السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

عيدُ مقاومةٍ مرَّ مرورَ الكرام .. عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيد؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

عيدُ مقاومةٍ أم عيدُ مقاولة؟
عيدُ تحريرٍ أم عيدُ احتكارٍ لذاكرة التحرير؟
عيدٌ لمن؟ ولأي لبنان؟ ولأي مقاومة؟

أتى عيدُ “المقاومة والتحرير” هذه السنة في ظلّ قتلٍ يوميّ لكلّ الحجر والبشر في الجنوب؛ بيوتٌ تُمحى، قرى تُستنزف، ناسٌ يعيشون بين النزوح والخوف والانتظار، وأرضٌ يُفترض أنّها تحرّرت فإذا بها تدفع كل يوم ثمن قرارٍ لا تملكه.

ولفرط ما صار هذا العيد “مهماً”، مرّ مرور الكرام.
لم أنتبه له تقريباً. لا لأن الذاكرة خانتني، بل لأن الواقع كان أعلى صوتاً من الاحتفال، ولأن الركام كان أصدق من الخطب، ولأن الجنوب نفسه كان مشغولاً بعدّ خسائره لا بتصفيق المناسبات.

أيّ عيدٍ هذا الذي يأتي والناس تُشيّع أبناءها؟
أيّ مقاومةٍ هذه التي صار عنوانها أن يبقى الجنوب ساحة مفتوحة، لا وطناً آمناً؟
وأيّ تحريرٍ يُحتفل به فيما الحجر والبشر يُقتلان يومياً تحت اسم “المعادلة” و“الردع” و“الحق في الرد”؟

لقد أصبح العيد عظيماً إلى درجة أنه لم يعد يُرى.
كبيراً إلى درجة أنه اختفى.
جامعاً إلى درجة أن كثيرين مرّوا بجانبه بصمت، أو بسخرية مُرّة، أو بتعبٍ لم يعد يملك ترف الغضب.

ليس الخلاف هنا مع فكرة المقاومة ضد الاحتلال. فالاحتلال الإسرائيلي كان واقعاً دموياً، ومقاومته حق وطني لا يحتاج إلى إذن من أحد. الخلاف مع تحويل المقاومة من فعل وطني جامع إلى ملكية حزبية مغلقة، ومن ذاكرة مشتركة إلى سردية واحدة، ومن بندقية ضد الاحتلال إلى سلطة فوق الدولة، ومن تحرير الأرض إلى ارتهان القرار الوطني لمحور خارجي.

أنا عاصرت تلك المرحلة، وأعرف أن المقاومة لم تولد باسم واحد، ولا من حزب واحد، ولا من طائفة واحدة. قبل أن تُختزل المقاومة براية واحدة وقرار واحد، كانت هناك جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ـ جمّول. كانت ابنة لحظة وطنية واسعة، خرجت من قلب الاجتياح الإسرائيلي، وشارك فيها شيوعيون ويساريون وقوميون ومناضلون مستقلون، ومن بيئات لبنانية مختلفة. لم تكن المقاومة يومها بطاقة حزبية، ولا هوية مذهبية، ولا تفويضاً مفتوحاً من خارج الحدود. كانت فعلاً لبنانياً ضد الاحتلال.

لذلك، السؤال ليس: هل قاوم اللبنانيون إسرائيل؟
نعم، قاوموا.
أنا رأيت وسمعت وعاصرت كيف قاوموا قبل أن تُصادر الحكاية.
السؤال هو: من سرق معنى المقاومة؟ ومن حذف أسماء مقاومين قبل أن يحتفل باسم المقاومة؟ ومن قرر أن المقاومة لا تكون وطنية إلا إذا أصبحت إسلامية حزبية، ولا تكون لبنانية إلا إذا مرّت عبر إيران وسوريا؟

أخطأ من سمّاه عيداً.
العيد يجمع، وهذه المناسبة كما تُدار اليوم تقسّم.
العيد يعترف بكل الشهداء، وهذه الذاكرة الرسمية والحزبية تختصر وتنتقي وتُلغي.
العيد يصالح الناس مع تاريخهم، أما هذا “العيد” فيوقظ سؤالاً موجعاً: كيف نحتفل بمقاومة بدأت سيرتها السياسية بإزاحة مقاومة وطنية أوسع، وبإخراج الشيوعيين واليساريين من مشهد التحرير، ثم بتقديم رواية تقول إن التحرير له أب واحد وحزب واحد ووليّ أمر واحد؟

