سيامند إبراهيم؟ لماذا لا يتدخل المحافظ نورالدين عمر؟ لماذا لا يتدخل محمد إسماعيل وفصلة يوسف؟ لماذا لا يتدخل شيخ آلي وأحمد بركات؟ لماذا لا يتدخل غريب حسو ونصرالدين إبراهيم وصالح كدو ومحمد موسى؟ لماذا لا يتدخل الجنرال مظلوم عبدي وإلهام أحمد؟ لماذا لا يتدخل فريد سعدون وفاتن رمضان؟ لماذا كل هؤلاء ينظرون بعد وقوع الحدث؟

هذا السؤال مشروع وضروري، لكن الإجابة ليست بسيطة. لا يجوز اختزالها في اتهام الجميع بالخيانة أو الصمت المتعمد. كثير من هذه الأسماء محكوم بتفاهمات سياسية وأمنية دقيقة. بعضها مرتبط بمسارات تفاوض مع دمشق. بعضها يتحرك تحت ضغط أميركي أو إقليمي. بعضها يخشى أن يؤدي التصعيد إلى انفجار أمني في الحسكة أو القامشلي أو عموم شمال وشرق سوريا. وبعضها يعرف أن أي موقف حاد قد يُستخدم ضد الكرد بوصفه رفضاً للدولة أو انقلاباً على الاتفاق أو محاولة لفرض أمر واقع.

القيادات العسكرية تحديداً محكومة بمنطق منع الانفجار. مظلوم عبدي وسيبان حمو وسيامند إبراهيم وأمثالهم لا ينظرون إلى الحدث فقط من زاوية اللوحة، بل من زاوية احتمال تحوله إلى مواجهة في الشارع، أو صدام مع قوى أمنية، أو ذريعة لتدخل أطراف خارجية، أو انهيار تفاهمات قائمة. لذلك يفضلون غالباً احتواء الحدث بدل تفجيره. لكن المشكلة أن الاحتواء إذا لم يكن مقروناً بموقف سياسي واضح، يتحول في نظر الناس إلى صمت، وفي نظر السلطة إلى قبول.

أما القيادات السياسية، سواء في الإدارة الذاتية أو المجلس الوطني الكردي أو الأحزاب الأخرى، فهي محكومة بخلافات داخلية عميقة. محمد إسماعيل، فصلة يوسف، شيخ آلي، أحمد بركات، غريب حسو، نصرالدين إبراهيم، صالح كدو، محمد موسى، فريد سعدون، فاتن رمضان وغيرهم، كلهم يعرفون حساسية الملف الكردي، لكنهم يتحركون ضمن حسابات حزبية وسياسية متشابكة. بعضهم لا يريد أن يعطي شرعية لخصمه. بعضهم لا يريد الظهور تحت سقف الإدارة الذاتية. بعضهم لا يريد خسارة علاقاته مع دمشق أو أربيل أو أنقرة أو واشنطن. وهكذا تضيع القضية الأساسية بين الحسابات.

وهناك سؤال آخر لا يقل حساسية: لماذا لا تتدخل القيادات الكردية السورية الموجودة في أربيل، والتي تقول منذ سنوات إنها تمثل مصالح الشعب الكردي في سوريا؟ لماذا لا نسمع موقفاً بحجم الحدث من تلك القيادات التي تعيش في الخارج، وتتحرك باسم القضية، وتحضر الاجتماعات، وتتمتع بالامتيازات، بينما الشعب الذي تدّعي تمثيله يُترك وحيداً أمام تراجع حقوقه؟

هذه القيادات مطالبة أيضاً بالجواب. فتمثيل الشعب لا يكون في الفنادق والمؤتمرات واللقاءات الدبلوماسية فقط، ولا يكون عبر البيانات الباردة التي تصدر بعد فوات الأوان. من يدّعي تمثيل الكرد عليه أن يكون حاضراً حين تُمس اللغة الكردية، وحين تُختبر الحقوق، وحين تتحول الاتفاقات إلى غطاء لتهميش المطالب القومية. أما أن تعيش بعض القيادات برغد سياسي ومادي خارج المعاناة اليومية، ثم تتحدث باسم شعب تُترك قضاياه للمساومة، فهذا يفتح سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً.

