أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليست الهجمات الأخيرة على اللواء عباس إبراهيم من فراغ، ولا يمكن قراءتها كزوبعة عابرة على مواقع التواصل فقط. فحين يتحول اسم مدير عام سابق للأمن العام إلى مادة يومية للاتهامات، والتسريبات، والردود، والقرصنة المزعومة، فهذا يعني أن الرجل لم يخرج من السلطة كما يخرج الموظفون الكبار عادةً، بل بقي لاعبًا في منطقة رمادية بين الأمن والسياسة والنفوذ.
الحملة التي طالت عباس إبراهيم خلال الأيام الماضية جاءت، بحسب ما نشرته وسائل إعلام لبنانية، دفعة واحدة على منصات التواصل، حتى تحولت الأخبار عنه إلى “ترند”، وسط تساؤلات عمّن يقف خلفها: جهة سياسية، أمنية، أم مجرد موجة رقمية. لكن الأهم من سؤال “من أطلق الحملة؟” هو سؤال آخر: لماذا تجد هذه الحملة أرضًا جاهزة للتفاعل؟
فالرجل الذي قدّم نفسه لسنوات بصفة “الوسيط” و”رجل الملفات الصعبة”، كان في الوقت نفسه جزءًا من منظومة حكم وأمن ونفوذ لم تخرج من دائرة الشبهات. منذ توليه الأمن العام، توسع حضوره خارج حدود الوظيفة الإدارية، وامتد إلى ملفات التفاوض، والمخطوفين، والرهائن، والعلاقات الإقليمية، والتواصل مع قوى داخلية وخارجية. وقد وصفته تقارير إعلامية بأنه كان يحظى بثقة أطراف متناقضة، من بينها حزب الله والولايات المتحدة، وهي معادلة نادرة في لبنان لكنها ليست بريئة سياسيًا.
من موقع أمني إلى مشروع سياسي
المشكلة في عباس إبراهيم ليست فقط في ما يُقال عنه اليوم، بل في المسار الذي صنعه لنفسه. فبعد خروجه من الأمن العام، لم يتعامل كثيرون معه كشخصية متقاعدة، بل كاسم يبحث عن دور جديد. وقد طُرحت في الإعلام أسئلة عن إمكانية عودته من باب رئاسة البرلمان أو العمل السياسي، كما تحدثت تقارير حديثة عن احتمال ترشحه للانتخابات النيابية، خصوصًا على أحد المقاعد الشيعية في دائرة كسروان – جبيل.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كان النفوذ الأمني الذي راكمه إبراهيم خلال سنوات المنصب مقدمةً لمشروع سياسي؟ وهل تحولت الخدمات التي قدّمها في ملفات حساسة إلى رصيد انتخابي محتمل؟ في لبنان، لا يولد المرشحون الكبار من البرامج السياسية، بل من شبكات الخدمات، والحمايات، والوساطات، والديون المتبادلة.
العلاقة مع حزب الله: خدمات أم تقاطع مصالح؟
لا يمكن فصل اسم عباس إبراهيم عن حزب الله. منذ لحظة تعيينه مديرًا عامًا للأمن العام عام 2011، أثار التعيين جدلًا سياسيًا، إذ اعتبرت قوى 14 آذار حينها أن التعيين يعكس إحكامًا للقبضة الأمنية من قبل حزب الله، وفق ما نُشر في الصحافة اللبنانية والعربية آنذاك.
لاحقًا، كرّست الملفات الأمنية والسياسية صورة إبراهيم كوسيط قادر على التحرك في المساحات التي يحتاجها الحزب ولا يستطيع دائمًا إدارتها علنًا. فقد لعب دورًا في ملفات تبادل ومفاوضات، منها عملية تبادل الأسرى عام 2008 بين إسرائيل وحزب الله، بحسب تقارير إعلامية. كما أن إبراهيم نفسه قال في مقابلة صحافية إن حزب الله كان “مصدر معلومات مهمًا” في ملفات مرتبطة بسوريا والأمن، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري: أين ينتهي التنسيق الأمني المشروع، وأين يبدأ توظيف مؤسسات الدولة لخدمة نفوذ حزب سياسي مسلح؟
ليست التهمة هنا أن عباس إبراهيم كان عضوًا في حزب الله، ولا توجد وثيقة قضائية علنية تثبت ذلك. لكن التهمة السياسية الأوسع هي أنه استفاد من موقعه الرسمي ليصبح رجل تقاطع بين الدولة والحزب، وبين المؤسسات الرسمية والقرار الفعلي غير الرسمي. وهذه، في بلد مثل لبنان، ليست تفصيلًا إداريًا بل جوهر الأزمة.