العيد، في الأصل، يجمع الناس حول معنى مشترك.
أما هذا العيد، كما صار يُقدَّم لنا، فيطلب منّا أن نصفّق لذاكرة ناقصة، وأن نفرح بتحريرٍ لا يحمي أهله، وأن نسمّي الخراب صموداً، والموت اليومي بطولة، وغياب الدولة مقاومة.

في لبنان، لم تُقتل الذاكرة فقط بالنسيان، بل بالرصاص أيضاً.
أنا عاصرت زمناً سقط فيه قادة ومثقفون وكوادر من الحزب الشيوعي واليسار اللبناني، في مرحلة صراع دموي على من يملك الشارع، ومن يملك البندقية، ومن يحق له أن يقول: أنا المقاومة. لم تكن تلك أسماء عابرة في دفتر الحرب. كانت وجوهاً معروفة، وأصواتاً حاضرة، وأصحاب دور في مقاومة الاحتلال وفي الحياة السياسية والفكرية. والأخطر أن كثيراً من تلك الاغتيالات بقي بلا نتيجة قضائية واضحة، كأن الحقيقة نفسها دُفنت مع أصحابها.

ليست المقاومة شعاراً يُرفع فوق جثث رفاق الأمس.
ليست المقاومة احتفالاً بمن بقي مسلحاً، وصمتاً عمن قُتل لأنه كان يقاوم بطريقة مختلفة.
ليست المقاومة أن تبدأ وطنية، ثم تُطرد منها الوطنية، وتبقى الطائفة.
وليست المقاومة أن تقول للبنانيين: إمّا أن تحتفلوا بروايتي، أو تُتهموا بالخيانة.

من يريد عيداً وطنياً حقيقياً، فليبدأ بالاعتراف بكل من قاوم:
بجمّول، بالشيوعيين، باليساريين، بالقوميين، بالمستقلين، بأبناء الجنوب الذين قاوموا قبل أن تُصادر أسماؤهم، وبكل من رفض الاحتلال من دون أن يسلّم لبنان إلى وصاية أخرى.

أما عيدٌ يُراد له أن يمحو نصف التاريخ، ويحتفل بالنصف الآخر، فليس عيداً.
هو ذكرى مفتوحة على سؤال:
هل تحررت الأرض كي يُؤسر القرار؟
وهل تكون المقاومة مقاومة إذا انتهت إلى إلغاء مقاومين آخرين؟

فليُسمَّ ما يُسمَّى.
عيد مقاومة، عيد تحرير، عيد خطاب، عيد مقاولة.
لكن الجنوب اليوم لا يحتاج إلى لافتة.
يحتاج إلى حياة.
والحياة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بعدد البيوت التي تبقى واقفة، والأطفال الذين ينامون بلا خوف، والناس الذين لا يُطلب منهم أن يموتوا كي يثبت غيرهم أنه ما زال يقاوم.

وجوه من ذاكرة الاغتيال والإلغاء

لا أكتب هذا من موقع من قرأ التاريخ بعد وقوعه فقط. أكتب من موقع من عاصر تلك المرحلة، وسمع أسماءها وهي تُقال في الشارع، وفي البيوت، وفي المآتم، وفي الاجتماعات، وفي الخوف الصامت الذي كان يمرّ بين الناس.

خليل نعوس لم يكن مجرد اسم في خبر. كان من قيادات الحزب الشيوعي، واغتياله في شباط 1986 جاء في مرحلة كان فيها الشيوعيون يدفعون ثمن حضورهم السياسي والمقاوم. قُتل، وبقيت الحقيقة القضائية ناقصة، كما بقيت أسئلة تلك المرحلة معلّقة.

سهيل طويلة، رئيس تحرير “النداء” وعضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي، خُطف وقُتل في شباط 1986. لم يكن اغتياله حادثاً منفصلاً عن زمن الإلغاء. كان جزءاً من مناخ أراد إسكات صوت اليسار، وكسر حضوره، ودفعه خارج مشهد المقاومة والسياسة.