المشكلة لم تعد فقط في دمشق، ولا في قسد، ولا في المجلس الوطني، ولا في الإدارة الذاتية وحدها. المشكلة في طبقة سياسية كردية واسعة اعتادت أن تستثمر في اسم الشعب الكردي أكثر مما تحمي حقوقه. بعضهم في الداخل مقيد بالتفاهمات والخوف من الانفجار، وبعضهم في الخارج مرتاح في موقع المعارضة الدائمة، وبعضهم ينتظر تعليمات الحلفاء، وبعضهم يحسب مصالحه الحزبية قبل أن يحسب خسارة اللغة والهوية والحقوق. وفي النهاية يدفع الشعب الثمن وحده.

وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً وجرأة: هل كان مشروع قسد فعلاً مشروع حقوق كردية في سوريا، أم كان جزءاً من مشروع إقليمي أوسع، تحكمه حسابات عابرة للحدود واتفاقات معقدة، وتؤثر فيه رؤية عبد الله أوجلان من سجنه أكثر مما تؤثر فيه الحاجة المباشرة للكرد السوريين إلى حقوق دستورية واضحة داخل بلدهم؟

هذا السؤال لا يمكن دفنه بعد اليوم. فالقضية الكردية في سوريا تحتاج إلى إجابة سورية كردية واضحة: هل الأولوية هي تثبيت حقوق الكرد في سوريا، لغتهم، إدارتهم، تمثيلهم، أمنهم، ووجودهم الدستوري؟ أم أن هذه القضية ذابت في مشاريع أيديولوجية وإقليمية أكبر، تجعل الكرد السوريين مادة تفاوض بين قوى دولية وإقليمية، بينما تُترك حقوقهم اليومية معلقة؟

من حق الناس أن تسأل: هل بُني مشروع قسد على أساس ضمان حقوق الكرد السوريين، أم على أساس إدارة أمنية وعسكرية لمنطقة تحتاجها القوى الكبرى في حربها ضد داعش وفي توازناتها مع دمشق وأنقرة وطهران؟ هل كان الهدف دولة مواطنة تعترف بالكرد كشعب، أم كان الهدف خلق سلطة أمر واقع ثم إدماجها لاحقاً ضمن تفاهمات تمنع الانهيار لكنها لا تضمن الحقوق؟ وإذا كان المشروع كردياً سورياً حقاً، فلماذا لم تُثبّت اللغة الكردية حتى الآن كحق لا يقبل التفاوض في المؤسسات والمناهج والقضاء والإدارة؟

أما تأثير أوجلان ورؤيته، فهو أيضاً موضع نقاش لا يمكن تجاهله. هناك من يرى أن فكره قدّم إطاراً تنظيمياً وسياسياً لقسد والإدارة الذاتية، وهناك من يرى أن هذا الإطار جعل القضية الكردية السورية جزءاً من مشروع أممي وإقليمي واسع، على حساب مطلب قومي واضح ومباشر للكرد في سوريا. وفي الحالتين، السؤال يبقى مشروعاً: هل استفاد الكرد السوريون من هذا المسار في تثبيت حقوقهم، أم وجدوا أنفسهم مرة أخرى وقوداً لمشاريع أكبر من قدرتهم، وأوسع من حدود قضيتهم المحلية؟

لا يجوز أن تبقى هذه الأسئلة محرّمة. فالشعوب التي دفعت الدم والتهجير والحصار والفقر لها الحق أن تسأل قياداتها: إلى أين أخذتمونا؟ ماذا حققتم؟ هل حصلنا على الاعتراف الدستوري؟ هل ضمنا لغتنا؟ هل حمينا أرضنا؟ هل بنينا وحدة سياسية كردية؟ أم أننا انتقلنا من شعارات كبيرة إلى اتفاقات غامضة، ومن وعود بالحقوق إلى تفاهمات تمنع الانفجار فقط؟

ولهذا فإن سؤال لوحة قصر العدل لا يقف عند اللغة الكردية وحدها. إنه يفتح ملفاً أوسع: من يملك القرار الكردي السوري؟ هل هو بيد الشعب وقواه الحية في الداخل، أم بيد أحزاب مرتبطة بالخارج، وقيادات تعيش في أربيل أو أوروبا، ومشاريع إقليمية، وتفاهمات دولية، وحسابات أمنية لا تقول الحقيقة للناس؟