فساد النفوذ لا يقل خطورة عن فساد المال
حين يُقال “فساد”، لا يجب حصر المعنى بالرشوة أو الحسابات البنكية. في لبنان، أخطر أنواع الفساد هو فساد النفوذ: أن يتحول الموقع العام إلى منصة لتكوين شبكة ولاءات، وأن تصبح الوساطة بديلاً عن القانون، وأن يتحول الأمن إلى رأسمال سياسي.
عباس إبراهيم لم يكن موظفًا عاديًا. كان رجل ملفات، ورجل اتصالات، ورجل تسويات. وهذا النوع من الأدوار يمنح صاحبه قدرة على بناء علاقات تتجاوز حدود المنصب. لذلك، فإن حلم الوصول إلى مجلس النواب، إن كان قائمًا كما تتداوله بعض الأوساط الإعلامية، لا يبدو منفصلًا عن سنوات طويلة من الاستثمار في النفوذ والخدمات والعلاقات.
ومن هنا تحديدًا، تبدو الهجمات الأخيرة مفهومة في سياقها السياسي. فهي ليست مجرد صور مفبركة، ولا فقط حسابات مخترقة، ولا مجرد شائعات شخصية. هي انفجار متأخر لسؤال ظل مؤجلًا: ماذا فعل عباس إبراهيم بكل النفوذ الذي امتلكه؟ ولمن خدم هذا النفوذ؟ الدولة أم الحزب؟ القانون أم التسويات؟ اللبنانيين أم شبكة المصالح؟
القرصنة لا تلغي الأسئلة
صحيح أن مكتب عباس إبراهيم أعلن أن حساباته الموثقة تعرضت للقرصنة في 11 أيار/مايو 2026، وأن بيانات وتغريدات نُشرت عبرها لا تمت إليه بصلة، كما أعلن فريقه القانوني التحضير لشكوى قضائية ضد جهات قال إنها “مكشوفة الهوية”.
وصحيح أيضًا أن إبراهيم نفى علاقته بمحامية قيل إنها تدافع عن متهم بالعمالة، واعتبر ما يُنشر ضده “أخبارًا مفبركة” ومحاولة لتشويه سمعته.
لكن القرصنة، حتى إن ثبتت، لا تكفي لإغلاق النقاش السياسي حول الرجل. فالمسألة لا تتعلق بتغريدة أو صورة أو شائعة، بل بمسار كامل. من حق عباس إبراهيم أن يدافع عن نفسه قانونيًا، ومن واجب الإعلام ألا يحوّل الشائعات إلى أحكام. لكن من حق اللبنانيين أيضًا أن يسألوا عن إرث أي مسؤول أمني سابق، خصوصًا حين يتحول هذا المسؤول إلى طامح سياسي محتمل.
مرفأ بيروت وسؤال المحاسبة
ولا يمكن تجاهل أن اسم عباس إبراهيم ورد ضمن سياق ملف انفجار مرفأ بيروت. فقد أفادت تقارير صحافية بأن المحقق العدلي طارق البيطار استأنف تحقيقاته واستجوب مسؤولين سابقين في الملف، بعد سنوات من تعطيل التحقيق بفعل التدخلات السياسية والشكاوى المقدمة من مسؤولين كبار.
هذا لا يعني إدانة قضائية لعباس إبراهيم، فالإدانة لا تصدر إلا عن القضاء. لكنه يعني أن الرجل جزء من طبقة أمنية وسياسية يجب أن تخضع للمساءلة، لا أن تنتقل بسلاسة من المناصب الأمنية إلى الطموحات النيابية وكأن شيئًا لم يكن.
الهجمات على عباس إبراهيم ليست من فراغ. قد يكون فيها تضخيم، وقد يكون فيها تشويه، وقد تكون بعض موادها مفبركة أو مدفوعة من خصوم. لكن وجود خصوم لا يمحو الأسئلة، والقرصنة لا تلغي التاريخ، والنفي لا يكفي لإقفال ملف رجل راكم نفوذًا كبيرًا في قلب الدولة اللبنانية.
المشكلة ليست في أن عباس إبراهيم يحلم بمقعد نيابي. المشكلة أن هذا الحلم، إن تحقق، قد يكون مكافأة سياسية لمسار طويل من النفوذ الأمني والخدمات المتبادلة مع قوى الأمر الواقع، وفي مقدمتها حزب الله. ومن حق اللبنانيين أن يرفضوا تحويل الأمن إلى سلّم للسلطة، وأن يسألوا: هل يريد عباس إبراهيم دخول مجلس النواب ممثلًا للناس، أم ممثلًا لشبكة نفوذ صنعتها سنوات الخدمة في ظل دولة مخطوفة؟



