أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
في المشهد الراهن، ثمة من يرى أن ما يجري بين واشنطن وطهران ليس أزمة قابلة للإدارة، بل مأزق وجودي لثلاثة أطراف في آنٍ واحد: إيران التي خسرت مرشدها وجزءاً كبيراً من بنيتها العسكرية والنووية، وإسرائيل التي لا تستطيع أن تقبل بإيران نووية أو حتى شبه نووية ولا باليستية، وأمريكا التي رهنت نفوذها الإقليمي كله بنتيجة هذا الصراع. والمأزق الوجودي، بطبيعته، لا ينتهي بتسوية، لأن التسوية تعني أن طرفاً ما يقبل بتقليص وجوده الاستراتيجي، وهذا ما لا تفعله الأطراف حين تكون حياتها على المحك.
قمة بكين: ورقة ناقصة
يتوجه ترمب إلى بكين في زيارته الراهنة حاملاً ملفاً واحداً محدداً: الضغط على الصين لإقناع إيران بفتح مضيق هرمز. وهذا التحديد بحد ذاته كاشف لنواياه، فهو لا يطرح الملف الإيراني كله، بل يُجزّئه، ويبحث عن انفراج جزئي يتيح له إعلان انتصار إعلامي في نافذة زمنية ضيقة. غير أن الصين، رغم مصلحتها الاقتصادية الواضحة في هرمز بوصفها أكبر مستورد للنفط الخليجي والإيراني، لا تستطيع أن تدخل على هذا الملف من خلال هذه الجزئية دون التنسيق مع طهران حليفتها الاستراتيجية. والأرجح أن القمة ستنتهي بلغة مشتركة مبهمة حول “ضرورة التهدئة” لا بخطوة فعلية، وهو ما يُسقط آخر ورقة دبلوماسية في يد ترمب.
الرد الإيراني: منتصر على مهزوم
ما تسرّب من الموقف الإيراني عبر الوساطة الباكستانية كشف عن شيء جوهري: الرد الإيراني الذي أُرسل إلى واشنطن السبت الماضي لم يكن رد طرف يبحث عن تفاهم، بل جاء بلغة المنتصر على المهزوم. طهران لا تتفاوض بالمنطق الذي يفكر به الأمريكيون. وهذا ليس مفاجأة لمن يعرف طبيعة الأنظمة الشمولية، مقياس النصر عندها بسيط: البقاء هو الانتصار. الضحايا ليسوا خسارة، والدمار ليس هزيمة، طالما الإطار الثوري قائماً.
إيران تراهن على الوقت، وقد تُخطئ
يبدو أن النظام الإيراني بنى حساباته على أن الوقت يضيق أمام ترمب: كأس العالم يبدأ في أمريكا منتصف يونيو، والانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر تقترب، والانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر تُضيف ضغطاً موازياً. بمعنى أن النافذة الحقيقية أمام ترمب لحسم الأزمة لا تتجاوز نهاية مايو الجاري، وبعدها تتمدد الأزمة إلى عام 2027، وهو ما يمثل خسارة استراتيجية فادحة لأمريكا وإسرائيل وربحاً ثميناً لطهران.
لكن هذه القراءة، رغم منطقها الظاهري، تنطوي على الخطأ الكلاسيكي للأنظمة الشمولية: قراءة نقاط ضعف الخصم بدقة مع إهمال نقاط قوته. الأنظمة الشمولية تبني قراراتها على معلومات مُصفّاة ترضي القائد على ان يُعيدها تعليمات، وهو ما جعل صدام يُخطئ عام 2003 حين لم يُصدّق أن أمريكا ستجتاح بلده. وما قد يجعل طهران تُخطئ اليوم. والمرشد الجديد، نجل خامنئي، الذي يحتاج إلى إثبات نفسه في مرحلة تأسيس سلطته، أكثر ميلاً للتصلب من أبيه لا للمرونة.
منطق التورط: من يتورط لا يعود
الحرب الراهنة أنتجت تورطاً عميقاً لأطرافها، فهؤلاء علّقوا انفسهم في شرنقة الحروب الوجودية . وفي السياسة كما في الميدان، التورط له منطقه الخاص: من يتورط لا يستطيع العودة إلا إذا انتصر أو هُزم هزيمة كبرى. واشنطن تُدرك هذه اللعبة جيداً. وبدلاً من أن يُشلّها ضيق الوقت، فإنها ترى فيه دافعاً للتحرك قبل انطلاق الاستحقاقات المنتظرة، وبقوة ضاربة لا تُقارن بما سبق. وكل المؤشرات تُشير إلى أن أي تحرك عسكري أمريكي كبير سيأتي في أعقاب قمة بكين مباشرة.
ما بدا هدوءاً نسبياً في الفترة الأخيرة ليس سلاماً، بل استراحة محارب.
ان القمة الأمريكية الصينية في بكين ستنتهي دون حل حقيقي. والرد الإيراني المتصلب سيُسقط آخر حجة أمام المشككين داخل الإدارة الأمريكية. فإن لم تتراجع طهران عن لغة المنتصر وتقدم شيئاً حقيقياً، ستبدأ الحرب من جديد بعنف لم يُشهد له مثيل في هذا الصراع.
الجولة الثالثة على إيران قادمة. والجولة الرابعة على لبنان قادمة. وحزب الله الذي يُنعش بيئته بالمسيرات الانتحارية، غير عابئٍ بالشعب اللبناني ولا بمعاناته، ينفّذ أوامر مُشغّليه في طهران. والسلطة اللبنانية أضاعت فرصاً كثيرة، حتى الندم لم يعد ينفع.