لكن كل هذه التبريرات، مهما كانت واقعية، لا تعفي أحداً من المسؤولية. صحيح أن القيادات محكومة بتفاهمات ومنع الانفجار، لكن منع الانفجار لا يعني منع الموقف. التهدئة لا تعني الصمت. والحكمة لا تعني قبول تراجع الحقوق. يمكن للقادة أن يتصرفوا بمسؤولية دون أن يشعلوا الشارع. يمكنهم أن يصدروا موقفاً واضحاً حول اللغة فقط، بعيداً عن الخلافات الحزبية. يمكنهم أن يقولوا إن الكردية في واجهات المؤسسات في مناطق الوجود الكردي حق طبيعي، لا موضوع تفاوض أمني.

المشكلة أن الشارع يرى الحدث، ثم ينتظر من القيادات أن تتحرك، فلا يرى إلا بيانات متأخرة أو صمتاً أو تبريرات. عندها تتراكم مشاعر الخذلان. يشعر المواطن الكردي أن حقوقه تُمس أمام عينيه، وأن من يفترض أن يمثلوه ينتظرون تعليمات أو تفاهمات أو لحظة مناسبة. لكن الحقوق لا تنتظر اللحظة المناسبة دائماً. أحياناً إذا لم يُدافع عنها في اللحظة الأولى، تصبح خسارتها أمراً واقعاً.

لذلك يجب ألا يكون الرد الكردي انفعالياً فقط. لا يكفي أن يغضب الناس يوماً أو يومين. ولا يكفي أن تُنشر منشورات على وسائل التواصل. المطلوب تحويل الحادثة إلى ملف سياسي وقانوني واضح. يجب أن يُطرح السؤال على الحكومة السورية بصيغة مباشرة: هل تعترفون بحق استخدام اللغة الكردية في واجهات المؤسسات العامة في مناطق الوجود الكردي؟ إن كان الجواب نعم، فليصدر قرار مكتوب. وإن كان الجواب لا، فليُقال ذلك بوضوح للشعب الكردي وللرأي العام السوري والدولي.

لا بد من مذكرة قانونية، حتى لو لم تتفق كل القوى الكردية على كل شيء. يمكن أن تكون المذكرة محصورة في نقطة واحدة: اللغة الكردية في المؤسسات واللافتات والتعليم المحلي. هذه ليست قضية حزبية. ليست قضية قسد وحدها، ولا المجلس الوطني وحده، ولا الإدارة الذاتية وحدها. هذه قضية كل كردي، بل قضية كل سوري يؤمن بدولة متعددة وعادلة.

ولا بد من وفد كردي، حتى لو كان مصغراً، يضم حقوقيين وممثلين سياسيين وشخصيات اجتماعية مستقلة. هذا الوفد لا يجب أن يذهب للتفاوض على كل مستقبل سوريا، بل ليطرح مطلباً محدداً: إعادة الكردية إلى الواجهات الرسمية في مناطق الوجود الكردي، وضمان عدم تكرار حذفها، ووضع آلية قانونية واضحة لذلك.

ولا بد من اعتصامات سلمية منضبطة، لا تعطي أي ذريعة أمنية. فالمطالبة باللغة الكردية يجب أن تبقى في إطارها الأخلاقي والسياسي: لغة، حق، اعتراف، كرامة، شراكة. أي صدام أو اقتحام أو عنف سيحوّل القضية من قضية حقوق إلى قضية أمن، وهذا ما قد تستفيد منه السلطة لتبرير التشدد.

ولا بد من بيان موحد، أو على الأقل بيان متقارب، من كل القوى الكردية. وإذا لم تستطع الأحزاب الاتفاق على مستقبل الإدارة أو العلاقة مع دمشق أو شكل الدولة، فلتتفق على هذه الجملة البسيطة: “اللغة الكردية حق أصيل في مناطق الوجود الكردي، وحذفها من المؤسسات الرسمية مرفوض.” من لا يستطيع التوقيع على هذه الجملة، فماذا بقي من خطابه القومي أو الوطني؟

الدور المطلوب من مظلوم عبدي وإلهام أحمد تحديداً مهم لأنهما في موقع التفاوض المباشر مع دمشق والرعاة الدوليين. عليهما أن يربطا أي تنفيذ للاتفاقات بضمانات واضحة للحقوق الثقافية والسياسية، لا أن يبقى التنفيذ محصوراً في الملفات العسكرية والأمنية والمعابر والحقول والمؤسسات. لا يجوز أن يكون الدمج من طرف واحد: تُدمج المؤسسات والسلاح والإدارة، بينما تبقى الهوية معلقة.

