السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

في ذكرى اغتيالك يا مهدينا “مهدي عامل” أدركنا!

نشرت في

اخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في الثامن عشر من أيار/مايو 1987، استشهد الرفيق مهدي عامل، واسمه الحقيقي حسن عبد الله حمدان، في شارع الجزائر في بيروت، على يد قوى ظلامية، فيما كانت تُسمّى حينها بيروت الوطنية، وقد تحوّلت في تلك المرحلة إلى مرتعٍ لميليشيا ظلامية لا تعرف في مواجهة الفكر الحر إلا الرصاص والاغتيال. كان مهدي عامل في طريقه إلى الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية، حيث كان يدرّس الفلسفة والسياسة والمنهجيات، حين اغتالته يد الحقد والخوف من العقل النقدي.

لم يكن اغتياله استهدافاً لجسد مفكر فقط، بل محاولة لإسكات عقلٍ رأى في الطائفية بنية حكم، وفي المقاومة فعلاً وطنياً تحررياً لا ملكية طائفية ولا وظيفة إقليمية. لذلك لم يكن الرصاص الذي أُطلق عليه موجهاً إلى حسن حمدان وحده، بل إلى ما مثّله: الفكر النقدي، الجامعة الوطنية، المقاومة الوطنية، العلمانية، واليسار الذي رفض أن يتحول الوطن إلى طوائف، وأن تتحول المقاومة إلى أداة في يد الوصاية والظلام.

وُلد مهدي عامل في بيروت عام 1936، وهو ابن بلدة حاروف الجنوبية في قضاء النبطية. اسمه الحقيقي حسن عبد الله حمدان، لكنه عُرف فكرياً وسياسياً باسم مهدي عامل. درس في بيروت، ثم تابع دراسته في فرنسا، حيث نال شهادات عليا في الفلسفة من جامعة ليون. وبعد عودته إلى المنطقة، درّس في الجزائر، ثم في لبنان، قبل أن يصبح أستاذاً في الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية.

لم تكن الجامعة بالنسبة إليه وظيفة عادية. كانت موقعاً من مواقع الصراع. كان يرى أن المعرفة ليست حياداً بارداً أمام الظلم، وأن الأستاذ ليس موظفاً يشرح النصوص ثم ينسحب من معارك مجتمعه. كان التعليم عنده فعلاً تحررياً، وكانت الفلسفة أداة لفهم الواقع وتغييره، لا تمريناً لغوياً مغلقاً على نفسه. لذلك صار حضوره في الجامعة جزءاً من حضوره السياسي والفكري الأوسع.

انتسب مهدي عامل إلى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1960، وصار لاحقاً واحداً من أبرز مفكريه وكوادره. لم يكن حزبياً بالمعنى الضيق، بل كان عقلاً نقدياً داخل الحركة الوطنية واليسار اللبناني والعربي. حمل قضية المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكنه حملها بمعناها الوطني الديمقراطي، لا بوصفها امتيازاً طائفياً ولا شعاراً قابلاً للمصادرة من أي سلطة.

أهمية مهدي عامل أنه لم يكتفِ باستعارة الماركسية كشعارات جاهزة، بل حاول أن ينتج فكراً نقدياً عربياً قادراً على قراءة الواقع العربي من داخله. كان يعرف أن المجتمعات التابعة لا تُفهم بنسخ النظريات كما هي، وأن لبنان لا يُفهم من خلال الكلام العام عن “الطوائف” فقط، بل من خلال فهم الدولة والطبقات والسلطة والتبعية والاستعمار والصراع الاجتماعي.

لهذا كان نقده للطائفية جذرياً. لم يرَ الطائفية مجرد تعصب ديني بين الناس، ولا مجرد سوء تفاهم بين جماعات، بل رآها بنية سياسية واجتماعية تعيد إنتاج السلطة. الطائفية عنده ليست فقط ما يقوله رجل دين أو زعيم طائفة؛ الطائفية هي الدولة حين توزع الناس إلى جماعات مغلقة، وهي النظام حين يمنع المواطن من أن يكون مواطناً، وهي الطبقة الحاكمة حين تخفي مصالحها خلف الخوف والهوية والمذهب.