حسين مروة، المفكر الشيوعي الكبير، اغتيل في منزله في شباط 1987. قتله لم يكن فقط قتلاً لرجل مسنّ ومفكر؛ كان رسالة إلى عقل نقدي، إلى مشروع فكري، إلى يسار كان يحاول أن يقرأ الدين والتاريخ والمجتمع بعين مختلفة.

مهدي عامل، حسن حمدان، اغتيل في أيار 1987. كان عقلاً ماركسياً لامعاً، وأستاذاً ومفكراً ومناضلاً. اغتياله جاء بعد سلسلة من الاغتيالات التي جعلت المشهد، كما قيل يومها، مملاً من كثرة تكراره: رفيق يسقط، جنازة، غضب، ثم صمت، ثم اغتيال جديد.

جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، وأحد الوجوه المؤسسة لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، لم يكن تفصيلاً في تاريخ المقاومة. كان من الذين ساهموا في إطلاق النداء الوطني لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي بعد اجتياح 1982، قبل أن تُحتكر المقاومة لاحقاً باسم واحد وسلاح واحد وراية واحدة. اغتيل في حزيران 2005 بتفجير استهدف سيارته في بيروت. وبقي اغتياله، مثل كثير من اغتيالات لبنان، جرحاً سياسياً مفتوحاً وسؤالاً عن الجهة التي أرادت إسكات شاهد من شهود المقاومة الأولى.

هذه الأسماء لا تُذكر للثأر، بل للذاكرة.
ولا تُستعاد كي نفتح قبور الحرب، بل كي لا نسمح لمن ربح السلاح أن يكتب التاريخ وحده.

لقد كان الصراع يومها صراعاً على معنى المقاومة أيضاً.
هل تكون المقاومة وطنية جامعة، أم حزبية مذهبية؟
هل تكون تحت سقف الدولة، أم فوقها؟
هل تكون لبنانية القرار، أم جزءاً من محور إقليمي؟
هل تقبل بتعدد المقاومين، أم تبدأ بحذفهم؟

أنا لا أستطيع أن أتعامل مع عيد “المقاومة والتحرير” كأنه صفحة بيضاء.
وراءه وجوه محذوفة، وأسماء مغيّبة، ودم يساري وشيوعي ووطني لم يجد مكانه في الاحتفال الرسمي والحزبي.
وراءه جبهة وطنية سابقة أُزيحت من الصورة.
وراءه مقاومون قيل لهم، بالسياسة أو بالسلاح: انتهى دوركم.

ومن الأشياء المخزية في حق تلك “المقاومة الإسلامية” وحزبها، حزب الله، أن الاتهام السياسي طالها حتى في جريمة اغتيال أحد مؤسسي جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، جورج حاوي. وأنا لا أتعامل مع هذا الاتهام كحكم قضائي نهائي، لكن مجرد أن يصل الاتهام السياسي إلى هذه النقطة يكفي ليكشف حجم المأساة: مقاومة لاحقة تُتّهم، في الوعي السياسي اللبناني، بقتل رجل كان من أوائل من أطلقوا مقاومة وطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي. أي مفارقة أكثر قسوة من أن يُحتفل بالمقاومة، فيما يبقى دم أحد مؤسسيها الأوائل سؤالاً مفتوحاً في وجه من صادروا اسمها ومعناها؟

المقاومة التي لا تعترف بمن سبقها ليست ذاكرة وطنية، بل دعاية.
والمقاومة التي تلغي شركاءها لا تصنع عيداً جامعاً، بل مناسبة حزبية.
والمقاومة التي تربط مصير الجنوب بقرار لا يملكه اللبنانيون لا تحرّر الناس، بل تنقلهم من احتلال الأرض إلى أسر القرار.

ليس العيد أن نحتفل بمن بقي في الصورة، بل أن نسأل عمّن أُخرج منها بالرصاص.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مأزق السلاح الإيراني في لبنان!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم شهد لبنان، منذ هزيمة حزيران عام 1967، تعاقب عدة...

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...