أخباركم – أخبارنا / أسامة وهبي
هناك لازمة يرددها بعض خصوم حزب الله، خاصةً الطائفيين والموتورين، تقول بأن حزب الله هو حزب إيراني وليس حزباً لبنانياً. هناك من يقول ذلك مجازاً، وهناك من يقصد ما يقوله، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى حد وصف حزب الله بأنه جالية إيرانية في لبنان، ودعوتهم للرحيل من لبنان.
الصحيح هو أن مشروع حزب الله مرتبط بشكل عضوي بالنظام الإيراني، وأن حزب الله يشكل امتداداً للحرس الثوري الإيراني في لبنان، والمنتسبين لحزب الله يلتزمون بما يصدر عن الولي الفقيه في إيران، وحزب الله يؤمّن نفوذاً للنظام الإيراني في لبنان والمنطقة، وتمويل حزب الله وسلاحه من إيران، وذلك ليس سراً. لكن هل يعني ذلك بأن المنتسبين لحزب الله أصبحوا إيرانيين؟ وهل تنزع عن قياداته وعناصره لبنانيتهم بسبب ارتباطهم السياسي والأيديولوجي بالنظام الإيراني؟ وضع حزب الله في لبنان اليوم لا يشبه وضع منظمة التحرير في العام ١٩٨٢، ولو كان الأمر كذلك، كانت جُهّزت السفن لترحيلهم إلى إيران، كما رُحّلت منظمة التحرير إلى تونس. ولأن حزب الله لبناني، ولديه قاعدة جماهيرية كبيرة، ومتواجد في مناطق واسعة من لبنان، ومنتسبوه ومحازبوه ينتمون إلى كافة طبقات المجتمع، وهذا ما يصعّب سلخهم عن مجتمعهم، ولا يمكن عزلهم أو ترحيلهم بالبساطة التي يتكلم فيها بعض خصومه المتفائلين بقرب الانتهاء منهم على يد العدو الإسرائيلي.
من هم عناصر حزب الله في المجتمع الذي يتواجدون فيه بالنسبة لشخص معارض بشكل كامل لهذا الحزب؟ هم جيرانك وصهرك وابن أختك وابن خالك وابن عمك، هم أستاذك وزميلك ومديرك وتلميذك في المدرسة وفي الجامعة، هم الطبيب والمهندس والعامل والحداد والنجار وبائع الخضار. هؤلاء هم عناصر حزب الله. منهم من ولد في قريته ولم يخرج منها حتى استشهاده في الحرب الأخيرة دفاعاً عن أرضه وبيته. ومنهم من لم يسافر بكل حياته ولا يحمل أي جنسية أخرى غير جنسيته اللبنانية. بعض خصوم حزب الله ممن ينزعون عنه لبنانيته، يحملون جنسيات أجنبية، ومنهم من يوالي أميركا ويستجدون تدخلها عسكرياً في لبنان، ومنهم من يمني النفس بأن يتدخل الرئيس الأميركي لفرض تعديل قانون تجريم التعامل مع إسرائيل في مجلس النواب والتلويح بمعاقبة الرئيس بري وكل نائب يعترض على ذلك الأكثرية. ومنهم من يوالي فرنسا ويحمل جنسيتها ويعيش فيها. ومنهم من يعتبر العميل سعد حداد والعميل أنطوان لحد وجيش العميل لحد أبطالاً مع أنهم كانوا يوالون إسرائيل وخدموها ودافعوا عنها. ومنهم من يعتبر مقاتلي حزب الله الذين يقتلهم العدو الإسرائيلي في أرضهم مجرد قتلى، ويعتبر جنود المارينز الذين قتلوا في لبنان “شهداء” قدموا حياتهم من “أجلنا” على حد قول النائب سامي الجميل! الأكثرية الساحقة من عناصر حزب الله وقياداته فعلاً لا يملكون جنسيات أخرى إلا الجنسية اللبنانية، هؤلاء كانوا بالسابق ينتمون لأحزاب أخرى، منهم شيوعيون سابقون أو بعثيون سابقون وحتى لحديون سابقون، انتقلوا من حزب لآخر، لكنهم بقوا لبنانيين. عناصر جيش لحد