السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

لبنان بين لصّين: جيش جاء باسم الأخوّة وجيش جاء باسم الأمن!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

لم يعرف لبنان الاحتلال كخريطة عسكرية فقط، بل كذاكرة يومية: حاجز على الطريق، ثكنة فوق التلة، ضابط غريب يقرّر، ومواطن يكتشف أن بيته لم يعد كامل السيادة. وفي هذه الذاكرة المريرة تقف تجربتان مختلفتان في الشعارات والتحالفات، لكنهما تلتقيان عند صورة واحدة جارحة: جيش يدخل أرضًا لبنانية، ثم يغادرها محمّلًا بما ليس له.

الأول هو الجيش السوري، الذي دخل لبنان في زمن حافظ الأسد وبقي حتى عهد ابنه بشار، متحوّلًا من قوة عسكرية إلى سلطة وصاية أمنية وسياسية واقتصادية امتدت قرابة ثلاثة عقود. والثاني هو الجيش الإسرائيلي، الذي لا يحضر في الجنوب بوصفه قوة قصف واحتلال فقط، بل بوصفه جيشًا تلاحقه، من داخل صحافته نفسها، اتهامات بنهب منازل ومتاجر مدنية.

ليست المقارنة هنا مساواة بسيطة بين تاريخين. فالوجود السوري كان مشروع وصاية طويلة على الدولة والقرار والمؤسسات، أما السلوك الإسرائيلي في الجنوب فيأتي ضمن سياق حرب واحتلال وتوغّل عسكري. لكن القاسم المشترك واضح: لبنان، حين يضعف، يتحوّل في نظر الجيوش الغريبة إلى أرض مباحة، تؤخذ منها السياسة أولًا، ثم تؤخذ منها الذاكرة، ثم تُسرق منها الأشياء الصغيرة التي تصنع حياة الناس.

الجيش السوري: حين صار “الشقيق” وصيًا وناهبًا

بقي الجيش السوري في لبنان من عام 1976 حتى عام 2005. خلال تلك السنوات، لم يكن الوجود السوري مجرد انتشار عسكري، بل نظام وصاية كامل: قرار سياسي مراقَب، أمن ممسوك، معابر مفتوحة لشبكات النفوذ، واقتصاد ظلّ يتحرك بين لبنان وسوريا كأن الحدود طريق خاص لا سيادة عليه.

في الذاكرة اللبنانية، لم تكن تلك المرحلة محصورة في العناوين الكبرى: الوصاية، الاعتقالات، الإتاوات، التهريب، ومصادرة القرار. هناك وجه أكثر فجاجة، ظلّ حاضرًا في روايات الناس: عناصر من الجيش السوري دخلوا بيوتًا، أو غادروا مواقعهم، حاملين ما خفّ وما ثقل من ممتلكات اللبنانيين. تتحدث الذاكرة الشعبية عن أثاث، أدوات منزلية، وأحيانًا عن برادات حُمّلت ونُقلت إلى سوريا. قد لا تكون كل هذه الحوادث موثقة في ملفات قضائية منشورة، لكنها راسخة في وجدان واسع شعر فيه اللبناني أن بيته نفسه لم يكن محميًا من يد العسكر.

هنا لا يعود النهب مجرد تهريب عبر الحدود، ولا مجرد فساد مرافق للاحتلال. يصبح اعتداءً على الحياة اليومية نفسها: على المطبخ، والغرفة، والبراد، والكرسي، والأشياء التي تجعل البيت بيتًا. فالجيش الذي يسرق بيتًا لا يسرق مالًا فقط؛ إنه يعلن أن صاحب البيت بلا حرمة.

