السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

قمة بكين بين ترامب وشي: استقرار هشّ أم تحوّل استراتيجي؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم


في الرابع عشر والخامس عشر من مايو 2026، التقى الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ في بكين، في أول زيارة دولة يقوم بها رئيس أمريكي إلى الصين منذ تسع سنوات. خرجت القمة بصور تذكارية لافتة، وعشاء رسمي فاخر في قاعة الشعب الكبرى، وكلمات متبادلة لم تخلُ من الإطراء المتبادل: وصف ترامب شي بأنه “صديقي” و”زعيم عظيم”، فيما قال زعيم الحزب الشيوعي الصيني، إن تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية، وجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى.
بيد ان القمة شكّلت واحدة من أكثر المحطات الدولية حساسية منذ سنوات، ليس بسبب حجم الملفات المطروحة فحسب، بل لأن انعقادها جاء في لحظة اضطراب عالمي تتداخل فيها الحرب التجارية، والتنافس التكنولوجي، والتوتر حول تايوان، وتداعيات الأزمات الإقليمية الممتدة من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ.
ورغم الضجيج الإعلامي الذي سبق القمة، فإن القراءة الموضوعية لنتائجها تشير إلى أنها لم تكن قمة “اختراقات كبرى”، بل قمة “إدارة أزمة” بين قوتين تدركان أن كلفة الصدام المباشر أصبحت مرتفعة للغاية. فالطرفان لم يقدّما حلولاً جذرية للخلافات البنيوية، لكنهما نجحا في تثبيت خطوط تماس جديدة تمنع الانفجار وتفتح الباب أمام مرحلة من التهدئة الحذرة.
اقتصادياً، بدا واضحاً أن واشنطن وبكين عادتا إلى منطق “الاعتماد المتبادل”، حتى وإن استمر الخطاب السياسي المتشدد بينهما. فالقمة أفضت إلى تفاهمات حول توسيع قنوات التعاون التجاري والاستثماري، وإعادة تنشيط الحوار الاقتصادي، مع تجنب قرارات تصعيدية جديدة في ملف الرسوم الجمركية والتكنولوجيا المتقدمة. غير أن هذه التفاهمات بقيت محكومة بسقف منخفض؛ إذ لم تُحل القضايا الجوهرية المرتبطة بالرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة، وهي الملفات التي تشكل قلب الصراع الاستراتيجي بين البلدين.
ومن أبرز ما كشفته القمة أن الصين دخلت المفاوضات وهي أكثر ثقة بقدرتها على الصمود الاقتصادي والجيوسياسي. فبكين تدرك أن امتلاكها نفوذاً واسعاً في سلاسل التوريد العالمية، وخاصة في قطاع المعادن النادرة، يمنحها أوراق ضغط حقيقية في مواجهة القيود الأميركية على التكنولوجيا. وفي المقابل، بدا أن إدارة ترامب تسعى إلى منع انتقال التنافس مع الصين إلى مستوى المواجهة المفتوحة، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والمالية التي تواجهها الولايات المتحدة في أكثر من ساحة دولية.
أما سياسياً وأمنياً، فقد أكدت القمة أن ملف تايوان ما زال النقطة الأكثر خطورة في العلاقة الثنائية. الرسائل الصينية كانت شديدة الوضوح: بكين تعتبر أي دعم أميركي متزايد لتايبيه مساساً مباشراً بأمنها القومي. وفي المقابل، لم تُظهر واشنطن استعداداً للتراجع عن سياسة الردع في آسيا. وهذا يعني أن القمة لم تُنهِ التوتر، لكنها نجحت في إعادة ضبطه ضمن حدود يمكن التحكم بها.
اللافت أيضاً أن القمة حملت بعداً رمزياً مهماً. فاستقبال ترامب في بكين، والدعوة المتبادلة لاستكمال اللقاءات لاحقاً في الولايات المتحدة، أوحيا بأن الطرفين يريدان إظهار صورة “التنافس المنضبط” بدلاً من “الحرب الباردة الجديدة”. وهذا بحد ذاته يُعد نتيجة سياسية مهمة، لأن العالم كان يترقب احتمال انزلاق أكبر اقتصادين في العالم نحو مواجهة أكثر حدة.
لكن، في المقابل، يصعب اعتبار القمة نجاحاً كاملاً لأي من الطرفين. فترامب لم يحصل على تنازلات اقتصادية كبيرة يمكن تسويقها داخلياً كانتصار سياسي، كما أن الصين لم تنجح في دفع واشنطن إلى تخفيف القيود التكنولوجية أو تغيير موقفها الاستراتيجي في آسيا. ولذلك يمكن القول إن القمة انتهت إلى “تجميد الصراع” أكثر مما أنتجت “تسوية للصراع”.
وفي التقييم النهائي، تبدو قمة بكين 2026 أقرب إلى اتفاق غير معلن على إدارة التنافس بدلاً من حسمه. فالولايات المتحدة تدرك أن احتواء الصين بالكامل لم يعد واقعياً، والصين تدرك بدورها أن الصدام المباشر مع واشنطن قد يهدد صعودها الاقتصادي. وبين الإدراكين، تتشكل مرحلة دولية جديدة عنوانها: التنافس الصلب تحت سقف الاستقرار النسبي. مع استمرار الانفلات الاميركي بالصراع حول ايران وفي الشرق الأوسط، مع استمرار الصبر الاستراتيجي الصيني حول تايوان.
ثم لا ينبغي قراءة الحفاوة والكلمات الدافئة باعتبارها تحولاً في طبيعة العلاقة، ولا ما صوّرته كاميرات الاستقبال الرسمي في قاعة الشعب الكبرى هو تحولاً تاريخياً .

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مأزق السلاح الإيراني في لبنان!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم شهد لبنان، منذ هزيمة حزيران عام 1967، تعاقب عدة...

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...