كانوا عملاء، لكنهم لبنانيون. كل الأحزاب الطائفية التي توالي دولاً خارجية هي أحزاب لبنانية شئنا أم أبينا. صحيح أن قيادة حزب الله اتخذت قراراً بفتح حرب لإسناد غزة ثم حرب الانتقام للخامنئي وإسناد إيران، لكن هناك شباباً لبنانيين صادقين ومصدقين أنهم يدافعون عن أرضهم وليس عن إيران، وأنا لدي أصدقاء استشهدوا دفاعاً عن أرضهم وقراهم، وأعرف شباباً من ضيعتي ذهبوا للقتال دفاعاً عن الخيام وبنت جبيل واستشهدوا هناك، لكن هذا لا يبرر قرار فتح حروب إسناد كنا بغنى عنها، ولا يبرئ حزب الله من زج لبنان في هذه المقتلة. وما يصعّب حل معضلة سلاح حزب الله هو أن هذا السلاح هو ملك للنظام الإيراني، لكن من يحمله ويستخدمه هم لبنانيون أباً عن جد ولن يتخلوا عن أرضهم. وهنا أسمح لنفسي أن أقول إنه من الغباء المطلق القول بأن حزب الله ليس لبنانياً، لأن الطعن بلبنانية أي مواطن مهما اختلفنا معه بالسياسة أو بالعقيدة والفكر، يؤدي إلى غضب داخلي عارم وشد عصب طائفي خطير، يستفيد منه ويستخدمه حزب الله في مواجهة خصومه في الداخل. لذلك على بعض خصوم حزب الله أن يقلعوا عن هذا الاتهام الرخيص، لأن هؤلاء كانوا لبنانيين قبل حزب الله، وسيبقون لبنانيين بعد حزب الله.
ولكي لا ندخل في حقل من المزايدات، أنا أتحدث عن لبنانية حزب الله من موقع الخصومة التامة معه ومع مشروعه وعقيدته ورؤيته، وعلى عكس الكثير من اليساريين الذين يقولون بأنهم ضد حزب الله بالعقيدة والفكر، لكنهم معه في موضوع المقاومة، وأنا أعتبر بأن أول ملف خلافي مع حزب الله هو المقاومة التي حوّلها بالقوة من مقاومة وطنية لبنانية إلى مقاومة طائفية مذهبية، وجعلها أداة بيد أنظمة قمعية استبدادية ظالمة. وأنا لا أتحدث من فوق التلة ولا من خلف أسوار طائفية وعنصرية ومناطقية، كما يفعل الموتورون من أصحاب الرؤوس الحامية، الذين يواجهون حزب الله عن بعد، ويتكلمون عن جهل. تجربتي في مواجهة حزب الله طويلة، بدأت أيام الجامعة حتى اليوم، حيث كانت المواجهة شرسة وعنيفة، وخضت من خلال الأطر الطلابية والسياسية التي عملت فيها جميع أنواع الانتخابات في مواجهة حزب الله، بدءاً بالانتخابات الطلابية مروراً بالانتخابات البلدية والنقابية، وصولاً للانتخابات النيابية. كما كنت ضد حرب إسناد غزة لأسباب عديدة منها الخوف من الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم، وضد حرب الثأر للخامنئي وإسناد إيران، وأحمّل حزب الله مسؤولية فتح الباب أمام العدو الإسرائيلي الحاقد ليعيث في الجنوب وباقي المناطق اللبنانية قتلاً وتهجيراً وتدميراً، وذلك لا يبرئ العدو الإسرائيلي الإرهابي الذي يمارس وحشية وهمجية مطلقة، ويختزن حقداً دفيناً على لبنان كبلد وشعب بسبب هزيمته في بيروت وطرده من لبنان في العام ٢٠٠٠، وهذا ما يفسر تدميره لقرى ومدن عن بكرة أبيها خارج أي منطق حربي، وخلافاً لكل الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تنص على حماية المدنيين، ولا تجيز جرف قرى أو قصف أحياء مدنية مكتظة بالسكان بحجة وجود هدف معين أو استهداف شخص.



