أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
نحن، كيسار لبناني، لا نقف اليوم أمام خلاف سياسي عابر، بل أمام أزمة فكرية وسياسية وأخلاقية عميقة. أزمة لا تكفي معها الشعارات، ولا تنفع فيها المزايدات، ولا يجوز أن تُدار بعقلية التخوين أو الاستعلاء أو استدعاء القواميس القديمة كلما تعقّد الواقع. نحن أمام لحظة تستدعي شجاعة نادرة: أن نقول الأمور كما هي، لا كما نحب أن تكون.
فاليسار اللبناني، أو ما تبقّى من فضائه الواسع، لم يعد كتلة سياسية أو فكرية واحدة. هو اليوم أقرب إلى مجموعات من الأفكار، أو حساسيات متفرقة، أو ذاكرات سياسية متنازعة. هناك جناح اندمج، بدرجات متفاوتة، في فكرة القتال إلى جانب حزب الله ضد إسرائيل، حتى بدا أحياناً وكأنه نسي جذوره النقدية والاستقلالية، واختزل اليسار في موقف مقاوم واحد، مهما كانت كلفته السياسية والداخلية. وهناك جناح آخر يعارض حزب الله من موقع الخصومة السياسية الصريحة، ويرى في سلاحه خطراً وجودياً على فكرة الدولة وعلى توازن المجتمع اللبناني. وبينهما جناح ثالث، لا يريد الانخراط في عداء سياسي أعمى للحزب، لكنه مرتبك أمام سؤال السلاح، لا يعرف كيف يوفق بين رفض العدوان الإسرائيلي ورفض مصادرة قرار الحرب والسلم من الدولة والمجتمع.
هذه الانقسامات ليست سطحية. هي تكشف أن اليسار اللبناني لم يحسم بعد علاقته بثلاث مسائل كبرى: المقاومة، الدولة، وفلسطين.
المشكلة أن النقاش غالباً لا يُدار بعقل سياسي هادئ، بل بنزق المثقف. والمثقف، خصوصاً في بيئاتنا المأزومة، لا يكتفي أحياناً بأن يكون صاحب موقف؛ يريد أن يكون صاحب طهارة. يريد أن يثبت أنه لم يخن، لم يتراجع، لم يساوم، لم يصبح “يمينياً”، لم يقع في فخ “الانعزالية”، أو في المقابل لم يقع في فخ “الممانعة”. هكذا يتحول النقاش من محاولة لفهم الواقع إلى محكمة هوية. لا نسأل: ما الموقف الصحيح؟ بل نسأل: من الأكثر نقاءً؟ من بقي وفياً للذاكرة؟ من يملك الحق في الكلام باسم فلسطين أو باسم لبنان أو باسم اليسار؟
وهنا تبدأ الكارثة النفسية والسياسية معاً.
فسيكولوجية المثقف في لحظات الانهيار تميل إلى الاحتماء بالمطلقات. كلما صار الواقع أكثر تعقيداً، زاد إغراء الجملة الحاسمة. وكلما عجزت السياسة عن إنتاج حلول، ازداد حضور اللغة الأخلاقية النهائية: خيانة، مقاومة، تبعية، سيادة، تطبيع، عمالة، ممانعة، انعزال، شعبوية. هذه الكلمات ليست كلها بلا معنى، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى بدائل عن التفكير.
المثقف القَلِق يخاف من المنطقة الرمادية، مع أن السياسة كلها تقريباً تُدار داخل هذه المنطقة. يخاف أن يقول: نعم، إسرائيل عدو وعدوانها جريمة، لكن هذا لا يعني أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون خارج الدولة. يخاف أن يقول: نعم، قضية فلسطين عادلة ومركزية في الوجدان العربي واليساري، لكن لبنان ليس قادراً إلى ما لا نهاية على دفع أثمان لا يقررها هو. يخاف أن يقول: نعم، في سلاح حزب الله وظيفة ردعية حقيقية في مواجهة إسرائيل، لكن في هذا السلاح أيضاً مشكلة داخلية كبرى عندما يصبح فوق الدولة وفوق المساءلة وفوق التوافق الوطني. يخاف أن يقول: نعم، للفلسطينيين حق في المقاومة والكرامة والعودة، لكن لا يحق لأي تنظيم فلسطيني أو غير فلسطيني أن يتصرف على الأرض اللبنانية كأن لبنان مجرد ساحة مفتوحة.
هذه الجمل تبدو بديهية، لكنها في واقعنا تحتاج إلى شجاعة، لأن كل جملة منها تغضب معسكراً ما.
السؤال الفلسطيني هو أحد أكثر الأسئلة التي تكشف مأزق اليسار اللبناني. فهناك من يتعامل مع فلسطين باعتبارها القضية المركزية بلا شروط، وبلا حساب للسياقات اللبنانية، وكأن أي اعتراض على أداء فلسطيني أو فصائلي هو اعتراض على الحق الفلسطيني نفسه. هذه مقاربة عاطفية مفهومة في جذورها، لكنها خطيرة في نتائجها. لأن تحويل فلسطين إلى قداسة سياسية يمنع نقد القوى التي تتكلم باسمها، ويجعل لبنان مطالباً دائماً بأن يدفع الثمن، حتى حين يكون الثمن من استقراره الهش، ومن نسيجه الداخلي، ومن قدرة دولته على البقاء.
وفي المقابل، هناك من وصل إلى حد القول إن لبنان قدّم كل شيء ولم يعد قادراً على تحمّل لا حماس ولا غير حماس ولا أي قضية تتقدم على بقائه. هذا الموقف أيضاً مفهوم من زاوية الخوف اللبناني العميق: الخوف من تكرار الحرب، من الساحات المفتوحة، من المخيمات الخارجة عن الدولة، من أن يتحول التضامن إلى استباحة. لكنه يصبح خطيراً إذا انزلق إلى إنكار المأساة الفلسطينية، أو إلى التعامل مع الفلسطينيين كعبء أمني فقط، أو إلى تبني لغة يمينية باردة ترى في كل قضية خارج الحدود تهديداً للكيان.
ما نحتاجه ليس اختياراً كسولاً بين هذين الموقفين. لا نحتاج إلى يسار يذوب في خطاب المحور، ولا إلى يسار يتبنى قاموس اليمين السيادي كما هو، ولا إلى يسار يهرب من السؤال كي لا يخسر أصدقاءه. نحتاج إلى يسار يملك شجاعة التركيب.
أي أن نقول بوضوح: فلسطين قضية حق وعدالة وتحرر، لكنها لا تمنح أي طرف شيكاً مفتوحاً لاستخدام لبنان. وأن نقول: مقاومة إسرائيل حق مشروع عندما تكون دفاعاً عن الأرض والناس، لكنها لا تكون مشروعاً وطنياً مستداماً إذا بقيت خارج الدولة وخارج القرار الجماعي. وأن نقول: سيادة لبنان ليست ترفاً برجوازياً ولا شعاراً انعزالياً، بل شرط لحماية المجتمع، وخصوصاً الفئات الأضعف التي تدفع أولاً ثمن الحروب والانهيارات. وأن نقول أيضاً: الدولة التي نطالب بحصر السلاح بيدها ليست هذه الدولة الطائفية المنهوبة كما هي، بل دولة يجب أن تُبنى وتُصلح وتُنتزع من الطوائف والزبائنية والفساد.
هنا بالضبط تقع مسؤولية اليسار: لا أن يردد خطاب الدولة كما يريده اليمين، ولا أن يردد خطاب المقاومة كما تريده قوى الأمر الواقع، بل أن يطرح معادلة ثالثة: دولة عادلة وقادرة، مقاومة ضمن استراتيجية وطنية، وتضامن مع فلسطين لا يحوّل لبنان إلى وقود دائم.
لكن الوصول إلى هذه المعادلة يحتاج إلى حوار مختلف. حوار لا يبدأ من الاتهام. لا من سؤال: مع حزب الله أم ضده؟ مع فلسطين أم ضدها؟ مع السلاح أم مع الاستسلام؟ هذه أسئلة معدّة سلفاً لإنتاج الانقسام. السؤال الأصح هو: كيف نحمي لبنان من إسرائيل ومن التفكك الداخلي معاً؟ كيف نمنع تحويل القضية الفلسطينية إلى ذريعة للفوضى، ومنع تحويل السيادة إلى ذريعة للتخلي الأخلاقي عن فلسطين؟ كيف نعيد بناء فكرة اليسار كقوة تحرر وعدالة ودولة، لا كملحق بهذا المحور أو ذاك؟
الدعوة إلى الحوار هنا ليست دعوة رومانسية إلى “تبادل الآراء”. إنها دعوة إلى إعادة تأسيس لغة مشتركة. أن نعترف أولاً بأن الخوف موجود في كل المعسكرات. من يؤيد المقاومة يخاف من إسرائيل ومن الهزيمة ومن تكرار عجز الدولة. ومن يعارض سلاح حزب الله يخاف من اختطاف الدولة ومن الحرب ومن ذوبان لبنان في صراعات إقليمية. ومن يتردد بين الموقفين يخاف من أن يكون أي خيار ناقصاً أو مدمراً. الاعتراف بهذه المخاوف لا يعني تبريرها كلها، لكنه يفتح باباً لفهم أعمق.
كما أن علينا أن نكسر عادة المثقف في تحويل نفسه إلى ضمير أعلى للجماعة. فالمثقف ليس قاضياً على الناس، ولا كاهناً سياسياً، ولا مالكاً للحقيقة النهائية. قيمته في قدرته على تفكيك التعقيد، لا في إنتاج شعارات أكثر حدة. وفي قدرته على مراجعة نفسه، لا فقط على محاسبة الآخرين. وفي شجاعته على قول ما لا يرضي جمهوره، لا ما يمنحه تصفيقاً سريعاً.
المطلوب اليوم من اليسار اللبناني أن يعترف بأن بعض لغته القديمة لم تعد كافية. العداء لإسرائيل لا يجيب وحده عن سؤال الدولة. والتضامن مع فلسطين لا يجيب وحده عن سؤال السيادة. ورفض الطائفية لا يجيب وحده عن سؤال السلاح. والحديث عن العدالة الاجتماعية لا يكتمل إذا لم يترافق مع موقف واضح من الحرب والسلم، ومن احتكار العنف، ومن حماية المجتمع من الانهيار.
لسنا بحاجة إلى يسار يختار بين ضميره الوطني وضميره الأممي. نحن بحاجة إلى يسار يفهم أن الأممية الحقيقية لا تعني إلغاء المجتمع المحلي، وأن الوطنية الحقيقية لا تعني التخلي عن قضايا العدالة خارج الحدود. لبنان ليس فندقاً للقضايا، لكنه أيضاً ليس جزيرة بلا ذاكرة ولا مسؤولية. فلسطين ليست تفصيلاً خارجياً، لكنها كذلك ليست رخصة مفتوحة لتعليق سؤال الدولة اللبنانية إلى الأبد.
فلنبدأ من هنا: لا تخوين، لا تقديس، لا هروب. حزب الله قوة لبنانية وإقليمية كبرى لا يمكن التعامل معها بالإنكار أو الشتيمة، لكن سلاحه مشكلة وطنية لا يمكن دفنها تحت شعار المقاومة. الفلسطينيون أصحاب قضية عادلة، لكن العمل الفلسطيني المسلح أو السياسي على الأرض اللبنانية يجب أن يخضع لمصلحة لبنان ولقوانينه ولسيادته. إسرائيل عدو وعدوانها دائم، لكن مواجهة هذا العدو لا تكون بتفكيك الداخل ولا بتعليق بناء الدولة. الدولة اللبنانية ضعيفة وفاسدة وطائفية، لكن البديل عنها ليس الدويلات ولا المحاور، بل نضال طويل لبناء دولة مدنية عادلة وقادرة.
هذه ليست تسوية لفظية. إنها محاولة للخروج من الكسل الفكري. فاليسار الذي لا يستطيع أن يرى إلا نصف الحقيقة يتحول إلى جهاز دعائي. واليسار الذي يخاف من الحقيقة كي لا ينقسم أكثر، يكون قد انقسم فعلاً من الداخل. أما اليسار الذي يجرؤ على الحوار الصعب، فقد يبدأ أخيراً باستعادة معناه.
الحوار المطلوب ليس بين منتصرين ومهزومين، ولا بين أنقياء وخونة، بل بين أشخاص يعرفون أن البلد ينهار، وأن اللغة القديمة لم تعد تكفي، وأن القضايا العادلة قد تُدار بطرق خاطئة، وأن الخوف على لبنان لا يجب أن يتحول إلى عداء لفلسطين، وأن الوفاء لفلسطين لا يجب أن يتحول إلى استخفاف بلبنان.
لعل أول خطوة في هذا الحوار أن نتخلى عن رغبتنا في الانتصار على بعضنا، وأن نسأل بصدق: كيف يمكن أن نبقى يساراً، لا بالحنين إلى الماضي، بل بامتلاك شجاعة الحاضر؟