والأسوأ أن السرقة السورية الكبرى لم تكن سرقة أشياء فحسب، بل سرقة دولة. سُرق القرار اللبناني، وسُرقت قدرة المؤسسات على التصرف بحرية، وسُرقت من اللبنانيين سنوات طويلة كان فيها سؤال السيادة مؤجلًا خلف سلطة أمنية لا تنتخب ولا تُحاسب. لذلك كان النهب العيني، مهما بدا صغيرًا، جزءًا من مشهد أوسع: بلد كامل موضوع تحت يد وصاية تتعامل معه كغنيمة سياسية واقتصادية.

الجيش الإسرائيلي: النهب كما كشفته الصحافة الإسرائيلية

في الحالة الإسرائيلية، لا تأتي الاتهامات من خصوم إسرائيل وحدهم. فقد نشرت الصحافة الإسرائيلية نفسها تقارير عن شهادات جنود تحدثوا عن نهب ممتلكات مدنية من منازل ومتاجر في جنوب لبنان. وذكرت تلك التقارير أمثلة مثل دراجات نارية، تلفزيونات، لوحات، أرائك، وسجاد، مع إشارات إلى معرفة بعض القادة بما يجري أو عجزهم عن ردعه.

ثم جاء ردّ الجيش الإسرائيلي نفسه ليؤكد أن القضية لم تكن شائعة عابرة؛ إذ أُعلن عن فتح تحقيقات داخلية في ادعاءات النهب، وجرى الحديث عن تآكل الانضباط وحوادث غير أخلاقية ارتكبها جنود. وهذا وحده كافٍ ليجعل المسألة أكبر من رواية دعائية. عندما تصبح السرقة موضوعًا في الصحافة الإسرائيلية وتحقيقًا داخل المؤسسة العسكرية، فإن السؤال لا يعود: هل يتهم اللبنانيون إسرائيل؟ بل: ماذا تقول إسرائيل عن جيشها حين يدخل بيوت اللبنانيين؟

النهب في الحرب ليس خطأً جانبيًا ولا تفصيلًا أخلاقيًا صغيرًا. إنه جريمة ضد معنى المدني. الجندي الذي يمد يده إلى سجادة أو تلفزيون أو دراجة من بيت مهجور بالقوة لا يرى في ذلك البيت عائلة، ولا يرى في أصحابه بشرًا لهم حق وملكية وذاكرة. يراه مساحة عمليات، مستودعًا، أو غنيمة.

وهذه هي خطورة ما يحدث في الجنوب: أن يتحول البيت اللبناني، تحت ضغط الحرب، إلى مكان بلا صاحب في عين المحتل. فالقصف يهدم الجدران، أما النهب فيكمل الإهانة: يقول للضحية إن ما بقي من حياتك بعد القصف ليس لك أيضًا.

لبنان ليس مستودعًا للجيوش

المأساة اللبنانية أن المواطن غالبًا ما يُجبر على شرح البديهيات: أن بيته ليس موقعًا عسكريًا، أن متجره ليس مخزنًا للعدو، أن دراجته ليست تذكار حرب، أن براده ليس غنيمة، وأن سجادته ليست دليل انتصار.

في التجربة السورية، جرى انتهاك لبنان باسم “الأخوة” و“العروبة” و“حماية السلم الأهلي”. وفي التجربة الإسرائيلية، يجري الانتهاك باسم “الأمن” و“محاربة حزب الله” و“الضرورة العسكرية”. لكن المواطن الذي يعود إلى بيته فلا يجد مقتنياته لا تهمه اللغة التي استُعملت لتبرير الجريمة. اللص لا يصبح أقل لصوصية لأنه رفع شعارًا كبيرًا.

السرقة الصغيرة تكشف الجريمة الكبيرة. من يسرق بيتًا لا يرى صاحبه كامل الإنسانية. ومن ينقل أثاث الناس إلى بلده لا يتعامل مع الأرض كساحة عسكرية فقط، بل كملكية مباحة. لذلك لا قيمة هنا للتبريرات السياسية. يد السارق تبقى يدًا سارقة، سواء خرجت من جيش ادّعى الأخوّة أو من جيش أعلن العداء.