والدور المطلوب من المجلس الوطني الكردي وأحزابه لا يقل أهمية. لا يكفي انتقاد الإدارة الذاتية أو انتظار فشل قسد. حذف اللغة الكردية لا يستهدف حزباً واحداً، بل يمس كل الكرد. لذلك على المجلس وأحزابه أن يخرجوا من موقع المتفرج أو المنتقد فقط، وأن يطرحوا موقفاً عملياً واضحاً أمام دمشق وأمام حلفائهم وأمام الشارع.

أما دور الشخصيات المستقلة والحقوقيين والمثقفين، فهو منع تحويل القضية إلى سجال حزبي. يجب أن يقال للجميع: هذه ليست معركة بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، وليست معركة بين قسد ودمشق فقط، بل معركة على معنى سوريا الجديدة. هل ستكون سوريا دولة تعترف بتعددها، أم دولة تعيد إنتاج المركزية القديمة بلغة جديدة؟

ما بعد حادثة قصر العدل يجب أن يكون مختلفاً. لا يجوز انتظار اللوحة القادمة، أو المدرسة القادمة، أو القرار القادم. يجب تثبيت مبدأ واضح: أي اتفاق لا يحمي اللغة الكردية في الحسكة والقامشلي وكوباني وعفرين وسائر مناطق الوجود الكردي هو اتفاق ناقص. وأي دولة تخشى من اللغة الكردية على واجهة مؤسسة، لن تستطيع بناء ثقة حقيقية مع الكرد.

الذين يسألون لماذا لا تتدخل هذه الأسماء محقون في غضبهم. لكن عليهم أن يفهموا أيضاً أن كثيراً من هذه الأسماء محكوم بتفاهمات، وبحسابات منع الانفجار، وبضغوط داخلية وخارجية. غير أن هذا لا يعني إعفاءهم من الواجب. فالقيادة ليست فقط أن تمنع الحرب، بل أن تمنع أيضاً تآكل الحقوق بهدوء. القيادة ليست أن تنتظر الحدث ثم تشرح أسبابه، بل أن ترى ما قبل الحدث وتمنع تكراره.

اليوم، المطلوب موقف لا يجر المنطقة إلى الفوضى، لكنه أيضاً لا يترك الحقوق تُسحب بصمت. المطلوب لغة سياسية هادئة في الشكل، حازمة في الجوهر. تقول إن الكرد ليسوا ضيوفاً في سوريا، وإن الكردية ليست لغة أجنبية، وإن الحسكة ليست مكاناً يمكن محو هويته بقرار إداري، وإن اتفاق آذار أو غيره من الاتفاقات لا قيمة له إذا لم يتحول إلى ضمانات مكتوبة ومرئية ومحسوسة في حياة الناس اليومية.

فالحقوق التي لا تظهر على واجهة قصر العدل، قد لا تظهر غداً في قاعة المحكمة. واللغة التي تُحذف من اللوحة، قد تُحذف لاحقاً من المدرسة والوثيقة والقرار. لذلك المسألة أكبر من لوحة. إنها سؤال عن المستقبل: هل يكون الكرد شركاء حقيقيين في سوريا، أم مجرد مكوّن يُذكر في الخطب ويُغيب في المؤسسات؟

الجواب لم يُحسم بعد. لكنه سيُحسم بطريقة تعامل الكرد مع هذه اللحظة. فإن ظلوا مختلفين، ستستثمر السلطة في خلافاتهم. وإن ظل القادة صامتين بحجة التفاهمات، ستتحول التفاهمات إلى قيود. وإن بقي الشارع غاضباً بلا تنظيم، سيُستهلك غضبه. أما إذا تحولت الحادثة إلى موقف قانوني وسياسي واضح، فقد تصبح اللوحة التي أُسقطت سبباً في تثبيت حق لا يجوز إسقاطه بعد اليوم.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي أن الكرد لم يحصلوا بعد على حقوقهم السياسية المثبتة. وما جرى كان تفاهمَ منع انهيار أكثر مما كان عقدَ شراكة عادلة. منع الخطر، لكنه لم يصنع العدالة. أوقف الانفجار، لكنه لم يضمن الحقوق. فتح باباً، لكنه ترك خلفه أسئلة كبرى: ما موقع اللغة الكردية؟ ما شكل الإدارة؟ ما ضمانة التمثيل؟ ما حدود المركزية؟ وما معنى أن يكون الكرد مكوّناً أصيلاً إذا كانت لغتهم تُحذف من واجهة قصر العدل في الحسكة؟

الشعب الكردي في سوريا متروك لمصيره، كان وما زال يُعامَل كمواطن درجة ثانية، بلا حركة سياسية موحدة تحمي مصالحه، وبلا قيادة قادرة على تحويل تضحياته وحقوقه إلى ضمانات دستورية وقانونية واضحة. ما جرى في الحسكة ليس حادثة منفصلة، بل نتيجة تراكم طويل من العجز والانقسام والانتظار والرهان على تفاهمات لا تصنع حقوقاً.

أما آن أوان الانقلاب السياسي والأخلاقي على كل تلك الأحزاب التي ادعت لسنوات طويلة تمثيل مصالح الكرد، بينما ساهمت في إضاعتها بخلافاتها، وصراعاتها، وسعيها وراء مصالحها الضيقة؟ أما آن للشعب أن يسأل من مثّله: ماذا حققتم؟ أين الحقوق؟ أين اللغة؟ أين الدستور؟ أين الضمانات؟ وأين كنتم حين كانت الحقوق تُحذف لوحة بعد لوحة، ومؤسسة بعد مؤسسة؟

الشعب الكردي في سوريا لم يعد بحاجة إلى أوصياء جدد ولا إلى أحزاب تعيش على اسمه. لم يعد بحاجة إلى من يبيع له الوهم باسم الواقعية، ولا إلى من يخبئ الحقيقة باسم التفاهمات، ولا إلى من يتحدث عن الحقوق وهو عاجز عن حماية لغة على لوحة محكمة. لقد آن الأوان لمراجعة كل المشروع السياسي الكردي في سوريا: مشروع قسد، ومشروع المجلس الوطني، ومشاريع الأحزاب المقيمة في أربيل، وكل القيادات التي ادعت تمثيل الكرد ثم تركتهم بلا ضمانات.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا خوف: هل كانت هذه المشاريع فعلاً مشاريع حقوق كردية، أم كانت أدوات في مشاريع إقليمية ودولية أوسع؟ هل كانت تقود الكرد إلى اعتراف دستوري وشراكة حقيقية، أم إلى تفاهمات أمنية تُدار من فوق رؤوسهم؟ وهل يجرؤ أحد اليوم على قول الحقيقة: أن الشعب الكردي تُرك وحيداً، بين سلطة لا تريد منحه حقوقاً سياسية كاملة، وقيادات كردية أخفقت في حمايته، وأحزاب حولت قضيته إلى مصدر نفوذ ورواتب ومقاعد ومصالح ضيقة؟

من لا يراجع هذا الخراب الآن، سيبقى غداً يشرح خسارة جديدة بعد وقوعها. القضية لم تعد لوحة فقط؛ إنها محاكمة سياسية وأخلاقية لكل من تحدث باسم الكرد، ثم عجز عن حماية أبسط رموز وجودهم. والسؤال الآن ليس ماذا ستفعل السلطة وحدها، بل ماذا سيفعل الشعب الكردي مع طبقة سياسية أهدرت عمره باسم تمثيله.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

اتفاق لم يولد بعد: مذكرة واشنطن وطهران بين وساطة قطر وشروط إسرائيل وارتدادات لبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يمكن الحديث حتى...

حين كبرنا على ضوء ظفار: فواز طرابلسي وذاكرة الثورة البعيدة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كبر جيلنا على حكايات لا تشبه الحكايات العابرة. كبرنا...