من هنا خطورة فكره. كان يقول، بمعنى مشروعه كله، إن الخلاص من الطائفية لا يكون بالمواعظ الأخلاقية وحدها، بل بتفكيك الدولة الطائفية نفسها، وبناء وعي وطني ديمقراطي يرى الناس كمواطنين لا كرعايا طوائف. لذلك بقيت كتبه عن الطائفية من أهم ما كُتب في لبنان والعالم العربي، لأنها لا تكتفي بإدانة الطائفية، بل تكشف وظيفتها في حماية النظام.

كتب مهدي عامل في الدولة الطائفية، وفي نقض الفكر الطائفي، وفي أسباب الحرب الأهلية في لبنان، وفي أزمة البرجوازيات العربية، وفي الفكر اليومي، وفي التراث والتاريخ وابن خلدون وإدوارد سعيد. لم يكن مفكراً في موضوع واحد، لكنه كان يحمل خيطاً واحداً في معظم أعماله: كيف نفهم البنية التي تنتج الهزيمة؟ وكيف ننتج فكراً قادراً على المقاومة؟

من أبرز مؤلفاته:

مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، وهو من أعماله النظرية الأساسية، وفيه حاول أن يبني أدوات لفهم علاقة الفكر الاشتراكي بحركات التحرر الوطني في المجتمعات التابعة.

ومن فكر هذا الكتاب أن النظرية لا تكون حيّة إلا حين تدخل في صراع مع الواقع الملموس. فالفكر الاشتراكي، عند مهدي عامل، لا قيمة له إذا بقي محفوظاً في الكتب، بل يصبح ضرورياً حين يتحول إلى أداة لفهم بنية التبعية والاستغلال، وحين يساعد حركة التحرر الوطني على معرفة عدوّها الحقيقي وشروط انتصارها.

أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟، وفيه رفض أن تُختزل أزمة العالم العربي في كلام ثقافوي عن “الحضارة”، ورأى أن الأزمة أعمق: أزمة طبقات حاكمة وبرجوازيات تابعة وعاجزة.

ومن فكر هذا الكتاب أن تحميل “الحضارة العربية” مسؤولية الهزيمة يخفي المسؤولية السياسية والطبقية للبرجوازيات العربية. فالأزمة ليست في جوهر ثقافي ثابت اسمه “العرب”، بل في طبقات حاكمة تابعة، عاجزة عن التحرر، وتحاول أن تجعل فشلها التاريخي قدراً عاماً على الشعوب.

النظرية في الممارسة السياسية: بحث في أسباب الحرب الأهلية في لبنان، وهو نص مركزي لفهم الحرب اللبنانية بوصفها أكثر من انفجار طائفي، بل نتيجة بنية اجتماعية وسياسية ودولة طائفية ومصالح طبقية.

ومن فكر هذا الكتاب أن الحرب الأهلية لا تُفهم إذا اختُزلت في أحقاد الطوائف. فالعنف الطائفي، في قراءته، ليس حدثاً منفصلاً عن الدولة والطبقات والتبعية، بل هو شكل من أشكال تفجّر البنية الطائفية نفسها حين تبلغ تناقضاتها حدود الانفجار.

مدخل إلى نقض الفكر الطائفي: القضية الفلسطينية في إيديولوجية البرجوازية اللبنانية، وهو من أهم كتبه، لأنه يربط بين الطائفية اللبنانية والقضية الفلسطينية، ويكشف كيف استُخدمت فلسطين في خطاب البرجوازية اللبنانية ضمن حسابات السلطة والخوف.

ومن فكر هذا الكتاب أن الطائفية ليست مجرد وعي ديني، بل فكر سياسي يخدم مصالح اجتماعية محددة. فالبرجوازية اللبنانية، في نقده، لم تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر، بل بوصفها مادة في خطاب الخوف والتوازنات الطائفية وحماية الامتيازات الطبقية.

في الدولة الطائفية، وهو كتاب بالغ الأهمية، لأن مهدي عامل يذهب فيه إلى قلب المسألة اللبنانية: ليست المشكلة فقط في وجود طوائف، بل في وجود دولة تُدار بمنطق الطوائف وتعيد إنتاجها سياسياً.

ومن فكر هذا الكتاب أن الطوائف، كقوى سياسية، لا تصنع نفسها من ذاتها، بل تصنعها الدولة الطائفية وتعيد إنتاجها. فالطائفية ليست خارج الدولة، بل في قلب شكل الدولة، وفي آليات التمثيل والحكم والولاء وتوزيع السلطة.

في نقد الفكر اليومي، وفيه واجه الأفكار الرائجة في الصحافة والثقافة والسياسة، وكشف كيف يتحول الكلام اليومي إلى أداة لإخفاء الحقيقة وتبرير السلطة.

ومن فكر هذا الكتاب أن الأفكار اليومية ليست بريئة، حتى عندما تبدو عفوية أو محايدة. فاللغة التي نسمعها في السياسة والصحافة والمجتمع تحمل مواقع طبقية وسياسية، وقد تتحول إلى أداة لتطبيع الهزيمة وتبرير الطائفية وحجب التناقضات الحقيقية.

هل القلب للشرق والعقل للغرب؟ ماركس في استشراق إدوارد سعيد، وفيه ناقش إدوارد سعيد نقدياً في مسألة ماركس والاستشراق، مؤكداً استقلالية النظر النقدي وعدم الخضوع لأي مرجعية فكرية من دون مساءلة.

ومن فكر هذا الكتاب أن النقد لا يجوز أن يتحول إلى تبسيط. فمهدي عامل لم يقبل أن يُحاكم ماركس بمنطق اختزالي، كما لم يقبل أن يتحول نقد الاستشراق إلى رفض عام للعقل النظري. كان يريد قراءة دقيقة، لا قراءة انتقامية، وكان يدافع عن حق الفكر في التعقيد والتحليل.

في عملية الفكر الخلدوني وفي تمرحل التاريخ، وفيهما يظهر اهتمامه بالتراث والتاريخ والمنهج، لا بوصف التراث متحفاً مقدساً، بل مادة للتحليل النقدي.

ومن فكر هذين العملين أن التراث لا يُستعاد بالتقديس ولا بالقطيعة الكسولة، بل بالتحليل. فابن خلدون، بالنسبة إليه، ليس تمثالاً في الماضي، بل موضوعاً للفكر النقدي، والتاريخ ليس سرداً محايداً للأحداث، بل عملية لها مراحل وتناقضات وبنى يجب فهمها.

كان مهدي عامل يؤمن أن الفكر إما أن يكون نقدياً أو يفقد معناه. لذلك لم تكن كتابته سهلة أو مريحة للسلطة. كان يفضح ما يريد النظام الطائفي إخفاءه. كان يقول إن الطائفية ليست قدراً، وإن الحرب ليست جنوناً بلا أسباب، وإن التخلف ليس لعنة ثقافية، وإن الهزيمة ليست طبيعة في الشعوب، وإن المقاومة ليست شعاراً يمكن لأي قوة أن تحتكره.

ومن أكثر عباراته حضوراً في الذاكرة: “لست مهزوماً ما دمت تقاوم.” هذه العبارة تختصر جانباً عميقاً من فكره. فالمقاومة عند مهدي عامل ليست بندقية فقط، وليست بياناً عسكرياً فقط. المقاومة تبدأ من الوعي. أن تقاوم يعني أن ترفض اللغة التي يريدها القاتل لك، وأن ترفض أن ترى نفسك مهزوماً، وأن ترفض تحويل الطائفة إلى وطن، وأن ترفض بيع العقل للزعيم، وأن ترفض اختصار المقاومة في طاعة عمياء.

كان مهدي عامل منتمياً إلى زمن كانت فيه المقاومة الوطنية اللبنانية حقيقة حية. كان اليسار جزءاً من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وكانت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تعبيراً عن معنى وطني جامع للمقاومة. لكن ذلك المعنى تعرّض لاحقاً للمصادرة والتصفية، لا بالسجال وحده، بل بالدم أيضاً. لذلك لا يمكن فصل استشهاد مهدي عامل عن سياق استهداف كوادر ومثقفين ومناضلين شيوعيين ويساريين رفضوا تسليم قرار المقاومة ومعناها إلى قوى الوصاية والظلام.

في هذا السياق، ظلّ الاتهام السياسي باغتيال مهدي عامل حاضراً في الذاكرة الشيوعية واليسارية، ووجّهته أوساط واسعة من رفاقه ومناضلي تلك المرحلة إلى حزب الله، بوصفه القوة التي صعدت يومها على أنقاض المقاومة الوطنية اللبنانية، وشاركت، بحسب هذه الذاكرة والاتهامات السياسية، في تصفية حضور اليسار المقاوم ومفكريه وكوادره، تمهيداً لاحتكار المقاومة وتحويلها من مشروع وطني جامع إلى مشروع ديني طائفي مرتبط بمحاور إقليمية. هذا الاتهام ليس تفصيلاً عابراً في الذاكرة؛ إنه جزء من جرح مفتوح عند من رأوا أن قتل مهدي عامل لم يكن جريمة فردية، بل حلقة في معركة دموية على معنى المقاومة وعلى من يملك قرارها واسمها ودماء شهدائها.

وفي تلك الذاكرة نفسها، لا يُقرأ اغتيال مهدي عامل منفصلاً عن اغتيال حسين مروة وسهيل طويلة وخليل نعوس وميشال واكد، وعشرات المناضلين اليساريين حينها من كوادر المقاومة الوطنية. فالمطلوب لم يكن إسكات كاتب واحد أو أستاذ واحد، بل كسر عقل المقاومة الوطنية، وإخراجها من معناها العلماني الديمقراطي، وتسليمها إلى قوى تحمل خطاباً دينياً مسلحاً، وتستبدل الوطن بالطائفة، والمواطن بالمؤمن التابع، والنقد بالبيعة، والمقاومة الوطنية بالمقاومة المحتكرة.

في تلك المرحلة، لم يكن المطلوب إسكات صوت واحد فقط. كان المطلوب كسر عقل كامل. اغتيل حسين مروة، واغتيل مهدي عامل، واستُهدف عشرات الكوادر والمناضلين. لم يكن القتلة يخافون من فرد أعزل يحمل كتباً إلى الجامعة، بل كانوا يخافون من فكر يقول إن المقاومة لا تكون طائفية، وإن الوطن لا يكون مزرعة مخابرات، وإن الشهداء لا يُستبدلون بسلطات، وإن الدم الذي يُبذل ضد الاحتلال لا يجوز أن يتحول إلى رأسمال سياسي في يد الظلاميين.

استشهد مهدي عامل لأنه كان واضحاً. والوضوح في زمن الطائفية جريمة. كان يعرف أن من يريد السيطرة على المجتمع يبدأ بقتل الفكرة، ثم قتل صاحبها، ثم تزوير الذاكرة. لذلك واجبنا اليوم ألا نترك قتله يمر كخبر قديم، وألا نسمح بتحويله إلى اسم في أرشيف، أو صورة في مناسبة. مهدي عامل ليس ذكرى باردة. هو سؤال مفتوح في وجه لبنان كله.

كيف يمكن لوطن أن يتعافى إذا ظل محكوماً بالطائفية؟
كيف يمكن لمقاومة أن تبقى مقاومة إذا انفصلت عن الحرية والديمقراطية والناس؟
كيف يمكن لجامعة أن تكون جامعة إذا خافت من الفكر النقدي؟
كيف يمكن لحزب أن يبقى حياً إذا خسر مفكريه أو صمت عن قتلهم؟
وكيف يمكن لذاكرة وطنية أن تكون صادقة إذا ساوت بين الشهيد والقاتل، أو خافت من تسمية الظلام ظلاماً؟

مهدي عامل مهم اليوم لأنه لم يكتب عن طائفية ماضية. كتب عن بنية ما زالت تخنقنا. الطائفية التي نقدها لم تمت. ما زالت تحكم الدولة، وتوزع الخوف، وتعيد إنتاج الزعماء، وتحوّل الفقراء إلى جمهور طوائف بدل أن يكونوا أصحاب قضية اجتماعية واحدة. وما زالت تجعل الناس يهربون من سؤال العدالة إلى سؤال الهوية، ومن سؤال الدولة إلى سؤال الزعيم، ومن سؤال الوطن إلى سؤال المذهب.

لذلك فإن العودة إلى مهدي عامل ليست ترفاً فكرياً. إنها حاجة سياسية وأخلاقية. نعود إليه لأننا نحتاج إلى لغة لا تخاف من تسمية الأشياء. نحتاج إلى فكر يقول إن الطائفية ليست “تنوعاً” بريئاً حين تتحول إلى نظام حكم. نحتاج إلى وعي يقول إن المقاومة لا تكون مقاومة إذا صارت فوق النقد، وإن التحرر من الاحتلال لا يبرر قتل المختلفين، وإن من يقتل المفكر باسم الدين أو باسم المقاومة أو باسم الضرورة السياسية لا ينتج وطناً بل ينتج مقبرة.

في ذاكرة لبنان، يبقى مهدي عامل واحداً من كبار شهداء الفكر. لكنه ليس شهيد الفكر وحده. هو شهيد الجامعة، وشهيد المقاومة الوطنية، وشهيد اليسار، وشهيد الكلمة الحرة، وشهيد العقل الذي رفض أن يركع أمام الطائفة والوصاية والسلاح الظلامي. قتلوه لأنه كان يرى ما يريدون حجبه. قتلوه لأنهم علموا أن فكره أخطر عليهم من الرصاص، وأن كلمته قادرة على كشف زيفهم.

استشهد في شارع الجزائر، لكن الشارع لم يستطع أن يحتوي المعنى كله. الرصاصة أنهت حياته، لكنها لم تنه مشروعه. بقيت كتبه. بقيت عباراته. بقيت صورته وهو ذاهب إلى الجامعة. بقي صوته في كل مواجهة مع الطائفية. بقي كابوساً لكل قاتل يعرف أن الضحية لم تمت تماماً، وأن الفكرة التي أُريد دفنها صارت أكثر حضوراً بعد الدم.

ولم يكتفِ العدو الإسرائيلي بمطاردة مهدي عامل في حياته، ولا بمطاردة فكره بعد استشهاده، بل عاد، بعد عقود، ليضرب الذاكرة نفسها. ففي آذار/مارس 2026، دمّر الاحتلال الإسرائيلي في حاروف دار عائلة حمدان، دار والده الحاج عبد الله أحمد حمدان، البيت الذي شُيّد عام 1930، وحمل من ذاكرة العائلة والبلدة ما لا تستطيع الصواريخ أن تفهمه. لم يكن البيت حجارة فقط، بل امتداداً لذاكرة مهدي عامل، لذاكرة الجنوب، لذاكرة الفكر المقاوم الذي خرج من الناس وإليهم. كأن العدو، بعد كل هذه السنوات، ما زال يطارد الشهيد حتى في قبره، ويطارد البيت الذي خرجت منه الذاكرة، لأنه يعرف أن الفكر الذي قاومه مهدي عامل لا يموت باغتيال صاحبه، ولا ينهار بانهيار الجدران. دمّر الاحتلال البيت، لكن البيت صار شاهداً جديداً على أن مهدي عامل ما زال يقاوم، وأن العدو ما زال يخاف من أثره، من اسمه، من فكرته، ومن ذاكرة لا تُمحى بصاروخ ولا تُدفن تحت الركام.

ولهذا، حين نقول: الطائفية تخنقنا… يا مهدي عامل أدركنا، لا نقولها كاستغاثة ميتافيزيقية. نقولها كنداء إلى فكره، إلى أدواته، إلى نقده، إلى شجاعته. نقولها لأننا نحتاج أن نقرأه لا أن نرثيه فقط. نحتاج أن نفهمه لا أن نعلّق صورته فقط. نحتاج أن نكمل معركته ضد الطائفية والتبعية والظلام، لا أن نحوله إلى ذكرى موسمية.

مهدي عامل لم يكن “مهدياً منتظراً” بالمعنى الديني، بل كان مهدياً بالمعنى الإنساني والفكري: دليلاً في زمن العتمة، وعقلاً في زمن الجنون، ورفيقاً في زمن الخوف. لم يدّعِ خلاصاً فردياً، بل علّمنا أن الخلاص يبدأ من النقد، من المقاومة، من رفض الهزيمة، ومن الإيمان بأن الشعوب لا تتحرر إذا بقي عقلها أسيراً للطائفة والزعيم والخرافة.

صباح الشهداء حتى لا ننسى.
صباح الرفيق مهدي عامل.
صباح حسن عبد الله حمدان.
صباح الجامعة التي كان ذاهباً إليها.
صباح شارع الجزائر، حيث استشهد الجسد وبقي الفكر يقاوم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مأزق السلاح الإيراني في لبنان!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم شهد لبنان، منذ هزيمة حزيران عام 1967، تعاقب عدة...

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...