اختلاف الرايات ووحدة السلوك

الجيش السوري دخل من باب “الشقيق”، ثم تصرّف كوصيّ فوق الدولة وفوق المواطن. والجيش الإسرائيلي يدخل من باب “الأمن”، ثم يتصرف بعض جنوده كأن القرى الجنوبية بلا أهل وبلا ذاكرة. الرايتان مختلفتان، والخطابان متناقضان، لكن النتيجة عند الضحية واحدة: بيت مفتوح أمام جندي غريب، ودولة عاجزة عن حماية مواطنها.

تحت حكم حافظ الأسد، صار لبنان ورقة في معادلة إقليمية وساحة نفوذ. وتحت حكم بشار الأسد، انتهى الوجود العسكري المباشر عام 2005، لكن آثار الوصاية بقيت في السياسة والذاكرة والملفات المفتوحة. أما إسرائيل، فهي لم تحتج يومًا إلى ادعاء الأخوة؛ علاقتها بلبنان علاقة حرب واحتلال وحدود ملتهبة. لذلك يبدو نهب جنودها لمنازل في الجنوب امتدادًا لمنطق قديم يرى القرى اللبنانية “منطقة عمليات” لا مجتمعًا حيًا.

وهنا الخطر الأكبر: حين تُختصر قرية بكلمة “منطقة”، ويُختصر البيت بكلمة “موقع”، ويُختصر المدني بكلمة “بيئة”، يصبح كل شيء قابلًا للمصادرة، ثم للسرقة، ثم للنسيان.

ما يحتاجه لبنان

لا يحتاج لبنان إلى ذاكرة انتقائية. لا يجوز إدانة النهب الإسرائيلي والصمت عن النهب السوري، ولا يجوز استحضار جرائم الوصاية السورية لتبييض ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي. الكرامة الوطنية لا تتجزأ بحسب هوية السارق. من سرق بيتًا لبنانيًا، أو غطّى سرقته، أو حوّلها إلى عادة، يجب أن يُدان بالمعيار نفسه.

ويحتاج لبنان إلى توثيق لا إلى بكاء فقط. المطلوب أرشيف جدي: شهادات أصحاب البيوت، صور، لوائح بالممتلكات، إفادات، تقارير حقوقية، وملاحقات قانونية حيث أمكن. فالذاكرة تصرخ، لكن التوثيق يحاصر الجريمة ويمنع السارق من الاحتماء بالنسيان.

وقبل كل شيء، يحتاج لبنان إلى دولة قادرة. كل حديث عن النهب يقود إلى السؤال الأصعب: لماذا يستطيع جندي أجنبي أن يدخل بيتًا لبنانيًا ويخرج منه آمنًا؟ الجواب لا يكمن في أخلاق الجندي وحدها، بل في ضعف الدولة، وتشرذم القرار، وعجز السيادة عن حماية الإنسان قبل حماية الشعار.

لبنان أمام تجربتين قاسيتين: جيش قال إنه شقيق، وجيش قال إنه يحمي أمنه. الأول سرق باسم الأخوّة، والثاني ينهب باسم الأمن. وبين الشعارين، بقي المواطن اللبناني يفتش عن بيته، عن دولته، وعن حقه في أن لا يكون غنيمة لأحد.

السرقة من بيوت اللبنانيين ليست حادثة هامشية في زمن الحرب؛ إنها خلاصة الحرب حين تفقد أخلاقها. فمن ينهب بيتًا لا يحتل الأرض فقط، بل يحاول احتلال معنى البيت نفسه.

ولبنان، بعد كل ما مرّ عليه، لا يحتاج إلى دروس في السيادة من أحد. يحتاج إلى قوة تحميها، وذاكرة لا تساوم عليها، وجرأة تقول بوضوح: اللص لص، ولو جاء بلباس جيش، ولو حمل علم دولة، ولو اختبأ خلف أجمل الشعارات.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

وقاحة إيرانية في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ

أخباركم - أخبارنا لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة...